إإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضِّل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين الذين شادوا الدين، ومن اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين
ثم أما بعد:
فيا أيها الإخوة المسلمون، أربع حقائق اتفقت البشرية على ثلاث منها واختلفوا في واحدة، كل الناس يتفقون ولا يختلفون في أنهم كانوا عدمًا، وكل البشرية لا تنكر ولا تجادل ولا تختصم في أنهم خُلِقوا بعد عدم، وكل الناس على يقين أنهم سيموتون، وذلك قوله تعالى:
“وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ“.
هذه هي الحقائق الثلاث التي اتفقت عليها البشرية:
- أنهم كانوا عدمًا.
- أنهم خُلِقوا من عدم.
- أنهم سيموتون.
ثم اختلفوا في الحقيقة الرابعة، وهو البعث.
الحقيقة الرابعة هي البعث بعد الموت والنشور، ففي ذلك اختلفوا، وهو قوله تعالى:
“عَمَّ يَتَسَاءَلُون * عَنِ النَّبَإِ العَظِيمِ * الَّذي هُم فِيهِ مُختَلِفُون “
فالموتُ من الحقائقِ التي لا جدال فيها، الموت من المسلمات اليقينية عند كل البشر: عند عالِمهم وعند جاهِلهم، عند صالِحهم وعند فاسِقهم، عند مؤمنهم وعند كافرهم، لا أحد يستطيع أن يُجادل في أن كل واحدٍ منا سيموت.
فالموت حتمٌ وحقٌ، لا ينجو مخلوقٌ منه، ولا نفسٌ من ذوقه، قال تعالى في سورة آل عمران:
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“.
وقال في سورة الأنبياء:
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ“.
وقال في سورة العنكبوت:
“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ“.
الموتُ مصيبة من مصائب الحياة، مصيبةٌ حتمية من مصائب هذه الدنيا تدخل الحزن على النفوس، والفقد للحياة، للأصحاب، للأزواج، للأولاد، للمال، الفقدَ لكل شيء.
تقطع عن العمل، تنقلك من الانطلاق إلى الإغلاق، ومن العمل إلى المحاسبة، ومن الكسب إلى المجازاة.
الموت مصيبة، وأشدُّ ما فيها أنها مصيبةٌ تطاردك، الموتُ ليس واقعًا فقط لا واقعٌ عليك، بل هو قادمٌ إليك أينما كنت وكيف ما كنت، هو مدركك ومحصِلُك،
أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في برودٍ مشيدة.
فلا مهربٌ ولا مفر منه، إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون.
لا مهرب منه ولا مفر، ولا مدفع له ولا مدرء.
الذين نصحوا إخوانهم حين خرج هؤلاء إلى الجهاد والقتال فنصحوهم عن التخلف وأن لا يتعرضوا للموت والقتل، وقالوا حينما أصابهم الموت ووقعت عليهم مصيبة الموت والقتل في الجهاد:
“لو أطاعونا ما قتلوه“.
فرد الله تعالى عليهم:
“قُلْ فَادْرِئُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ“.
ولذلك شأن العقلاء، شأن الفضلاء، شأن النبهاء، النبلاء: بناء الحياة على مآل الممات.
بناءُ الحياة على مآل الممات، حينما يقني الإنسانُ حياته الدنيا على أنه ميّت، على أنه سيموت، على أن الموت مدركه، على أنه لا يمكن له أن يفر من الموت، على أن الموت حتمٌ عليه وحقٌ عليه، عندئذٍ سيجوِّد دينه، ويتقنُ تقواه، يتابعُ ورعه، ويحسنُ عبادته، ويحافظ على أذكاره، يتورعُ عن الحقوق، يجيدُ تربية أهله وأولاده، يستشعر مسؤولياته كلَها، يُكثرُ من عباداته ومن أذكاره، يحرصُ على الإخلاص والتجرد في كل عمل يؤديه، يقيمُ حياته على الصدق، يصلحُ علاقاته بالخلق والخالق، يُتبعُ سيِّئَاتِه بالحسنات، يقي أهله وأولاده ونفسه عواقبَ الشرور، يستعد للسؤال والحساب.
