الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
ففي فترات غير قصيرة تفشى التعثّر في سداد ديون البنوك وتمويلاتها تعسراً من بعضهم ومماطلة من غيرهم، وحين تطالبهم البنوك بسداد ما عليهم، يعتذرون بالعجز والإعسار، فلجأت بعض البنوك حيناً إلى تسييل ضماناتهم، وبعض البنوك لأسباب خاصة اعتمدت الشيك الذي يقدّمه العميل ضماناً لتمويله، فيلجأون للشيك فيرتجع دون صرفه ليجدوه بلا رصيد، والبنك المركزي تطالب البنوك بمعالجة أمر التعثّر لكثرته وتفشيه، فاضطرت المصارف لتقديم الشيكات المردودة للنيابات فوجهت بحبسهم حسب المادة (179) من القانون الجنائي السوداني.
فكثر نزلاء التعثّر بدعاوى التعسّر في الحبس، فضجّوا وضجّ لهم كثيرٌ من المحامين والمسؤولين، وحرّفوا عبارة القانون من «الحبس حتى السداد» إلى « الحبس حتى الممات» للتأثير على الناس واستجلاب التعاطف العام وتكوين رأي عام، حتى استطاعوا إقناع جهات بإلغاء أو تعديل المواد المتعلقة بحبس المدين ، ووصل الأمر إلى البرلمان ، في محاولةٍ لتعديل تلك القوانين: « قانون الإجراءات المدنية المادة (225)» «والقانون الجنائي المادة (179) ».
فطلب إليّ تقديم ورقة بحثية حول أحكام حبس المدين وموقف الفقه منه وتنزيلها على قضية الشيك المردود، فاستجبت وأعددت هذا البحث الذي جاء في
المبحث الأول في: تعريف المدين.
والمبحث الثاني في: الأصول الشرعية الحاكمة لمسألة حبس المدين.
والمبحث الثالث في: حكم حبس المدين عند الفقهاء.
والمبحث الرابع في: أحوال المدينين في استحقاق الحبس.
والمبحث الخامس في: إنزال أحكام المدين في محرر الشيك المردود.
ثم خاتمة وخلاصات.
والله تعالى أسأله الوفيق والسداد والقبول والنفع للمسلمين.
المدين في أصل اللغة من دان الرجل يدين ديناً من المداينة، وهو الغريم، ويسمى مديناً ومديوناً.. ويطلق على الذي يبيع بدين، وعلى الذي يعترض الناس ويستدين ممن أمكنه، كما يطلق على العبد(1) بجامع الذلة فيهما، فالمدين أذلّه الدين ومطالبته، والعبد أذلّه العمل ويمين العبودية، ومنه قوله تعالى ﴿فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [الواقعة : 86، 87].
ومن الفقهاء من يطلق عليه «المديان» مبالغة في المدين خاصة إنْ كثر دينه أو مطالبوه، وهو الذي اشتهر في اصطلاح المالكية(2).
وفي الاصطلاح: هو «من شُغلت ذمّته بمالٍ للغير، سواءٌ أكان حالاً أو مؤجلاً، أم قرضاً أم معاوضة» (3).
وبمعنى آخر: « من شُغلت ذمّته بحق ماليّ لآخر حلَّ أو لم يحلّ ».
والمقصود بالذمة التي تُشغل بالدَّين عند الفقهاء : « المعنى الشرعي القائم في المكلف يقبل الإلزام والالتزام سواءٌ أكانا في عبادة أو عادة أو معاملة».. أو هي: الوصف الذي يصير الشخص به أهلاً للإيجاب له أو عليه(4).
أمَّا الدَّين الذي يُحبس فيه ليس هو كل دين، فالدين أنواع كثيرة، منها: دين الصحة، ودين المرض، ودين والدين الحال والدين المؤجل، والدين الصحيح والدين الضعيف والدين غير الصحيح والدين القوي والدين المتوسط والدين المشترك والدين غير المشترك ، والدين المطلق..
فالذي يحبس فيه المدين من الديون هو الدين الصحيح ، وهو الدين الثابت الذي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
وعليه يكون البحث في حكم المدين وحكم حبسه في الفقه.
هناك أصول شرعية بَنَى عليها فقهاءُ الإسلام مسألة حبس المدين وأحكامه الشرعية، والبدء بها مهم لضبط النظر الفقهي وترتيب ما ينتج عنه من أحكام، وهذه الأصول أصول نصيّة، وأصول فقهية.
تتلخّص الأصول النصيّة التي بُنيتْ عليها أحكام حبس المدين في ثلاث آيات من القرآن العظيم، وحديثين من أحاديث النَّبي الكريم ﷺ.
فالآية الأولى: آية الوفاء بالعقود وهي قوله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة : 1]. و« العقود » كما قال محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما: هي كل ما ربطه المرء على نفسه من بيع أن ونكاح أو غيره. وهي خمسٌ كما قال جابر بن زيد وعبد الله بن عبيدة : عقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة العهد، وعقدة البيع، وعقدة الحلف(5). بل الألف واللام فيها للعموم، فيشمل كل عقد وعهد، وإنْ كان الغالب في هذه الخمس.
والآية الثانية: هي آية الدين من قوله عز وجل: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ﴾ … إلى قوله سبحانه… ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَـٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ [البقرة : 282ـ 283].وهي مباشرة لمسألة الدين وأحكام المدين وخاصّة بها، ومع أنها نزلت في السلم خاصة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ إلا أنها تجمع الدين كله كما قال الإمام مالك رحمه الله، فتكون الألف واللام في (الدَّين ) في الآية للعموم. ثم جمعت الآية حكم جواز التداين في البيوع وغيرها، وحكم الأجل فيه، وحكم توثيق الدين وكتابته والإشهاد عليه، وغير ذلك من أحكام الدين والتداين .
والآية الثالثة: آية إنظار المعسر، وهي قوله تعالى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ﴾ [البقرة : 280] وهي في حكم ما إذا كان المدين ذا عُسرة، فحكم الله تعالى للمعسر أن يُنظر ويؤجّل ويؤخر حتى يوسر.
فنرى هذه الأصول القرآنية الثلاثة قد توزّعت قضايا المدين، فقامت الآية الأولى لتعالج المسألة ديانة، وجاءت الآية الثانية لتعالجها قضاءً، ووضعت الآية الثالثة شرط الوفاء والأداء من الإعسار واليسار. فإن كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة، فلا يؤاخذ، ولا يلازم، و يعاقب ولا يعزّر ولا يحبس.
وأمّا الأحاديث: التي أصّلتْ لمسألة حبس المدين، فحديثان اشتهرا لدى الفقهاء:
الحديث الأول: هو حديث ( مطل الغني ظلم )(6). والمطل: هو ترك إعطاء ما حلّ أجله من الدين مع طلبه (7).
2ـ حديث عمرو بن الشريد عن أبيه رضي الله عنه: ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته )(8).
والليّ بفتح اللام وتشديد الياء مصدر لويته، من قولك: لويته ليّاً، كقولك: طويته طيّاً، وشويته شيّاً وغويته غيّاً،
والمراد به المطل ومنه قول ذي الرمة:
تطيلين ليـــــــــاني وأنت ملية وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا
والمراد بالواجد الموسر المليء القادر على السداد.
