إن الحمد لله.. نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
لك الحمد يا ربنا من ضعيف يطلب نصرك، لك الحمد من فقير يطلب غناك، لك الحمد من ذليل يطلب عزك، لك الحمد من خائف يطلب أمنك. لك الحمد يا ربنا، ما دعوناك إلا حين ظننا بك كما أمرت، فلك الحمد. لك الحمد ما رجوناك إلا ثقة بوعدك، فلك الحمد. لك الحمد ما خفناك إلا تصديقًا بوعيدك، فلك الحمد. لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلا، تباركت تعطي من تشاء وتمنع.
إلهي وخلاقي وحرزي وموئلي ** إليك لدى الإعسار واليسر يفزع
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخليله. أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
ثم أما بعد، أيها الإخوة المسلمون،
الأمن من ضرورات الحياة ومن أسباب المعاش، بل هو السبب الأول لهناء المعايش ورغد الحياة. فبدون أمن لا تجارة، وبدون أمن لا عمارة، وبدون أمن لا إمارة ولا وزارة. وبلا أمن لا سياسة ولا اقتصاد. بدون أمن لا سياحة، وبدون أمن لا استقرار. بلا أمن لا هناء أبدًا ولا رغد وإن كثر المال والولد.
نعم، لا تجارة ولا سياحة بلا أمن، كما جاء في القرآن: “لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”. وعبادة رب هذا البيت لأن قريشًا رأوا بأم أعينهم قدرة رب البيت في الأغذية والبركات، وما فعل بأصحاب الفيل الذي صدق وصفهم: “فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ”. فلا تجارة ولا سياحة بلا عبادة، قرة العين إلا بالأمن.
ولذلك يذكرنا الله عز وجل بقوله: “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا”. وهذا المعنى يتضح أكثر بدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام في قوله: “رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ”. فإذا اهتز الأمن وسُلِب، قد يُعبد غير الله. إذا اهتز الأمن وسُلِب، يُعبد السلاطين والملوك وزبانية السلاطين والملوك وآلهة السلاطين والملوك، يُعبد أصحاب الجاه وأصحاب المال.
كان ذلك من حجج المشركين في ردهم ورفضهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قائلين: “إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا”. فالأمن هو سبب العبادة، سبب الحياة، سبب العيش، سبب كل شيء، بدونه يُسلب كل شيء.
إذن أيها المسلمون، الأمن لا شك من النعم الربانية والآلاء الرحمانية، يمن به الله عز وجل على عباده المؤمنين. ونعلم جميعًا أيها المؤمنون أن الله تعالى إذا امتن على عباده بنعمة فذلك دعوة من الكريم المنان جل جلاله لذكره وشكره وحسن عبادته. وإلا فاقرأ قول الله تعالى: “أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا”. ألم يقل الله عز وجل لنا ولكم أيها المؤمنون: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”.
ألم يقل حين سئل إبراهيم عليه السلام عمن يستحق الأمن والأمان؟ أهم أهل الإيمان أم أهل الكفران؟ أهم أهل الشريعة أم أهل الوضيعة؟ فأنزل الله تعالى: “فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ”.
والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد هذه النعمة، نعمة الأمن، في قوله عليه الصلاة والسلام: “من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه، عند وقوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا”. جمع كل نعم الدنيا من رغد وهناء وسعادة وطمأنينة وراحة في هذه الأمور الثلاثة: العافية في البدن، والأمن في السرب، والأمان في المعايش ووقوت اليوم. “فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”.
فأنشد بعضهم هذا المعنى فقال:
إذا القوت أتى لك والصحة والأمن ** وأصبحت آخر حزن فلا فارقك الحزن
نعم، لا يحق لأحد أن يحزن بعد أن يوفر الله له القوت والصحة والأمن.
وأنشد آخر:
كن وفلقة خبز وكوز ماء وأمن ** ألذ من كل عيش يحويه سخب وسجن
أيها الإخوة، إن الشريعة ترى في الأمن أهمية عظيمة، ولذلك قد تُبيح المحرمات لتأمين الأفراد والأشخاص والأموال. يُبيح ترك بعض العبادات طلبًا للأمن والتأمين. فيجوز لمن خاف على ماله أن يترك بعض الجماعات، ويجوز لمن خاف على أهله أن يكذب، بل قد يجب الكذب لإنجاء مسلم وإنقاذه وتأمينه. وقال بعضهم: “أن تخلص مسلمًا أو ماله، به فعل التواجب، تُجزى له”. ويقول الإمام الباقلاني رحمه الله تعالى: “رب كذبة تنجي أمة”. ولهذا كان الأمن أمره عظيمًا.
بل لا هناء بعيش، ولا لذة بأكل ولا شرب، ولا طمأنينة لقلب إلا بالأمن. وقد سئل بعض الحكماء عن الأمن فقال: “الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش”. وقيل لبعض الحكماء: “ما نعيمك؟”. قال: “الغنى، فإني رأيت الفقير لا عيش له”. قيل له: “زدنا”. قال: “الأمن، فإني رأيت الخائف لا عيش له”. فقيل له: “زدنا”. فقال: “العافية، فإني رأيت المريض لا عيش له”. فقيل له: “زدنا”. فقال: “الشباب، فإني رأيت الهرم لا عيش له”.
وعليه أيها الإخوة، الأمن مطلوب ضروري من ضروريات الحياة، ومن ضروريات الشريعة والدين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين الذين شادوا الدين ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها الإخوة،
إن كان الأمن مطلوبًا ضروريًا في حياتنا اليومية، فما السبيل إلى الأمن؟ ونحن نعيش هذه الأيام خوفًا كثيرًا. أبناؤنا لا يأمنون في الشوارع، يتوقع الواحد منهم في كل لحظة وفي كل ركن وفي كل شارع وعند كل لفة ساطورًا ينزل على رأسه أو جماعة تسطو عليه وتنهبه. البيوت أصبحت غير آمنة، أموالنا منهوبة. الناس في خوف الآن، قل من ينام في الفناء خوفًا على نفسه أو على ماله أو على بيته.