وهكذا بناءُ الحياة على مآلِ الممات كان نصيحة الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم لأصحابه، كما في سنن ابن ماجة قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: “كنتُ جالسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجلٌ من الأنصار فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله، أي المؤمنين أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: ” أحسنهم أخلاقًا“.، فقال الرجل: فأي المؤمنين أكيَس؛ أي أعقل، وأفطن ؟
قال: “أكثرهم للموت ذكرًا وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس“..
وفي سُنن الترمذي وابن ماجة أيضًا، وحسنه الترمذي رحمه الله تعالى من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الكَيِّسُ من دانَ نفسه وعمِلَ لما بعد الموت“.
أنت في الدنيا، عملك لما بعد الموت، لا لإقامة دنيا، لن تخلُد فيها، فالعقل يقتضيك أن تفني بدنياك آخرتك، أن تعمل في دنياك لآخرتك، أن تستعد في هذه الدنيا للحياة الأبدية السرمدية، إما سعادة وإما شقاء.
فالكَيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله.
ولهذا كان عمرو الخطاب رضي الله عنه يقول ناصحًا، مرشدًا، موجهًا:
“حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزينوا للأرض الأكبر“.
وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا.
بناءُ الحياة على مآلِ الممات يكون بإحسانُ العمل وتطييب الدنيا، وهذا هو مراد قوله تعالى:
“الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا“.
فمقصودُ خلق الموت والحياة معًا، مقصود الخالق من خلق الموتِ والحياةِ إحسانُ العمل، أيُّكم أحسن عملًا.؟
وهذا حين فسّر السدِّي هذه الجملة من هذه الآية الكريمة قال في تفسيرها: أيُّكم أحسنُ عملًا، أي أكثركم للموت ذكرًا، وبه أحسن استعدادًا، ومنه أشد خوفًا وحذرًا.
ولهذا دعا القرآن العظيم، ودعا النبيُّ الكريم صلوات ربِّ وسلامه عليه المؤمنين جميعًا لتذكُر الموت وعدم الغفلة عن تذكُره والاستعداد له بكل عملٍ صالح، فقال تعالى لنبيِّه:
“إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ“.
هذا لنبيِّه صلى الله عليه وسلم الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، المُنقَّى، المُصفَّى، المُجتَّبَى، فكيف بك وكيف بي أيها المؤمن المتابع للنصر الله سبحانه وتعالى؟
كيف بك وبي حين نختصم عند الله يوم القيامة؟ وذلك بالموت الحتمي.
ولذلك لا بد إذن من تذكُر الموت، ولا بد من الاستعداد للموت.
والنبي صلى الله عليه وسلم وعظَ صحابته، والأمة من ورائهم، فقال:
“أكثروا ذكر هادم لذات“، يعني الموت.
وعند ابن حبان بسندٍ حسَن:
“أكثروا ذكر هادم لذات، فما ذكرَه عبد قط وهو في ضيقٍ إلا وسعه عليه، ولا ذكره وهو في سعةٍ إلا ضيقه عليه“.
الموت أيها السادة وسيدات، أنواع والأمواتُ أصناف، الموت منه:
- الموت المُبيد.
- ومنه الموت المُعيد.
- ومنه الموت السعيد.
- ومنه الموت الشقيّ.
- ومنه الموت المحيي.
الموت المبيد:
موتٌ لا سعادة بعده، ولا هناء يرجوه صاحبه، ولا جنة تقبله، ولا مغفرة له عند ربه، ولا عفوٌ ولا رجاء.
بل موتٌ يُسلم إلى سخط الله وعذابه وغضبه، موتٌ يسوقه إلى جهنم لا يخرج منها أبداً. نعوذ بالله أن نكون منهم، وأُعيذكم بالله أن تكونوا منهم.
“فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون * تَلفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُم فِيهَا كَالِحُون“
مهما اعتذروا لا منجا لهم، مهما ساقوا من أعذار لا نجاة لهم.
“قالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ * رَبَنَا أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُون * قَالَ اخَسِئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ“.
نعوذ بالله أن نكون منهم، وأعيدكم بالله أن تكونوا منهم.