هنالك أصول فقهية وقواعد شرعية تحكم مسألة المَدين وأحكام حبسه من عدمه، هي:
فإنّ حقوق الآدميين على المشاحة والتضييق لا على المسامحة والتسهيل، فمن أخذ حقاً من آدمي لا يجوز له بحال أن يتساهل في الوفاء به لصاحبه، وكذلك من يلي أمر استيفاء الحقوق من القضاة والحكام، فلا يجوز لهم أنْ يتساهلوا في حقوق الآدميين، بل الواجب عليهم الضرب على أيد المتلاعبين بحقوق الناس المتعدِّين عليها، كما يجب عليهم السعي بكل سبيل إلى ردّ الحقوق إلى أهلها فإنها من الأمانات التي يجب أن تحفظ وترد إلى أصحابها وقد قال تعالى آمراً الحكام والمسؤولين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]..
ولهذا كان صدّيّق الأمة رضي الله عنه مع حلمه ولينه وسماحته لا يتسامح في الحقوق وإيفائها لأهلها، وقد أعلن شعار خلافته الأعظم حين وَلِـيَ أمر الناس بعد رسول الله ﷺ فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: « يا أيّها النّاس! إنّي قد وُلِّيتُ عليكم أمركم هذا، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، أكيس الكيس التقي، وأنوك النوك الفجور، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق، والقوي عندكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه » (9).
فجعل رضي الله عنه معيار القوة بالحق والقوة عند صاحب ضعيفاً في نفسه يقوّيه الحق حتى يؤخذ له، وذلك لأنّ الحقوق على المشاحة والتضييق، فلا مسامحة فيها.
ولذلك قال مالك: « مثل هؤلاء التجار الذين يأخذون أموال الناس فيقعدون عليها، فيقولون: قد ذهبت منا، ولا نعرف ذلك إلاّ بقولهم، وهم في مواضعهم لا يُعلم أنّه سُرق مالهم ولا احترق بيتهم، أو مصيبة دخلت عليهم، ولكنهم يقعدون على أموال الناس. فإن هؤلاء يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم» (10).
3ـ الناس محمولون على الملاء حتى يثبت عدمهم: حتى قال ابن جزي رحمه الله في القوانين عن المدين مدّعي العدم: « إِنْ ادّعى الْعَدَم فَلَا يقبل مِنْهُ لِأَن النَّاس محمولون على الملاء حَتَّى يثبت عدمهم، فَأَما أَن يُعْطي رهناً أَو ضَامِناً بِوَجْهِهِ وَإِلَّا سجن اتِّفَاقًا حَتَّى يتَبَيَّن عَدمه » (11).
قال السرخسي رحمه الله: « أمّا إذا ادعى الإعسار فإن كان ذلك في ديون وجبت بسبب المبايعات فينبغي أن لا يصدق؛ لأن الظاهر يكذبه لأنه يكون واحداً باعتبار بدله، وإن كان بأسباب مشروعة سوى المبايعات كالمهر وبدل الخلع والكفالة وبدل الصلح اختلف مشايخنا رحمهم الله فقال بعضهم: يصدق ولا يحبس؛ لأنه متمسك بالأصل وهو العدم فالقول قوله. قال: وقال بعضهم: « لا يصدق لأن التزامه المال اختياراً دليل قدرته ولو كان ديناً وجب حكماً باستهلاك مال ونحوه ينبغي أن يصدق، ثم قال أبو حنيفة رحمه الله: إذا حبس الرجل شهرين يسأل عنه، وإن شاء سأل عنه في أول ما يحبسه والرأي فيه إلى القاضي إن أخبر بعد أويقات أنه معسر خلي»(12). اهـ
ولذلك قال الغرياني في مدونة الفقه المالكي: « إن لم يُثبت المدين فقره، وامتنع عن الأداء، مدعياً الإعسار، جاز حبسه »(13).
6ـ الأصل اليسار حتى يثبت العسر: أخذاً بظاهر أمره، فإنه قد أخذ المال ولم يثبت إعساره، فهو على اليسار حتى يُثبت أنه قد أعسر، لأن ثبوت الدَّين بطريق المعاملة ونحوها يدل على الملاءة (14). فلا يصدّق بمجرد الدعوى حتى تقوم البينة على دعواه الإعسار.
فإنّ المولى عزّ وجلّ أمر بكتابة الدَّين توثيقاً له فقال عز وجل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى فَٱكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]..
وحثّ على كتابة كل كبير وصغير مهما قلّ أو دقّ حفظاً للحقوق فقال سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ﴾ [البقرة: 282]..
وشرع الرهن لضمان الحقوق في الدُّيون فقال جلّ جلاله ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَـٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ﴾ [البقرة: 283]..
فدلّ هذا على أن الأصل توثيق الدّيون والاحتياط لها ، والاستئمان فيها استثناء ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ [البقرة: 283].
لقد نصّ الفقهاء في المذاهب الأربعة المتبوعة وغيرهم ـ في الجملة ـ على أنّ المدين الموسر إذا ماطل وامتنع عن وفاء دينه؛ أن يعاقب بالحبس حتى يؤديه.
بل نقل الاتفاق بين العلماء على حبس المدين غير واحد:
1ـ نقل الإجماع على ذلك الإمام ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد حين قال: « كلهم مجمعون على أنّ المدين إذا ادعَىَ الفلس ولم يعلم صدقه أنه يحبس حتى يتبين صدقه أو يقرّ له بذلك صاحب الدين »(15).
2ـ ونصّ على الاتفاق ابن جزي رحمه الله في القوانين فقال: « إِنْ ادّعى الْعَدَم فَلَا يقبل مِنْهُ لِأَن النَّاس محمولون على الملاء حَتَّى يثبت عدمهم فَأَما أَن يُعْطي رهناً أَو ضَامِناً بِوَجْهِهِ وَإِلَّا سجن اتِّفَاقًا حَتَّى يتَبَيَّن عَدمه » (16).
3ـ ونصّ على إجماع العلماء جمال الدين المَلَطي الحنفي رحمه الله في المعتصر من المختصر فقال: « وبالإجماع أنه يحبسه الحاكم عند سؤال المستحق بطريقه»(17).
4ـ ويشير الإمام السرخسي رحمه الله في المبسوط إلى أن العلماء اتفقوا على حبس المدين في الدين، مستدلاً بذلك على أن القاضي ليس له أن يبيع مال الدين في دينه(18).
5ـ وأشار الإمام أبي الحسن بن بطال رحمه الله في شرح البخاري إلى اتفاقهم، حيث قال: « أما عقوبته بالحبس؛ فإنّ ذلك إذا رُجي له مال أو وفاء بما عليه، فإذا ثبتت عسرته؛ وجبت نظرته، ولم يلزمه حبس؛ لزوال العلة الموجبة لحبسه، وهي الوجدان. واختلفوا في الرجل إذا ثبتت عسرته وأطلقه القاضي من السجن، هل يلازمه غريمه؟ »(19).
فقوله: « واختلفوا ..» إشارة إلى أنّ حبسه إنْ لم تثبت عسرته لم يختلفوا فيه.
6ـ ونفى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله علمه الخلاف في حبس المدين المماطل فقال: « يعاقب الغني المماطل بالحبس، فإنْ أصرّ؛ عُوقب بالضرب حتى يؤدي الواجب، وقد نصّ على ذلك الفقهاء : من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم، ولا أعلم فيه خلافاً »(20).
