إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم أما بعد،
فيا معاشر المؤمنين، تحقيق معاني التوحيد مطلبٌ ضروريٌ لكل مؤمن، وكذلك التحقق بتحقيق معاني التوحيد، والتحقق بالتوحيد مطلبٌ ضروريٌ لكل مؤمن، ويجب أن نعلم أن التوحيد ليس علماً مجرداً نظرياً، ولا هو أقوالٌ أو تقسيمات.
التوحيد في حقيقته أحوالٌ ومقامات، التوحيد سلوكٌ ومواقف، ومواقف التوحيد ارتباطٌ بالله عز وجل في كل أمرك، هو منهاج حياة للمؤمن.
وفي هذه الساعة المباركة نقف مع معنى عظيم من معاني التوحيد ننبه إليه، رجاء أن نتحقق به جميعاً، وكلنا أيها السادة في حاجة إلى التحقق به كل يوم وعلى كل حاجة.
فمهم جداً أن نتعرف على هذا المعنى، إنه النجوء إلى الله، النجوء إلى الله وحده، وفي كل أمر وشأن، والالتجاء إليه والعياذ به.
وكما قالوا:
يا من ألوذ به فيما أؤمنه، ومن أعوذ به مما أخافه، لا يجبر الناس عظماً أن تكاسره، ولا يهيدون عظماً أن تجابره.
وكما قال غيره:
ما دون بابك لي باب ألوذ به، ولا وراءك لي مزوى ومطلب، فمن كمال التوحيد النجوء إليه عند الملمات، والالتجاء إليه في الكروبات، والاستجارة به عند ادلهام الخطوب وتوالي الكروب.
الكروب، أيا من ليس له مجير بعفوك من عذابك أستجير، أنا العبد المذنب بكل ذنب، وأنت السيد المولى الغفور، فإن عذبتني فبسوء فعلي، وإن تغفر فأنت به جدير.
أفر إليك أفر إليك منك، وليس إلا يفر إليك إلا المستجير.
نعم، أيها المؤمن، أيها المؤمنة، هل من رحمة إذا أمسكها الجبار؟ أم هل من ممسك لها إذا أرسلها؟
فهو القائل:
“ما يفتح الله للناس من رحمة فلا يمسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده.”
ومن دعاء الأخيار:
“لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت.”
هل من راد لضره إن مسك به؟ أم هل من راد لفضله إن أصابك به؟
لا، إذن من تدعوه لكشف ضررك إلا هو جل جلالك، ولا تدعو من دونه ما لا ينفعك ولا يضرك، ولا تدعو من دونه من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك.
فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين.
وإن يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يريدك بخير فلا راد لفضله، يصيب به من يشاء من عباده، وهو الغفور الرحيم.
نعم، يقول تعالى:
“وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له، وما له من دونه مولى.”
ويقول جل جلاله:
“قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً.”
فإن أردت أيها المؤمن حافظاً، فالله خير حافظ، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله.
وإن أردت راحماً، فهو خير الراحمين، وهو أرحم الراحمين.
وإن أردت نجاةً من مكر العباد وفكاكاً من كيد الكائنين، وإن كانوا قادرين، وإن كان صاحب سلطان أو جاه أو قوة، فالله هو الذي ينجيك، وهو الذي يقيك سوء ما مكروا.
كذلك كان موسى عليه السلام، وقد قال:
“وأفوذ أمري إلى الله.”
إن الله بصير بالعباد، فوقاه الله سيئات ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب.
وعلمه سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن عباس رضي الله عنه وهو غلام رضي الله عنه يقول له:
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك.
إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.
وعلم أن الأمة لو اتفقت على أن ينفعوك بشيء، لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اتفقوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
جفت القلوب وطويت الصحب، وهكذا فوت أمرك إلى الله، التجئ إلى الله، أنزل حوائجك بالله، إلجأ إليه، استعمله ولكن بتقواه، أطلب الفرج منه، بتفويض أمرك إليه.
واعلموا أن آية التفويض والفرج هي قوله تعالى:
“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.”
أي يجعل له مخرجاً من كربات الدنيا، ويجعل له مخرجاً من شبهات الدين، ويجعل له مخرجاً من الكرب عند الموت، ومن مواقف يوم القيامة.
كما يقول قتادة رحمه الله تعالى في تسجيله:
هي آية التفويض والفرج.
قال ابن مسعود رضي الله عنه:
ما في القرآن آية أسرع فرجاً من قوله تعالى:
“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.”
وقال السلف:
أشد آية في كتاب الله تفويضاً:
“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.”
ما سبب نزولها؟
تعجبونه؟ له عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له:
يا رسول الله إن المشركين أسروا ابني، وجزعت الأم، وإنهم يكلفونه من الفداء ما لا نطيق.