هذا الموت المبيد، لا حياة سعيدة بعده، ولا رجاء لخيرٍ معه، ولا جنةً تستطيع أن تطلبها، ولا خيرٌ يقبلك، ولا عفوٌ يأتيك، ولا مغفرةٌ من ربك.
أما الموتُ السعيد:
فموت الصالحين، فلنكُن منهم، موت العابدين، فلنُصنف فيهم، موت أهل الصفوف الأولى في بيوت الله، وهنا نشهد لأخينا حسن عبيد رحمة الله تعالى عليه أنه منهم فيما نعلم، وحقيقته عند ربه، وهو أكرم الأكرمين وخير منزل َجلَّ وعَلا.
كان حريصًا على ارتياد المساجد، كان حريصًا على الصف الأول، كان حريصًا على خدمة بيته والمسجد، كان حريصًا على الوفاق، وكان حريصًا على نفي الخلاف بين المسلمين في هذا المسجد.
فنسألُ الله عزَّ وجلَّ أن يكرمه خيرَ إكرام، وأن ينزله مع السعداء، وأن يجعل موته موت السعداء، وأن يُهنئه بجوارِ المصطفى صلى الله عليه وسلم والأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ، وحسن أولئك رفيقاً.
رحمة الله تعالى عليه.
الموتُ السعيد هو موت الصالحين، وموت العابدين، موت أهل الصفوف الأولى في المساجد، هو موت أصحاب النفوس المطمئنة.
ملائكة الرحمن تأتي لصاحب الموت السعيد، السعيدُ بموته، لو علم أحدنا أنه سيسعد بموته لتعجَّل الموت.
لو علم أحدنا أنه سيكون مع السعداء لما تباطأ، لما تمنى أن يعيش، لما رغِب في هذه الدنيا، بل تعجَّل أن يموت.
هؤلاء منهم الذين تبشرهم ملائكة الرحمن عند موتهم إذا حضرتهم الوفاة، تقول لهم:
“يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي“.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما يذكر، يروي سعيد بن زايد أن رجلاً قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي“.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: “يا رسول الله ما أحسن هذا!”
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الملكَ سيقولها لك يا أبا بكر رضي الله تعالى عنه“.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون منهم.
الموتُ السعيد هو موت أهلِ اليقين بالله، المحسنين الظن بربهم.
حتى قيل لإعرابي اشتد مرضه، قيل له: “إنك ستموت خلاص مرضك مرض موت، وأنت مقبل عن الموت، ستموت”، فقال: “وإلى أين يُذهب بي بعد الموت؟”
فقيل له: “إلى الله”.!، فقال: “ويحكم! وكيفُ أخافُ الذهاب إلى من لا أرى الخير إلا من عنده”.
رحمة الله تعالى عليه.
الموتُ السعيد هو موت أحباب المصطفى، الصادقين في محبتهم واتباعهم عليه الصلاة والسلام، رضوان الله تعالى عليهم.
هؤلاء موتهم موت السعداء، هم يسعدون.
بلال رضي الله تعالى عنه حين حضرته الوفاة، صرخت امرأته، صاحت تقول:
“واه حزناه! واه حزناه!”
فرفع بلالٌ صوته وهو يعالج الموت، فقال:
“بل واطرباه، غدًا ألقى الأحبة محمداً وحزبه“.
رضي الله تعالى عنهم.
هذا الموتُ السعيد.
أما الموت المحيي:
فهو موت الشهداء.
موت الشهداء ألم يقل الله تعالى:
“وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ *
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُون “.
أما قال الله عنهم:
“وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ“.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
هذه المعاني مهمة لبناءُ الحياة على مآلِ الممات، لتصنف نفسك مع أي صنف تريده:
إما أن تجعل موتك موتاً مُبيداً،
أو أن تجعل موتك موتاً سعيداً،
أن تكون من أصحاب الموت المُحيي فتكون من الشهداء فتلحقَ بهم في جنات الله عز وجل.
كن من الخيرين في الموت.
الموتُ مصيبة، الموت مفارقةِ الروح للجسد هي مصيبة، لكن والله أشدُّ مصيبة من مفارقة الروح للجسد أن تكون الروح في جسدك وأنت تمشي وتأتي تتكلم وتسمع تأكل وتشرب وأنت ميت.