ونصوص فقهاء المذاهب المتبوعة كثيرة وفيرة، وإليك بعض نُقُولهم ونصوص أقوالهم في المسألة:
ـ جاء في المبسوط للسرخسي : « باب الحبس في الدين ( قال رحمه الله ) ويحبس الرجل في كل دين ما خلا دين الولد على الأبوين أو على بعض الأجداد فإنهم لا يحبسون في دينه أما في دين غيرهم فيحبس لأنه بالمطل صار ظالما ، والظالم يحبس »(21) اهـ .
ـ وذكر الكاساني في البدائع أن المديون يحبس بما عليه من الدين إذا كان الدين حالاً ولم يكن معسراً، إذا طلب صاحب الدين حبس المدين من القاضي…(22).
ـ وذكر الموصلي الحنفي في الاختيار لتعليل المختار أنه إذا سأل الدائن حبس غريمه وأمره القاضي بدفع ما عليه فإنْ امتنع حبسه..(23).
بعد أن نقل ابن رشد الإجماع على حبس المدين؛ نذكر بعض نقولهم وما جاء في كتبهم من القول بحبس المدين في دينه.
ـ قال القاضي عبد الوهاب في التلقين: « وإذا ادّعى المديان الفلس ولم يعلم صدقه ولا ظهرت أمارةٌ لصدقه؛ لم يقبل منه ويحبس إلى أن ينكشف أمره… قال: وكل دين ثابت في الذمّة يستحق المطالبة فإنه يحبس فيه »(24).
ـ وقال الشيخ الدردير في الشرح الصغير: « وحُبس المفلس لثبوت عسره إنْ جُهل حاله لا إنْ عُلم عسره إلا أن يأتي بحميل: بمال أو بوجه»(25).
ـ وفي الرسالة لابم أبي زيد: « ويُحبس المديان ليستبرأ »(26).
وفي مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني: « إن لم يثبت المدين فقره، وامتنع عن الأداء، مدعياً الإعسار، جاز حبسه »(27).
ومن قبلهم صرّح بالحبس إمامُ المذهب مالك رحمه الله بنفسه، إذ جاء نصه في المدونة لما سأل سحنون ابن القاسم رحمهم الله تعالى: « أرأيت الدين هل يحبس فيه مالك؟ قال: قال مالك بن أنس: إذا تبين للقاضي الإلداد من الغريم حَبَسَهُ. قلت: ما قول مالك في الإلداد؟ قال: قال مالك: إذا كان له مال فاتهمه السلطان أن يكون غيبه قال مالك: أو مثل هؤلاء التجار الذين يأخذون أموال الناس فيقعدون عليها، فيقولون: قد ذهبت منا ولا نعرف ذلك إلا بقولهم وهم في مواضعهم لا يعلم أنه سرق مالهم ولا احترق بيتهم، أو مصيبة دخلت عليهم ولكنهم يقعدون على أموال الناس. فإن هؤلاء يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم. قلت: هل لحبس هؤلاء حد عند مالك؟ قال: لا، ليس لحبس هؤلاء حد عند مالك، ولكنه يحبسهم أبدا حتى يوفوا الناس حقوقهم، أو يتبين للقاضي أنه لا مال لهم. فإذا تبين له أنهم لا مال لهم أخرجهم ولم يحبسهم » 0((28).
يقول الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الأم في باب ما جاء في حبس المفلس : « إن لم يظهر للرجل ” أي المفلس” مال، ولم يوجد له ما يبلغ حقوقهم ” أي أهل الدين ” حُبسَ، وبيع في ماله ما قدر عليه من شئ» (29).
ونقل النووي عن القاضي أبي الطيب والأصحاب رحمهم الله: « إذا امتنع المديون من أداء دينه إذا طلب منه، فالحاكم بالخيار، إنْ شاء باع ماله عليه بغير إذنه، وإنْ شاء أكرهه على بيعه، وغرره ـ أو عزره ـ بالحبس وغيره حتى يبيعه»(30).
وفي باب صلاة الخوف قال النووي رحمه الله: « المديون المعسر العاجز عن بينة الإعسار ولا يصدقه غريمه ولو ظفر به حبسه »(31).
وقال البغوي رحمه الله في شرح السنة: « إن كان له مال يخفيه ، حبس وعزر حتى يظهر ماله وإن ادعى هلاك ماله ، لم يقبل حتى يقيم عليه البينة ، فإن لم يقم البينة حبس ، ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف عنه ، فمتى ظهر للحاكم عدمه خلى سبيله »(32).
وقد استدل الشافعية على حبس المدين إذا كان قادراً على الوفاء تأديباً له وتشديداً عليه، بحديث: ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) ونُقل عن الرافعي قوله: « أراد المفسرون بالعقوبة: الحبس والملازمة، فإن لم ينزجر بالحبس؛ زاد في تعزيره بما يراه من الضرب وغيره »(33).
قال صاحب المغني شارحاً عبارة الخرقي رحمهم الله تعالى: « ومن وجب عليه حق ، فذكر أنه معسر به ، حُبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته» فقال الشارح : « وجملته أن من وجب عليه دين حال ، فطولب به ، ولم يؤده ، نظر الحاكم ؛ فإن كان في يده مال ظاهر أمره بالقضاء ، فإن ذكر أنه لغيره ، فقد ذكرنا حكمه في الفصل الذي قبل هذا ، وإن لم يجد له مالاً ظاهرًا، فادعى الإعسار، فصدقه غريمه، لم يحبس، ووجب إنظاره، ولم تجز ملازمته ، لقول الله تعالى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ﴾ [البقرة : 280]. ولقول النبي ﷺلغرماء الذي كثر دينه 🙁 خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك ). ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه ، وعسرته ثابتة ، والقضاء متعذر ، فلا فائدة في الحبس . وإن كذبه غريمه فلا يخلو ، إما أن يكون عرف له مال أو لم يعرف ، فإن عرف له مال لكون الدين ثبت عن معاوضة ، كالقرض والبيع ، أو عرف له أصل مال سوى هذا ، فالقول قول غريمه مع يمينه .فإذا حلف أنه ذو مال ، حبس حتى تشهد البينة بإعساره » اهـ(34) .
وقال أبو البركات في المحرر: « وإذا ادَّعَى المدين الإعسار؛ حلف، وخلي، إلاّ إذا كان دينه عن عوضٍ أخذه، كالبيع، والقرض، أو عُرف له مالٌ؛ فيُحبس، إلاّ أن يقيم بينة بعسرته، أو تلف ماله »(35).
وفي عمدة الفقه لابن قدامة: « إن كان الدين حالاً على معسر، وجب إنظاره، فإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله، إلا أن يُعرف له مال قبل ذلك، فلا يقبل قوله إلا ببينة، فإن كان موسراً لزمه وفاؤه، فإن أبى حُبس حتى يوفيه»(36).
