اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

تكوين احتياطيَّيْ معدَّل الأرباح ومخاطر الاستثمار

١٤٤٤هـ — ٢٠٢٢م · الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية — السودان

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغرِّ الميامين، ومن والاهم أجمعين.

وبعد:

فهذه مذكرة فقهية قُدِّمت إلى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية في اجتماعات التباحث في استفتاء بعض الهيئات بالمصارف السودانية عن حكم بناء وتكوين احتياطي معدل الأرباح واحتياطي مخاطر الاستثمار .

فتناولت المسألة من خلال الفقرات الثلاث الآتية:

الفقرة الأولى: في هدف تكوين هذين الاحتياطيين ومدى تحققه.

والفقرة الثانية: في المصلحة في تكوين الاحتياطيَيْن

والفقرة الثالثة: في النظر الفقهي في المسألة.

الفقرة الأولى: هدف تكوين هذين الاحتياطيين ومدى تحققه

عرّف معيار المحاسبة المالية رقم (11) بشأن المخصصات والاحتياطيات هذين الاحتياطيين..

فعرّف احتياطي معدل الأرباح بأنه: «هو المبلغ الذي يجنّبه المصرف من دخل أموال المضاربة، قبل اقتطاع نصيب المضارب، بغرض المحافظة على مستوى معين من عائد الاستثمار لأصحاب حسابات الاستثمار وزيادة حقوق أصحاب الملكية».

وعرّف احتياطي مخاطر الاستثمار بأنه : «هو المبلغ الذي يجنيه المصرف من أرباح أصحاب حسابات الاستثمار بعد اقتطاع نصيب المضارب لغرض الحماية من الخسارة المستقبلية لأصحاب حسابات الاستثمار»(1).

وعرّفهما منشور بنك السودان المركزي رقم (4/2003) بتعريف قريب من تعريف المعيار المحاسبي، فجاء تعريف احتياطي معدل الأرباح بأنه: هو المبلغ الذي يجنيه المصرف من دخل أموال المضاربة قبل اقتطاع نصيب المضارب (بالاتفاق مع أصحاب حسابات الاستثمار) بغرض المحافظة على مستوى معين من عائد الاستثمار لأصحاب حسابات الاستثمار وزيادة حقوق أصحاب الملكية.

كما جاء تعريف احتياطي مخاطر الاستثمار بأنه : «هو المبلغ الذي يجنيه المصرف من أرباح أصحاب الاستثمار (بالاتفاق معهم ) بعد اقتطاع نصيب المضارب، لغرض الحماية من الخسارة المستقبلية لأصحاب حسابات الاستثمار»(2).

هذان الاحتياطيان نصّت المنشورات الرسمية والمعايير المحاسبية وإرشادات مجلس الخدمات المالية على الهدف من تكوينهما: بأنّ تكوين احتياطي معدل الأرباح من أجل المحافظة على مستوى معين من العائد على الاستثمار. وأنّ تكوين احتياطي مخاطر الاستثمار للحدّ من خسائر الاستثمار المتوقعة.

[1] فقد جاء في منشور الرقابة المصرفية بنك السودان المركزي رقم (4/2003) أنّ الغرض من احتياطي معدل الأرباح: «المحافظة على مستوى معين من عائد الاستثمار لأصحاب حسابات الاستثمار وزيادة حقوق أصحاب الملكية».

وأن الغرض من احتياطي مخاطر الاستثمار: «الحماية من الخسارة المستقبلية لأصحاب حسابات الاستثمار».

[2] وجاء في معيار المحاسبة لأيوفي رقم (11) أن احتياطي معدل الأرباح : بغرض المحافظة على مستوى معين من عائد الاستثمار لأصحاب حسابات الاستثمار وزيادة حقوق أصحاب الملكية.

وأن احتياطي مخاطر الاستثمار: لغرض الحماية من الخسارة المستقبلية لأصحاب حسابات الاستثمار.

[3] وجاء في إرشادات مجلس الخدمات المالية الصادرة في ديسمبر 2010: أنّ تكوين احتياطي مخاطر الاستثمار «من أجل تخفيف تأثيرات خسائر الاستثمار المستقبلية على أصحاب حسابات الاستثمار».

وأنّ احتياطي معدل الأرباح «بغرض الحفاظ على مستوى معين من عائد أصحاب حسابات الاستثمار وتزويد أسهم المالكين».

وهكذا اتفقت الجهات الرقابية والإرشادية على الهدف من تكوين هذين الاحتياطيين.

ولنا سؤالان مهمّان:

السؤال الأول: هل تكوين هذين الاحتياطيَيْن يحقق هدفهما؟.

والجواب:

نعم وبلا شك، يتحقق الهدف من تكوين الاحتياطيَيْن: احتياطي مخاطر الاستثمار في تخفيف آثار الخسارة المتوقعة في رأس المال. واحتياطي معدل الأرباح في الحفاظ على المستوى المعيّن من العائد.

السؤال الثاني: هل الهدف الذي من أجله يكوَّن احتياطي معدل الأرباح واحتياطي مخاطر الاستثمار مقبول شرعاً؟. أم هو هدف مخالفٌ للشرع مناقضٌ لمقصود الشارع في التعامل المالي؟.