فما السبيل لتحصيل الأمن والأمان؟
نقول لكم وأذكر نفسي وإياكم وأعطيكم بعض الأسباب ومحصلات الأمن ومجلبات الأمن:
أول ذلك: تحقيق العبادة الحقة للمعبود الحق جل وعلا. وهذا يذكرنا الله به في قوله: “لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”. فمن أراد الأمن فليحقق العبودية لله عز وجل.
الأمر الثاني: أعلى من ذلك، التحقق بتوحيد الربوبية والألوهية والاتباع والأسماء والصفات، وذلك في قوله تعالى: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا”. السبب المحصل، الوسيلة المحققة لهذا الأمر، تبديل الخوف بالأمن: “يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا”. التحقق بتوحيد الله عز وجل في ربوبيته وألوهيته وفي اتباعه وفي أسمائه وصفاته.
الأمر الثالث: مهم جدًا، إفشاء العدل، إقامة العدل، انتشار العدل، نشر العدل. وهذا مهم جدًا. مهمة الوالي، مهمة الحاكم، مهمة ولي الأمر، مهمة الوزير، مهمة المدير، مهمة كل مسؤول في هذا البلد. مهمة الزوج في البيت، مهمة الأب بين أبنائه وبناته. إفشاء العدل ونشر العدل. عندئذ يتحقق الأمن، ينزل الله تعالى الأمن ليهنأ العيش في هذه البلاد الطيبة. الهرمزان كما تعرفون، ملك الأهواز لما أُسر وجيء به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبعة عشرة من الهجرة، فبحثوا عن عمر رضي الله عنه فلم يجدوه. فقال لهم أحدهم: “إنه في المسجد”. فساروا إلى عمر يبحثون عنه، فدخلوا المسجد فوجدوه نائمًا تحت سارية في المسجد، رضي الله تعالى عنه، وهو أمير المؤمنين، رئيس الدولة، نائم في المسجد بلا حرس بلا أمن بلا سيارات. فنظر إليه الهرمزان، ملك الأهواز، لما استيقظ عمر بجلبة الناس وأصواتهم، فقال له: “عدلت فأمنت فنمت”. فالعدل يحقق الأمن.
ولذلك واجب على الحكام والمسؤولين تحقيق الأمن في كل نظام في الدولة، وفي كل مرفق في الدولة، وفي كل شبر في الدولة، وفي كل حال وشأن في الدولة.
الأمر الرابع: التأمين من واجبات الدولة. تأمين المواطنين، تأمين مصالحهم، تأمين تجاراتهم، تأمين أموالهم، تأمين صحتهم وعافيتهم، تأمين تعليمهم. كل تأمين من واجبات الدولة، من واجبات الولاة. والدولة كما يقول الإمام الماوردي رحمه الله تعالى، تقوم على ست قواعد: “دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح”. هذه القواعد يجب أن يقيمها ولي الأمر لتقوم عليها دولته. ولذلك كان حكام المسلمين في سالف الأمر عند الحكومة الراشدة والخلافة الراشدة ومن بعدهم يعتبرون أن مسؤولية تأمين الناس وأعراضهم وأموالهم من أعظم واجباتهم. فكان عمر رضي الله عنه لا ينام بالليل إلا قليلًا يعسس طول الليل يؤمن أفراد دولته ومدينته رضي الله تعالى عنه. وكتب عمر إلى واليه أبي موسى الأشعري رضوان الله تعالى عليهم جميعًا: “أخِف الفساق حتى لا يخيفوا الناس”. أخِف الفساق، اجعلوهم يدًا يدًا ورجلًا رجلًا. اتبعوهم، اعرفوا أماكنهم، أحصوهم، احصروهم، احبسوهم، أمسكوهم، لا تتركوهم ولا تطلقوهم. فمن ضعف الدولة تفشي التخويف والإرهاب داخل الأحياء.
الأمر الخامس: ليس على الدولة وحدها. الدولة يجب عليها أن تؤمنك، ولكن يجب عليك قبل الدولة أن تؤمن نفسك، وأن تؤمن أهلك، وأن تؤمن أموالك، وأن تؤمن جيرانك، وأن تؤمن حيك. ولذلك لا بد من تأمين الأحياء من أهلها ومن أبنائها جميعًا. فلتنتظم الفرق الشبابية ولينتظم الشباب فيما بينهم ليحرسوا أهليهم، ليحرسوا بناتهم وأعراضهم، ليحرسوا بيوتهم، ليحرسوا أموال أهلهم. هذه كلها من الواجبات التي تحصل الأمن.
الخلاصة:
- العبادة الحقة لله تعالى.
- توحيد الله في ربوبيته وإلهيته وفي اتباعه وفي أسمائه وصفاته.
- إفشاء العدل ونشر العدل.
- إقامة الدولة، قيام الدولة بواجبها في تأمين العباد والبلاد.
- تأمين الأحياء بأهلها.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه. اللهم يا ذا الحبل الشديد والأمر الرشيد، نسألك الأمنة في الدنيا والآخرة. نسألك الأمنة يوم الوعيد والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود، الركع السجود الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود. اللهم آمِن روعاتنا، واستر عوراتنا يا رب العالمين. اللهم يا من أمنت حرمك، آمِن حريمنا وحرماتنا وأموالنا وذرياتنا وزرعنا ودرعنا يا رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