قال أبو محمد ابن بركة رحمه الله في الجامع: « ومن لزمه ضمن مالٍ لغيره وهو قادر على أدائه إليه، فمطل صاحبه إياه وأخّره عنه مع طلبه له ؛ كان آثماً لقول رسول الله ﷺ( مطل الموسر ظلم ) أو قال: ( مطل الغنيّ ظلم) (37) وعلى الحاكم أخذه بتسليم الحق الذي عليه، ويلجئه إلى دفعه ولا غاية إلا التسليم… وإذا تماجن في الحبس وقعد؛ باع الحاكم عليه ماله وقضى عنه دينه.. قال: والحبس عقوبة من عصى الحاكم وعصى ربه أيضاً ، لامتناعه من تسليم الحق الذي يقدر عليه»(38).
ويقول الشقصي رحمه الله في منهج الطالبين: « إذا أجل الغريم في بيع ماله، وإن انقضى الأجل ولم يحضر الحق للأجل؛ حبس حتى يعطي القوم حقوقهم»(39).
تكلم عن هذه المسألة ابن حزم رحمه الله في المحلى في [مَسْأَلَةٌ الْمدين إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ] فقال: «مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْحُقُوقُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ؟ أُلْزِمَ الْغُرْمَ وَسُجِنَ حَتَّى يُثْبِتَ الْعَدَمَ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ شُهُودٍ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُمْنَعُ خَصْمُهُ مِنْ لُزُومِهِ وَالْمَشْيِ مَعَهُ حَيْثُ مَشَى، أَوْ وَكِيلُهُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَهُ، فَإِنْ أَثْبَتَ عَدَمَهُ سُرِّحَ بَعْدَ أَنْ يُحَلِّفَهُ: مَا لَهُ مَالٌ بَاطِنٌ، وَمُنِعَ خَصْمُهُ مِنْ لَزَوْمه، وَأُوجِرَ لِخُصُومِهِ، وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مَالٌ أُنْصِفَ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَتْ الْحُقُوقُ مِنْ نَفَقَاتٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ ضَمَانٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي أَنَّهُ عَدِيمٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، حَتَّى يُثْبِتَ خَصْمُهُ أَنَّ لَهُ مَالًا، لَكِنْ يُؤَاجَرُ كَمَا قَدَّمْنَا. وَإِنْ صَحَّ أَنَّ لَهُ مَالًا غَيَّبَهُ أُدِّبَ وَضُرِبَ حَتَّى يُحْضِرَهُ أَوْ يَمُوتَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]»(40).
وقال في كتاب المداينات والتفليس : « وَمَنْ ثَبَتَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ حُقُوقٌ مِنْ مَالٍ أَوْ مِمَّا يُوجِبُ غُرْمَ مَالٍ بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ، أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْهُ صَحِيحٍ: بِيعَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يُوجَدُ لَهُ، وَأُنْصِفَ الْغُرَمَاءَ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُسْجَنَ أَصْلًا، إلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ مِنْ نَوْعٍ مَا عَلَيْهِ فَيُنْصَفُ النَّاسُ مِنْهُ بِغَيْرِ بَيْعٍ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ وَوُجِدَتْ لَهُ دَرَاهِمُ، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامٌ وَوُجِدَ لَهُ طَعَامٌ، وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135]، وَلِتَصْوِيبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَوْلَ سَلْمَانَ: أَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» ؛ وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ». فَسِجْنُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إنْصَافِ غُرَمَائِهِ ظُلْمٌ لَهُ وَلَهُمْ مَعًا، وَحُكْمٌ بِمَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ، وَلَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِجْنٌ قَطُّ -: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ نا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَبْسُ الرَّجُلِ فِي السِّجْنِ بَعْدَ مَا يَعْرِفُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ظُلْمٌ» (41).
فنرى ابن حزم رحمه الله يفرّق ههنا بين حالين:
أحدهما: أن يوجد له مالٌ يمكن أن يقابل به ما عليه من حقوق وديون، فيوفَّى بذلك لأصحاب الحقوق والغارمين، فهذا لا يحتاج إلى حبسه للسداد.
والثاني: أن لا يُعرف حاله من اليسار والإعسار، فيحبس حتى يُعلم حاله، أو يسدد.
وبهذا وافق عامة الفقهاء في أن المدين يُحبس حتى يتبيّن حاله، فإنْ عُرف أنّ له مالاً من جنس ما عليه أو خلافه أُخذ منه ما من جنسه وبيع عليه ما ليس من جنسه للوفاء للغرماء ولسداد الدَّين الذي عليه، وإنْ عُرف عدمه وثبت إعساره؛ سرّح ولم يجز حبسه عندئذ، لأنّ حقَّه الإنظار وخيرٌ من الإنظار التصدّق عليه وإعفاؤه أو الوضع عنه لقوله تعالى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].
وعلى هذا؛ فلا خلاف بين أهل الفقه في حبس المدين حتى يُعرف حاله، وتسريحه إذا عرف إعساره، وإنْ تمكّن الحاكم أو القاضي من تحصيل ما يوفِّي به لأصحاب الحقوق من ماله فلا حاجة لحبسه عندئذٍ.
استدل الفقهاء على حبس المدين بجملة من أدلة، أظهرها ما يلي:
الدَّليل الأول: قوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا﴾ [آل عمران: 75].
والشاهد من هذه الآية الكريمة قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا﴾
وفي معناه قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: «إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا بِالتَّقَاضِي».
وَقَالَ السُّدِّيُّ: «إلَّا مَا دُمْتَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ بِالْمُلَازَمَةِ لَهُ».
قال الجصاص: « وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ: مِنْ التَّقَاضِي، وَمِنْ الْمُلَازَمَةِ، وَهُوَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا﴾ بِالْمُلَازَمَةِ أَوْلَى مِنْهُ بِالتَّقَاضِي مِنْ غَيْرِ مُلَازَمَةٍ، وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ لِلطَّالِبِ مُلَازَمَةَ الْمَطْلُوبِ بِالدَّيْنِ»(42).
فدلت الآية بوضوحٍ على جواز ملازمة الدائن للمدين ومنعه من التصرف، وإذا جازت ملازمته ومنعه من التصرف؛ جاز حبسه(43).
حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنّ النّبي ﷺحبس رجلاً في تهمة ثم خلّى عنه(44).
ووجه الدلالة: أنّ ادّعاء المدين الفلس دون بينة إعسار تهمة، ولما حبس النبي ﷺالرجل في تهمة، فدلّ أن على مشروعية حبس المدين.
حديث عمرو بن الشريد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (ليّ الواجد يُحِلُّ عرضه وعقوبته)(45). وفي رواية: ( لي الواجد ظلم وعقوبته حبسه)(46).
وقد فسّر علماؤنا العقوبة بالحبس..
قال سفيان: « عرضه: يقول مطلتني، وعقوبته: الحبس».
وقال الرافعي: « أراد المفسرون بالعقوبة الحبس والملازمة ».
وقال ابن المبارك : « يحل عرضه ، أي : يغلظ له وينسبه إلى سوء القضاء ويقول له : إنك ظالم ومتعد ، وعقوبته : أن يحبس له حتى يؤدي الحق»(47).
وقال أبو عبيد بن سلام: « أهل العلم يتأولون بالعقوبة: الحبس في السجن، وبالعرض: أن يشد لسانه ».
وقال ابن عبد البر: « فمعنى قوله يحل عرضه: أي يحل من القول فيه ما لم يكن يحل لولا مطْلُهُ وليُّهُ، ومعنى وعقوبته: قالوا السجن حتى يؤدي أو يثبت عسرته فيجب حينئذ نظرة »(48).