هي المصيبةُ الكبرى أن يكون موتك موتُ الأحياء، تكون ميّتًا حيًّا أو قل حيًّا ميّتًا.
فهذه مصيبتها أكبر من مصيبة الموت بمفارقة الروح والجسد.
إذا ماتت الضمائِر ماتَ الإنسان.
موتُ الضمير، موتٌ لصاحبه.
وكم من ماتَ ضميره في هذا الزمان، لا يعمل إلا لنفسهِ ولذاته.
موت الضمائِر، وموت المشاعر، موت الهم، موت القلوب، موت الشعور بالمسؤولية، موت الحياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ضميرك مات فلا رجاءَ في حياتِك، لا نفع في حياتك، ما النفع؟
ضميرك ميِّت، أنت أناني.
ضميرك ميِّت، أنت قد تعلقت، تشبثت بالحياة.
ضميرك ميِّت، أنت مُضِر، أنت مفسد.
المشاعر إذا ماتت، أين نجد الوُّد؟ أين نجدُ المحبة بين الناس؟ بين الإخوان، بين الأصحاب، بين الأصدقاء، بين الأزواج، بين الأبناء والأباء؟
في الأُسر إذا ماتت المشاعر، مشاعر التقدير، مشاعر الاحترام، كيف تقوم حياةٌ والمشاعر ميتة؟
موتُ الهم.
ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن ليس منا فالخير في موته، حقيقة.
خيرٌ للأمةِ، خيرٌ للمسلمين، أن تفارق روحه جسده، ولا خيرَ في بقاءِه، ولا في حياته بين الناس.
لا يهتم، يستغلك تاجرًا، يستخدمك مسؤولًا، يضُرُ بك أخًا يضُرُك في السوق، يضرك في الحيِّ والجوار.
جَارٌ مُضِر، مسؤولٌ مُضِر، أمير مُضِر، مديرٌ مُضِر، لا يهتم بأمرِ عُماله وموظفيه.
موتُ القلوب، كيف تكون حياةٌ بلا قلوب حية؟
موتُ الشعور بالمسؤولية، وهذا مُشاهد واقع، متواتِر، لا يحتاج مني الى استدلال، و إلى تمثيل، فهو معروفٌ للجميع أن كثيرًا من المسؤولين مات شعُورهم بالأمة، ومات شعُورهم بمسؤولياتهم وواجباتهم، قعدوا عن واجباتهم، ونكصوا عُهودهم، ونكثوا ما أعطوه لشعوبهم.
موت الحياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إذا مات الحياء، يصنع الناس ما يشاءون.
هؤلاء الذين يطلبون الحريات، وإطلاق الحريات.
تلك الفتاة التي كانت تتحدث في البرنامج الذي خُدع فيه “رئيس هيئة العلماء” برنامج “شباب توب” أو ما يسمى، كيف خدع وهو غُرِرَ به شيخنا محمد عثمان صالح حفظه الله تعالى.
تلك الفتاة الجريئة التي تُطلق على نفسها: المطلوقة، والمطلوقة عندنا عيب، وقاحة، رعونة في مجتمع المسلمين جميعًا.
وعندنا أكثر رعونةً ووقاحة.
الحياء مات، ولذلك تتكلم، تلبس كما تشاء، وتطلبُ أن تفعل ما تشاء، تصاحبُ من تشاء، وتمارس مع من تشاء ما تشاء، وتخرجُ من بيتها في الوقت الذي تشاء، وتعودُ أو لا تعود كما تشاء.
هذا من موت الحياء.
إن كانت سيدتنا مريم الصديقة عليها السلام بأمرِ الله، وبقدرِ الله حمِلت عيسى عليه السلام من غير زوج، تمنت أن تموت لأنها صاحبة حياء، كيف تواجه الناس والمجتمع؟
لأنها تستحي، وإن لم تستحِ فأصنع ما شئت.
حتى كانت تمنت الموت تقول:
“يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسِيًّا مَنْسِيًّا“.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اهدنا في من أهديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا وقفنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، فإنه لا يذل من وليت، ولا يعز من عاديت، تبارك ربنا وتعالى.
اللهم انصر الإسلام وعز المسلمين، اللهم أذل الكفر والمشركين.