فقال له صلى الله عليه وسلم: اتق الله واصبر، وأمرك وإياها أي أمها، وأمرك وإياها أن تستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
فجاء إلى الأم وسألته عما أمره أو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: ما أمره به النبي عليه الصلاة والسلام، وأمرها به، فقالت: نعم، نعم ما أمرني وإياك فجعلا يكثران من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
فغفل العدو عن ابنهم، فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاق.
فنزلت الآية:
“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.”
رجل لزم باب عمر بن خطاب رضي الله عنه، كلما خرج عمر رآه بالباب فقال له يوماً: يا هذا انطلق وقرأ القرآن فإنه يغنيك عن باب عمر.
فانطلق الرجل يقرأ القرآن.
ففقده عمر مدة، فجعل يطلبه حتى رآه يوماً فقال له: يا فلان لقد فقدناك، فما الذي حبسك عنا؟
فقال: يا أمير المؤمنين، أمرتني أن أقرأ القرآن، فقرأت القرآن فأغناني عن باب عمر.
فقال عمر: وما قرأت؟
قال: قرأت:
“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.”
فقال عمر رضي الله عنه: فقه الرجل!
لا، كلا هذا.
وفي المستدرك وصححه الحاكم ووافقه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى عن أبي ذر قال:
جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية:
“وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.”
وصار يرددها حتى نعست.
فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم.
والمعنى: لو لجأ الناس إلى الله بتقواه لجعل لهم من كل ضيق مخرج ومن كل مأزق فرج.
وفي الطبراني في المعجب الكبير والبيهقي في شعب الإيمان وفي مجلس الشاشي يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
من نزلت به حاجة فأنزلها بالناس لم تسد فاقت، ومن أنزلها بالله عز وجل أوشك الله له بالغنى إما عاجلاً وإما آجلاً.
فلننتبه مواقف في اللجوء إلى الله دون غيره، في الالتجاء إليه والاستجارة به.
أولهم: عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح الأنصاري رضي الله عنه، الطاهد الزكي، العاهد المجاهد الوفي، رضوان الله تعالى عليهم.
في يوم بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم ستة، وأمر عليهم مرثد ابن أبي مرثد رضي الله تعالى عنهم، فلما وصلوا إلى الرجيع استصرخ هذين عليهم وأحاطوا بهم، فقال القوم: نستسلم.
فأبا عاصم رضي الله عنه وقال: والله لا نقبل لمشرك عهداً ولا أبداً، ودعا عند ذلك: اللهم إني أحمي لك اليوم دينك، فحملي لحمي.
من منا يستخضر مثل هذا؟ حتى ولو كان مجاهداً؟ قليل منا من يستخضر مثل هذا.
قال: اللهم إني أحمي لك اليوم دينك، فحملي لحمي. فجعل يقاتل رضي الله عنه وهو يقول:
“مائلتي وأنا جلب النابل والقوس، فيها وتر نعنابل، إن لم أقاتلكم فأمي هابل، والموت حق، والحياة باطل، وكل ما حمل إله نازل بالمرء، والمرء إلهي أين؟”
فقاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه.
كانت امرأة من هؤلاء الأعداء، سلافة بن تسعد، قتلها عاصم رضي الله عنه في غزوة أحد اثنين من أبنائها، فكانت قد نذرت أنها لو قدرت على عاصم لتشربن في قح رأسه الخمر، فلما قتل عاصم أرادوا أن يحتزوا رأسه ليبيعوه إلى سلافة.
فأرسل الله إليه رتلاً من دبور مثل أكبر من النحل قليلاً وأشد فتكا من النحل، والعرب تعرفه، أرسل رجلاً من دبور فحمى عاصم رضي الله عنه من أن يفعل بهم المشركون، فلم يستطيعوا.
فقالوا: إذن نأتي إليه بالمساء حتى نحتز رأسه، فجاءوا بالمساء فما وجدوا جثته رضي الله تعالى عنه.
هكذا أيها المؤمن، نحقق التوحيد في معنى من معانيه.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
فإن الله ينصرك إذا لجأت إليه، يقيك سيئات ما ينكر لك أعداؤك، وما يكيد لك به الناس مهما كان هذا الكيف، ومهما كان سبب النصرة.
ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى:
“أَمَّا يَجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ“
عن أبي بكر الدايموري أنه حكى للحافظ بن عساكر رحمهما الله جميعاً، عن رجل أنه قال:
كنت أكاري على بغلٍ دي من دمشق إلى الزبدان، أكاري أي أحمل الناس وأحمل المتاع، يستأجروه أن يحمل لهم المتاع، وأن يحمله بين دمشق وبين بلد الزبدان.