حديث أَبِي مِجْلَزٍ : « أَنَّ عَبْدًا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ، قَالَ: فَحَبَسَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَاعَ فِيهِ غُنَيمْةً لَهُ »(49).
والدلالة واضحة على المطلوب إذ حبس المدين من فعل النبي ﷺوهو صاحب التشريع إنْ صح هذا الخبر.
حتى وإنْ لم يصحّ في ذلك شيء على خصوصه؛ فإن العقل مقتضٍ حبس المدين والضرورة تستلزمه، وكما يقول القاضي ابن رشد في البداية: « وإنّما صار الكل إلى القول بالحبس في الديون؛ وإنْ كان لم يأت في ذلك أثرٌ صحيحٌ؛ لأنّ ذلك أمرٌ ضروريٌ في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض»(50).
فالحبس ـ إذنْ ـ مطلبٌ ضروريٌّ لاستيفاء الحقوق ورفع الظلم بين المتداينين والمتعاملين، وهو أنجع الطرق وأسداها في ردع الملدّين المماطلين، وأبينها سبيلاً لاختبار الصادقين في دعاوى الإعسار من المتلاعبين .
بالنظر إلى المدينين وأحوالهم في ظلم أصحاب الديون ومنع الحقوق، لا يستوون ، بل هم درجات ومراتب.
ولذلك فصّل الفقهاء الحبس ومدده وما يصحبه بحسب كل مدين من حيث درجة امتناع الحق ووقوع الظلم وتحقيق الزجر لكلٍّ حتى يؤدِّي ما عليه لدائنيه ونحو ذلك.
فجعل الفقهاء المدينين وحكم حبسهم إلى خمسة أقسام(51):
والأصل في المدين الذي أخذ مال غيره بوعد إرجاعه والوفاء برده في أجله أنه قادر، فالمدين في الأصل محمول على الغنى والقدرة على الأداء حتى يثبت فقره، لأن الشأن في الناس التكسب وطلب المال.
ثم الحكم عليه إنما يكون بظاهر الحال أولاً، فإذا كان ظاهره اليسار ، بما يشاهد عليه من الثياب وما له من وسائل الترفيه والسعة في الحال ولو لم يعلم بأصول ولا عروض، فيحكم عليه أنه موسر.
هذا الموسر تأخيره عن السداد ظلمٌ ، ومطله عن أداء ما عليه لطالبيه جريمة يعاقب عليه الشرع.
وعقوبته:
1ـ الحبس حتى الأداء..
2ـ ولا يؤخّر أو ينظر إلا إذا وعد القضاءَ وسأل التأجيل كاليومين والثلاثة، فيؤجَّل بشرط أن يأتي بحميل وكفيل بالوجه على رأي ابن القاسم أو بالمال على رأي سحنون.
وهو التاجر الذي يدوّر أموالاً ويوظّف للناس أموالهم ثم يدّعي ذهابها، ولم يثبت ما يصدق دعواه من احتراق منزله أو وقوع سرقة لماله أو تدرج حاله إلى العدم ونحو ذلك، وربما كان ـ مع ذلك ـ له سوابق في اللدد والمماطلة،.
فهذا يعتبر عند الفقهاء ملدّاً ظالماً قد تقعّد على أموال الناس وأخفاها ومنعهم حقوقهم ظلماً وعدواً..
قال خليل رحمه الله في التوضيح: « يحبس حتى يؤدي أموال الناس أو يموت في السجن».
وقال سحنون رحمه الله: «ويضرب بالدِّرَّةِ المرة بعد المرة، ولو أدى إلى إتلاف نفسه حتى يؤدي أموال الناس».
وقال مالك رحمه الله: « يضرب الإمام الخصم على اللَّدَدِ، وأيُ لدَدٍ أعظم من هذا».
وقال عياض رحمه الله: « ولا يؤخذ منه حميل، إلا أن يلتزم الحميل دفع المال»(52).
إذن في حقّ هذا المدين المليء معلوم الملاءة ثمانية أحكام:
1ـ الحبس دون تأخير أو تأجيل أو إنظار ويبقى في حبسه حتى الأداء..
2ـ عدم قبول حميل أو كفيل إلا أن يلتزم الحميل دفع المال فوراً وفي الحال إنْ عُرف أنه من أهل النقد الناضّ.
3ـ أن يضرب وهو في حبسه لأنه بمنزلة الغاصب السارق المانع للحق مع القدرة، فحقّه التشديد عليه ومضاعفة العقوبة.
4ـ ولا يبيع القاضي عروضه لأنه ليس بمفلس، وفرقه منه أن المفلس قد ضرب على يده ومنع من التصرف في ماله وهو لا.
5ـ لا يلتفت للبينة الشاهدة بعدمه أو إعساره، إلا أنْ يشهدوا أنه فقد ماله باحتراق محاله أو منزله أو بسرقة أو غصب ونهب أذهب ما عنده من أموال.
فإن شهدوا بقولهم: قد ذهبت ما في يده من الأموال وخسرها فلا تُقبل..
وإن شهدوا بقولهم: كنا نرى تصرفه في بيعه وشرائه وقدر أرباحه وقد نزلت الأسواق عليه وزادت نفقته على عياله ونقص رأس ماله شيئاً فشيئاً ؛ قبلت شهادتهم.
6ـ إنْ عرض على القضاء أن يسدد ويؤدي بعض ما عليه ، وأبَـى صاحب الدين من قبول ذلك وطالب بأداء جميع ما عليه فالقول قول رب الدين ولا يجبره القاضي على قبول ذلك.
7ـ ولا يقبل منه كفيل أو ضامن إلاّ ضامن يسدّد ما عليه.
8ـ وهو فوق ذلك يضيّق عليه في حبسه حتى يؤدِّيَ ما عليه من حقوق.
قال السيوطي رحمه الله في شرح ابن ماجة: «المحبوس في الدَّين لا يخرج لصوم رمضان ولا لعيد ولا لجمعة ولا لصلاة جماعة ولا لحج فريضة ولا لحضور جنازة بعض أهله ولو أعطى كفيلاً بنفسه، لأنه يشرع لتضجر قلبه فيسارع للقضاء، ولهذا قالوا: ينبغي أن يكون موضعاً خشناً، ولا يبسط له فراش ولا وطاء، ولا يدخل له أحد يستأنس به» (53).
خاصة إذا كان ممن يلدّ ويتلوّى في مماطلة أصحاب الحقوق مع كمال حاله وظهور ملائه، فهذا يشدّد عليه ويضيّق في حبسه حتى تَضِيق نفسه عليه ليعجّل بأداء ما عليه ووفاء الناس أموالهم، وكما قال اللخمي رحمه الله: قال اللخمي رحمه الله في التبصرة: « إن كان الغريم معروفًا باليسار واللّدد، وقلة الإنصاف في القضاء لم يقبل قوله، وسجن وضيق عليه، ولم يقبل منه حميل»(54).
غير أنا نرى الكثيرين من هؤلاء الغرماء من التجار الموسرين يوس رحمه اللهع لهم في حبسهم فيؤتى لهم بالفرش الوطية والأَسِرَّة الوثيرة، والأطعمة الشهية، ويمكّنون من أجهزة الاتصال التي يجرون بها صفقاتهم ويتابعون بها تجاراتهم ويديرون عبرها أعمالهم، ويؤتى لهم بشاشات التلفاز الباثَّة للقنوات التي يتابعون فيها أحوال الأسواق وأنباء الأعمال والأموال، وربما سُمح لهم بالمبيت عند أهليهم ، فكيف تستوفى الحقوق من هذا الملد الظالم وهو لم يذق معنى الحبس والتضييق فهذا مناقضٌ لمقصود الحبس، ومثل هذا يزداد مطلاً ولدداً، فتضيع الحقوق ويزداد الظلم ولا حو ولا قوة إلا بالله.
وشرطه أن لا يُعرف له مالٌ ناضٌّ وإنْ كان له عروض وأصول ، ولكن يحتاج في بيعها لرد ما عليه فسحة وتوسعة.
هذا حكمه التأخير والإنظار، ويجتهد القاضي في إنظاره على قدر كثرة ما عليه من الديون وما له من مال وما يحتاجه من زمان للتصرف في ماله حتى يؤدي الذي عليه. خاصة إذا كان تدخل القاضي ببيع ما له عليه عاجلاً فيه إضرار به فينبغي في شأنه الإنظار استحباباً.
ويشترط لتأخيره وإنظاره:
1ـ أن يأتي بحميل بالمال أو رهن يقوم مقام الحميل حتى الأداء.
2ـ أنْ لا يدّعي رب الدين أنّ له مالاً ناضّاً وطلب تحليفه، فإنْ نكل حلف الطالب ـ رب الدين ـ وأُجبر المطلوب ـ المدين ـ على الأداء ولا يؤخر ، وإلا حُبس حتى يثبت إعساره أو الأداء.
فإنْ أُخِّر المعسر الذي له أصول وعروض فأُجِّل لبيعها لأداء ما عليه، فلم يفعل؛ بل تأخّر وماطل في ذلك؛ يعاد حبسه ويضرب لزيادة التضييق عليه حتى يؤدي.
وهذا يثبت كونه معدماً بشهادة بينة لا مطعن فيها بعدمه وحلف معها ..
فهذا حكمه: وجوب التأخير والإنظار، لأنه أبان عذره وأثبت إعساره، وقد قال تعالى ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ﴾ [البقرة : 280].
قال ابن عاصم رحمه الله:
أو معدمٌ وقد أبان معذره فـواجبٌ إنظـــــاره لميسره
وإنْ كانت مذاهب الفقهاء في حبس المدين المعسر اختلفت على أربعة:
1ـ فعند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة: لا يجوز حبسه ولا ملازمته ولا مضايقته طالما أثبت إعساره، بل يمهل وينظر إلى أن يوسر، بدليل آية إنظار المعسر.
2ـ وذهب القاضي شريح رحمه الله إلى أنّ المعسر يحبس حتى يقضي الدين ، وإنْ كان ثبت إعساره..
3ـ وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أن لصاحب الدين ملازمة المعسر حتى يقضي.
4ـ وحكي عن عمر بن عبد العزيز وهو رواية عن الإمام أحمد رحمهم الله ، أنّ لأصحاب الدَّين أن يؤاجروه فيعمل عندهم بما عليه من الدَّيْن حتى يستوفوا حقهم منه(55).
وهو من جُهل حاله فلا يُعلم أهو مليٌ أم معدم؟ وهل له عروضٌ وأصولٌ أم لا؟.
فهذا حكمه : الحبس إلى ثبوت فقره وإعساره لاختبار حاله وللتضييق عليه بالسجن.
ويشترط لحبس مجهول الحال:
1ـ أن لا يجد حميلاً مقبولاً يضمن بوجهه، فإنْ أتى بكفيل أو ضامن أُخِّر ولم يحبس ليثبت إعساره لأجل يقدره القاضي بحيث إذا انقضى الأجل ولم يثبت إعساره جدد حبسه وضيق عليه.
2ـ أن يكون حبسه بحسب كثرة ما عليه وقلّته، وهذا مما يقدّره ولي الأمر او الحاكم «القاضي»..
ـ وقد نص بعض الفقهاء كصاحب التحفة وأقره شُرَّاحُها(56) فقالوا: إنْ كان يسير القدر يحبس مقدار نصف شهر، كالألف والألفين والثلاثة والخمسة..
ـ وإنْ كان متوسط القدر يحبس شهرين ونصف..
ـ وإنْ كان مبلغاً كبيراً يضرّ بصاحبه كثيراً حُبس أربعة أشهر ..
فإنْ انقضت هذه المدد، ولم يثبت إعساره ولا أدّى ما عليه، ظُنَّ به أنه صادق في دعوى الفقر أو الإعسار فيخلَّى سبيله بشرط أن يأتي بضامن بالوجه لا بالمال، على أن يتابع ويلاحظ ويلزم من رب الدائن حتى إذا ظهرت عليه احوال يسار طولب بالسداد.
قال صاحب التحفة:
وحيثما يُجهل حال من طُلب وقصـــــد اختبــــــاره بما يجــــب
فحبسه مقدار نصف شهـــــــــر إن كان دينه يسير القـــــــــــــــــــدر
والحبس في توسُّــــــط شهــران وضـــــعف ذين الخطير الشـــــان
وعليه:
ـ فالأصل في كل مدين الحبس حتى الأداء..
ـ إنْ كان مجهول الحال يحبس للاختبار ، فإن طال حبسه ولم يثبت إعساره غُلّب كون معسراً فيخرج من الحبس ولا يدوم حبسه.
ـ إنْ كان ملدّاً أو متهماً فيسجن ويضرب تعزيراً لظلمه وتماطله في أداء الحق، ولا ينجيه أبداً من الحبس والضرب إلا ضامنٌ يؤدي الذي عليه فوراً لأصحاب الحقوق.
والحبس للملدّ والمتهـــــــــــم إلى الأداء أو ثبوت العـــــــــــدم
وليس ينجيه من اعتقــــــــــــــال إلا حميـــلٌ غـــارمٌ بالمـــــــــــال
إنّ تحرير شيكٍ مردود يعدّ عند أهل القانون جريمة ولا يختلفون في ذلك، والجرائم يعاقب أصحابها. فإذا نظرنا إلى حال معطي الشيك المردود لوفاء التزاماته في أجل محدّد نظراً فقهياً، نجده مرتكباً جريمة يستحق العقوبة عليها، وبذلك تتفق نظرة الفقه مع القانون في تجريم تحرير شيكٍ مردود.
وإذا أردنا أن نكيّفه فقهياً؛ نجده يقرب كثيراً من المدين، ويشابه بشدّة أحواله التي ذكرناها، وبذلك ننزّل معطي الشيك المردود منزلة المدين في العقوبة والمطالبة وغيرها فيما يتعلق بأمر المدين..
وعليه يمكن أن نعرّفه فقهياً بأنّه: « المقرّ بِدَيْنِهِ بتحرير صكّ موثَّقٍ لم يُوْفِ ما عليه من حقٍّ للذي حرَّره له».
وإذا أردنا أنْ ننزل عليه أحكام المدين ونلحقه بأحوال المدينين؛ فلا بدّ من تنزيل الشروط الواجبة التوافر في المدين حتى يحاكم أو يحكم عليه بالمطالبة أو الملازمة أو الحبس أو البيع عليه أو غير ذلك من أحكام المدين.