قال: فركب معي إذا تمرت الرجل، فمررنا على بعض الطرق، فقال لي: خذ في هذه إلى طريق غير مسلوكة، قل في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا أعرف، لا أخبر هذا الطريق.
فقال: إنها أقرب، فسلكناها، فانتهنا إلى مكان وعر ووادي عميق، وفيه قتلى كثير.
فقال لي الرجل: أمسك رأس البغل حتى أنزل.
قال: فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه، وسل سكينا له، وقصدني.
ففررت منه، فاتبعني حتى لحق بي، فناشدته الله فأبى.
قلت له: خذ البغل وما عليه.
قال: هو لي، إنما أريد قتلك.
خوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، ثم قلت له: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: صل وعجل.
هو مسلم هذا المجرم مسلم، ناشده بكل شريف، أبى، فترجاه أن يسمح له بصلاة ركعتين.
قال: صل ولكن عجل حتى أقتلك.
قال: فقمت أصلي، فارتج علي القرآن فلم يحضرني حرف واحد منه بسبب شدة الخوف طبعا.
فبقيت واقفا متحيرا، وهو يقول لي: هيا أفرغ.
فأجر الله على لساني قوله تعالى:
“أَمَن يَجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ“
فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده، فخر سريعاً سريعاً.
إجابة عاجلة من رب العزة القادر على كل شيء، هو مسبب الأسباب، فلا يسعد عن الأسباب، ولا ينتظر أن يفعله بسبب ما أن دعاه.
وقرأ:
“أَمَن يَجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ“
إذا بالفارس من فم الوادي يرمي بحربته الرجل، فما أخطأت فؤاده، فخر سريعاً.
فتعلقت بالفارس، فقلت بالله من أنت؟
قال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.
قال: فأخذت بالبغل والحمل ورجعت سالماً.
وعجيب مثل هذا ما رواه الإمام ابن حزن الظاهري صاحب كتاب المحلى بالأثار، وهو شيخ الظاهرية في المغرب الإسلامي.
كان أبوه وزيراً لدى المنصور ابن أبي عامر، وفي بعض مدارسه للعامة كان يخصص يوماً من كل أسبوع يجلس فيه إلى عامة الناس.
وفي بعض هذه المجالس رفعت إليه رقعة استئطاف لأم لها ولد مسجون، كان ابن أبي عامر حنقاً عليه لجرم استعظمه منه.
فلما قرأها الأمير استبد غضبه وقال: ذكرتني والله به، وهو غضبان.
فأخذ القلم يوقع على الرقعة للاستئطاف، أخذ أن يوقع، وأراد أن يكتب “يسلب” فكتب “يطلق”.
الله أكبر.
ثم رمى بالرقعة إلى الوزير، وهو أبو ابن حسن أحمد بن سعيد رحمه الله تعالى.
فأخذ الوزير يكتب إلى صاحب الشراب ليطلق الرجل.
فلما أقال نظر الأمير إليه وقال: ماذا تكتب؟
قال: أكتب بإطلاق الرجل.
قال: ويحك!
فحرد الأمير وقال: من أمر بهذا؟
فناوله الرقعة وفيها التوقيع.
فلما رآه قال وهمته: والله ليسلب.
فكشف ما كتب: “يطلق”، وأراد أن يكتب “يسلب” فكتب “يطلق” المرة الثانية.
ثم رمى الرقعة إلى الوزير.
فأخذ الوزير يتمادى في كتابته إلى صاحب الشراب ليطلق هذا الرجل.
فنظر المزغول إليه وقال: ما تكتب؟
قال: بإطلاق الفلان.
قال وقد غضب غضباً أشد من غضبه الأول، ومن أمر بهذا، فناوله الرقعة.
فرآه خطه وتوقيعه، فكشفه في يده، وأراد أن يكتب “يسلب” فكتب للمرة الثالثة “يطلق الله أكبر”.
فتمادى الوزير يكتب لصاحب الشراب ليطلق الرجل.
فنظر إليه الأمير وقال له: ماذا تكتب؟
قال: بإطلاق الرجل.
عجيب!
فأخذ الأمير الرقعة، قلع الورقة من الوزير، فنظر فيها، فلما رأى توقيعه وخطه عجب للمرة الثالثة.
مرتين يكشف، للمرة الثالثة يرى أنه في كل مرة بدل أن يكتب “يسلب” يكتب “يطلق”.
هكذا أراد الله، هكذا أراد الله.
فمن يرد ما يريد الله، فلما رأى قال: نعم، يطلق، نعم يطلق.
على رغمي، فمن أراد الله إطلاقه، لا أقدر أنا على منعه.
إذن، أيها المؤمن، على من تنزل حاجتك؟ وإلى من تلتجئ في هذه الحياة الدنيا؟ إلى الله وحده.
فاللجوء إلى الله محقق عظيم لمعاني التوحيد.