شرط الفقهاء عدة أمورٍ في المدين حتى يوقع عليه أحكام الحبس أو الملازمة أو المطالبة أو غير ذلك.
ولنرى مدى انطباق هذه الأمور والشروط المطلوبة في المدين في معطي الشيك المردود شرطاً شرطاً على النحو الآتي:
فالمدين لا يكون مطالباً بالوفاء أو رد الدين إلا إذا كان الدين قد حلّ أجله، أما الدين المؤجّل فلا يطالب به حتى يحين أجله، فلا يحبس من عليه دين مؤجل، لأن الحبس إنما شُرع لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين ورد ما استُحِق لأصحابه.
وبارتداد الشيك بأي سبب من أسباب الارتداد يكون الدين حالاً، لأن الشيك لا يرتد قبل أجله، ولا يحق لحامله الساحب المطالب بدينه أن يقدّمه قبل تاريخه وأجله المحرر فيه المثبت في الصك الذي يحمله، فهو لا يملك حق مطالبته قبل حلول أجل الشيك. وبذلك يكون الدين حالاً. فينطبق هذا الشرط على معطي الشيك المردود، فيأخذ أحكام المدين فقهاً .
فالمدين لا يحكم عليه بحبس أو ضرب أو غيرهما مما يجوز عقوبته به إلا إذا كان قادراً على قضاء الدين الذي عليه، فغير القادر على أداء الدين لا يكون ظالماً، لأنّ الظلم إنما يتحقق مع القدرة على دفعه، وظلم المدين هو تأخير القضاء، وهو غير قادر على دفعه لعجزه عن القضاء فلا يكون ظالماً، وإنْ لم يكن ظالماً لم يكن مستحقاً للحبس ونحوه من العقوبة.
حتى لو قلنا يُحبس وإنْ كان معسراً عاجزاً عن الأداء ـ على مذهب القاضي شريح ـ فما الفائدة من حبسه ما دام لن يقدر على الأداء؟ خاصة والسجن إنما شرع وسيلة لا لعينه.
غير أنّ هذا الشرط ليس شرطاً ابتدائياً ، كما أنه ليس شرطاً يتحقق به الأصل، إذ الأصل في المدين الذي أخذ أموال الناس على أن يردها، أنه مليءٌ قادرٌ على الوفاء والسداد، فالفقهاء ينصون على أنّ « الأصل في المدين أنه محمول على الغنى والقدرة على الأداء حتى يثبت فقره » (57).
ولذلك من جُهل حاله يُعامل أول ما يعامل؛ على أنّه مليءٌ قادرٌ على الأداء، فيحكم عليه بذلك ويطالب بإثبات الإعسار ، ثم يختبر صدق ادعائه بالإعسار إنْ عجز عن إثبات إعساره بالحبس والسجن.
وحيثما يُجهل حال من طُلب فيُقصد اختبـــــــاره بما يجب
وما يجب لاختباره هو السجن.
كذلك معطي الشيك المردود، فإنّه يعامل معاملة القادر على الأداء، إذ تحريره للشيك وإعطاؤه لطالبه ودائنه قرينة ظاهرة على قدرة الأداء، وشاهد حال على عدم عجزه، فيحبس على ذلك حتى يثبت عجزه وعدم قدرته ببينة، فإذا ثبت عجزه عن الوفاء، وقامت البينة على إعساره؛ فلا يحكم عليه بحبس ونحوه.
وهذا الذي ذهب إليه قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983 تعديل 2009م في مادته 226/د، أنّ المدين يُطلق سراحُه إذا ثبت إعساره ببينة كافية.
فينطبق هذا الشرط كذلك على الشيك المردود حتى يعتبر جريمةً يعاقب عليها القانون والفقه.
فلا يجوز معاقبة الوالد إذا لم يردّ دين ولده، لأنه مناقض للإحسان الواجب لهم من الأولاد وللمصاحبة بالمعروف المأمور بها كل ولد، فقد قال تعال ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا﴾ [البقرة : 83].. وقال سبحانه ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًۭا﴾ [لقمان : 15]. ولأنّ مال ولده مال أبيه في نظر الشرع لقول النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( أنت ومالك لأبيك )(58). فكيف يعاقب على أخذ مالٍ هو من ماله؟.
أمّا العكس بأنْ كان المدين هو الولد في حقّ أبيه، فإن الولد يحبس بدين والده، لأن المانع هناك هو حق الوالدين الذي جاء به الشرع في نصوصه الصريحة، فمال الولد مال للأبّ، وليس مال الوالد مالٌ للولد.
وعليه: فلا شكّ أن أيَّ قاضٍ مسلم لن يتردد في إطلاق سراح والدٍ محبوسٍ في مال ولده دون تأخير لهذه النصوص لمجرد ثبوت كونه أباه.
وبالتالي إذا كان معطي الشيك المردود من الوالِدِين وإنْ عَلَوَا ـ جدوداً ـ لا يعاقبون بحبس أو تضييق، لأنهم لا يعتبرون مماطلين أو ظالمين لأولادهم بتأخير السداد.
فينطبق هذا الشرط أيضاً في الشيك المردود..
لأنّه صاحب الحق المطلوب، والدَّين حقه، والعقوبة من الحبس وغيره وسيلة للوصول إلى حقه، ووسيلة حق الإنسان حقه، فإن لم يبادر صاحب الحق باستعمال حقه في حبس المدين، لا يحقّ لقاضٍ أن يحبسه به، فلعلَّ للدائن طرقاً أخرى ووسائل غير الحبس ونحوه لاستيفاء حقه من المدين، صلحاً، أو عوضاً سلعة وعرضاً ، أو إعفاءً، أو تقسيطاً، أو إنظاراً، أو تبايعاً، أو غير ذلك.
وهذا الشرط منطبق مراعاة في حكم الشيك المردود.
فحامل الشيك المستفيد الساحب إنْ كان هو صاحب الحق المحرر به الشيك؛ إذا لم يقدّمه للقضاء أو حرك إجراءات التقاضي؛ لا ينظر في أمره ولا يحكم على معطيه بشيء.
فانطبق تماماً على حال الشيك المردود.
قال الخطابي رحمه الله: «من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام فطلب المحكوم له به حبسه وادعى المطلوب الإفلاس والعدم فإن الواجب في ذلك أن ينظر فإن كان الطالب إنما استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل أن يقرضه مالا أو يبيعه متاعا فيقبضه إياه فإنه يحبس ولا يقبل قوله في العُدم لأنه قد ثبت له ملك ما صار إليه وحصل في يده من ذلك فالظاهر من حاله الوجد واليسار حتى تقوم دلالة على إفلاس حادث بعده فإن أقام البينة على ذلك لم يحبس وخلي عنه وإن كان ذلك مستحقا عليه بجناية من إتلاف مال أو أرش جراحة جرحه بها في بدنه أو من قبل مهر امرأة أو ضمان أوما أشبهها مما لم يتقدم فيه تمليك ولا إقباض فإنه لا يحبس له وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منع أو بيع عليه وإلا أنظر إلى الميسرة» (59).
وقال أبو البركات رحمه الله في المحرر: « ..إذا كان دينه عن عوضٍ أخذه، كالبيع، والقرض، أو عُرف له مالٌ؛ فيُحبس، إلاّ أن يقيم بينة بعسرته، أو تلف ماله»(60).
وقال ابن حزم رحمه الله في المحلى: « مسألة: فإن لم يوجد له مال فإن كانت الحقوق من بيع أو قرض! أُلزم الغُرم وسُجن حتى يثبت العدم… قال: فإن كانت الحقوق من نفقات أو صداق أو ضمان أو جناية فالقول قوله مع يمينه في أنه عديم، ولا سبيل إليه حتى يثبت خصمه أنّ له مالاً، …» (61).
والفرق بين الحالين: أنّ آخذ المال من بيع أو قرض ظاهره الملاء، فيعامل معاملة الغني المماطل، أمّا من كان عليه من الحقوق نفقات أو صداق أو ضمان جناية ونحوها؛ فهو لم يأخذ فأصله العدم، فإنْ ادّعى العدم صُدِّق لأنه إنما ادّعى الأصل.
فهذه الشروط المطلوبة للحكم على المدين، وهي نفسها الشروط الواجبة التوافر في الحكم على معطي الشيك المردود.
وبذلك تقارب النظر الفقهي مع النظر القانوني في مسألة الشيك المردود.
1ـ تحرير الشك إقرار باليسار والملاء..
2ـ الحبس مشروعيته متفق عليها ، وهو الوسيلة الضرورية للحفاظ على حقوق الدائنين وردع المدينين..
3ـ الحبس في الدَّين شرطه الغنى واليسار، ولا يجوز حبس المعسر، بل يجب إنظاره، على أنّ الأصل اليسار في المَدِين، والإعسار دعوى تحتاج إلى بينة.
4ـ الإعسار معتبر ويقع عبء الإثبات على مدعيه.
5ـ الحبس لحين السداد أو ثبوت الإعسار، هو الأصل في المدين وهو مقتضى كلام الفقهاء..
ـ نصّ عليه الإمام مالك، قال في المدونة: « يحبسون حتى يوفوا الناس حقوقهم». وقال: « يحبسهم ـ أي القاضي ـ أبداً حتى يوفوا الناس حقوقهم أو يتبين للقاضي أنه لا مال لهم».
ـ ونصّ عليه ابن عبد البر قال:« السجن حتى يؤدي أو يثبت عسرته».
ـ ونصّ الخرقي في مختصره قال: « من وجب عليه حق فذكر أنه معسر به، حُبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته».
ـ ونص ابن قدامة في المغني أنه يحبس « حتى تشهد البينة بإعساره».
ـ ونص في عمدة الفقه : « أنه يحبس حتى يوفيه».
ـ وجاء في المنتقى للباجي: « سجنه حتى يؤدي ».
6ـ ولكن هذا الحبس ليس لكل المَدِينين بل لصنفين منهم فقط وهما: أ ـ معلوم الغنى والملاءة ب ـ ظاهر الغنى والملاءة..
أما المدين ظاهر الإعسار فيُنظر لأداء ما عليه إذا أتى بحميل (ضامن ) بالمال أو برهن، وإذا لم يدّعِ صاحب الدين أن له مالاً ناضاً أو عروضاً..
وأما المدين معلوم الإعسار فلا يحبس ويجب إنظاره..
وأما المدين مجهول الحال فلا يحبس لحين السداد بل يحبس لإثبات فقره وإعساره، وأقـصى مدة نصوا عليها أربعة أشهر(62).
7ـ فرّق فقهاء الحنابلة وابن حزم الظاهري والإمام الخطابي من الشافعية بين من ثبت دينه عن معاوضة كالقرض والبيع وبين الذي ثبت دينه بغير ذلك، فإن كان دينه عن معاوضة من قرض أو بيع حُبس حتى الوفاء أو ثبوت الإعسار، وإن كان الآخر يصدق إن ادعى الإعسار بيمينه ويُنظر فلا يحبس، فينحصر سبب الحبس للمدين عند هؤلاء فيما يُعرف اليوم بالدين التجاري.
8ـ وعلى [7] : فَمِن العدل النظر في أسباب الدين، وبناء الحبس عليها:
فإنْ كان الدين لحاجة علاج أو زواج، أو ضرورة معاش أو سُكنى، أو رسوم دراسة لولدٍ ونحو ذلك؛ أُنظر وأُخِّر ولا يحبس، بل يعان من خزينة الدولة أو مال الزكاة.
وإنْ كان الدين بسبب دية خطأ ونحوها لا يُحبس، لأنّ دية الخطأ مؤجّلة بالإجماع، وهي ليست عليه وإنما على العاقلة أو أهل الديوان أو بيت مال المسلمين، وإنْ كان بسبب دية عمد فالأولى للقاضي أن يحملهما على الاصطلاح بينهما على التأجيل ما أمكن، لأنها تقبل أن يصطلحا على التأجيل..
وإنْ كان الدين لزمه لمماطلة غريم له وأثبت ذلك يُنظر ولا يحبس ..
وإن كان الدين قد لزمه لمماطلة الدولة؛ فلا يحبس، بل يُلزم القضاءُ الدولة بالوفاء أو إحالة الدائن عليها إنْ رضي صاحب الدين، قال الحافظ في الفتح: ” ويدخل في المطل كل من لزمه حقٌّ، كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته..”.
9ـ المدين الملدّ والمتهم يشدّد عليه ويضيّق عليه ولا يتساهل معه حتى يؤدي الحق الذي عليه، ويحبس أبداً ما دام لم يوفّ الدين، وغالبهم من التجار الذين يأخذون أموال الناس والبنوك فيقعدون عليها فيقولون: قد ذهبت منا، مع أن أحوال أسرهم لا يظهر عليه فقر ولا حاجة، وأمورهم مستقرة وربما تجاراتهم لم تتوقف وصفقاتهم معقودة. فهؤلاء الواجب معهم التضييق والتشديد عليهم وهم في الحبس حتى يؤدوا ما عليهم، قال السيوطي$ في شرح ابن ماجة: « المحبوس في الدين لا يخرج لصوم رمضان، ولا لعيد، ولا لجمعة، ولا لصلاة جماعة، ولا لحج فريضة، ولا لحضور جنازة بعض أهله، ولو أعطَى كفيلاً بنفسه، لأنه يُـشرع ــ أي الحبس ــ لتَضَجُّرِ قلبه فيسارع للقضاء، ولهذا قالوا: ينبغي أن يكون ـ أي مكان حبسه ـ موضعاً خشناً، ولا يُبسط له فراشٌ، ولا وِطاءٌ، ولا يَدخل له أحدٌ يَستأنس به»اهـ (63).
10ـ تلافياً للظلم، لا يصار إلى إصدار القرار القضائي بالحبس لحين السّداد إلا بعد اتخاذ ما يلزم من الاستقصاء، لا سيما بالنظر إلى أسباب الدَّين وعدم الوفاء، والتروِّي حتى لا يُحبس معسرٌ فيقع بحبسه ظلمٌ كبيرٌ، ولا يمنع الفقه التوسُّع في الإجراءات توسُّلاً وتقديماً وتأخيراً ، تحرّزاً من إيقاع الظلم بأي طرفٍ «الدائن أو المدين».
والله الموفق للحق والصواب،،
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.