والجواب:

نجيب على سبيل الإجمال وسيأتي التفصيل في موضعه: فنقول: ليس في تكوين هذين الاحتياطيَيْن مخالفةٌ للشرع ولا مناقضةٌ لمقصود الشارع في التعامل المالي، وذلك للآتي:

أ/ أنّ الربح في المضاربة وقاية لرأس المال عند فرض الخسران كما قرّر ذلك الفقهاء.

ب/ ولأنّ استحقاق الربح في القراض (المضاربة) بالشرط كما قال الفقهاء.

ج/ ولأنّ تقليل المخاطر وتلافي الأخطار وحماية رؤوس الأموال من الخسائر جائز شرعاً بلا خلاف يُعلم بين أهل العلم.

فليس في تكوينهما مخالفةٌ للشرع ولا مناقضةٌ لمقصود الشارع.

وعلى هذا؛ فهدف الاحتياطيَيْن مقبولٌ شرعًا، وبالتالي لا مانع إذَنْ من تكوينهما.

الفقرة الثانية: المصلحة في تكوين الاحتياطيَيْن

قد يختلف الناس في المصلحة المرجوة من تكوين هذين الاحتياطيين، بين مقرر للمصلحة في ذلك، ونافٍ لها.

غير أنّ الذي يحدّد المصلحة في ذلك هم أهل الفنّ من الخبراء المصرفيين، وأولى منهم ولاة أمر المصارف القائمون على رعاية مصالحها، والواجب عليهم درء المفاسد ودفع المضار عنها بالتصرفات والترتيبات الإدارية وبالتشريعات التشجيعية والوقائية ونحو ذلك، وولي أمر المصارف هو البنك المركزي في كل بلد، والهيئات الرقابية والمجالس الإرشادية، كهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي ) بمعاييرها الشرعية والمحاسبية، وكمجلس الخدمات المالية للمؤسسات المالية الإسلامية بإرشاداتها وضوابطها.

كل هذه الجهات أكّدت أهمية تكوين احتياطي معدل الأرباح واحتياطي مخاطر الاستثمار، على أنّ فيهما مصلحة للسوق المصرفية وللجهاز المصرفي وللمصارف، وأهل الاختصاص أخبر بمصالحهم، وأهل الفنّ أخبر بفنهم ـ كما يقول الشوكاني رحمه الله (3).

ولا شكّ أنّ المحافظة على مستوى العائد من الاستثمار وحماية مال المضاربة من

1ـ المحافظة على المودعين ..

2ـ ومنع وقوع هزات للمصارف، واستمرار المصرف الضعيف وتمكينه من تلافي ضعفه واستدراك ما يجب استدراكه، دون اللجوء إلى التصفية وإعلان الإفلاس.

3ـ واستقرار المصرف ..

4ـ وتحقيق مستوى من الاستقرار في السوق المصرفية مما يجعل انتقال المودعين بين مصرف وآخر طبيعياً وغير خاضع لتباين في توزيع الأرباح بين مصرف وآخر، وبدون ذلك ستكون هناك حركة انتقال كبيرة للمودعين في كل عام من مصرف لآخر مما يضرّ باستقرار المصارف، وبالتالي وقوع التردد من أصحاب الأموال في إيداعها، بل سينتهي بهم الحال إلى الخوف على أموالهم من كل مصرف بكثرة الانتقال والتردد بين المصارف، وعدم استقرار السوق المصرفية، وتضارب الأخبار، وتصاعد الإشاعات واضطراب معدلات الأرباح، وسيطرة الشكّ في جدوى الاستثمار في المصارف. فيخلص إلى سحب ودائعه والبحث عن وجوه استثمار آمن خارج الجهاز المصرفي.

5ـ بل يرى أهل الفنّ في البنك المركزي أهمية كبيرة لهذين الاحتياطيين، حتى عند سؤال ممثل البنك من قِبَل الهيئة العليا: ماذا لو أفتت الهيئة العليا بأنه لا يجوز تكوين هذين الاحتياطيين من دخل أموال المضاربة؟.

فكان الجواب: «إذا رأيتم في الهيئة أنها لا تجوز؛ نحن في البنك المركزي نحترم رأي الهيئة وسنبحث عن بديل آخر غير متاح حالياً..» (4).

وهذا يدلّنا أنّ غرض تكوين هذين الاحتياطيين مهمٌّ، وأنّ المصلحة المترتبة على تكوينهما والمتحققة ببنائهما تصل إلى درجة الحاجة المصرفية العامة، والحاجات العامة قد تباح لها المحرمات كالضرورات الخاصة.

فثبت أنّ هناك مصلحة ظاهرة بل مصالح ظاهرة في تكوين هذين الاحتياطيين، مما يتطلب تكوينه جوازاً أو استحباباً.

الفقرة الثالثة: النظر الفقهي في المسألة

للوصول إلى الحكم الشرعي في تكوين هذين الاحتياطيين؛ يجول نظرنا الفقهي في أربعة أنظار:

النظر الأول: في التوافق الفقهي المعاصر في حكم المسألة:

والنظر الثاني: في أشباه ونظائر المسألة:

والنظر الثالث: في القواعد الشرعية المتعلقة بالمسألة:

والنظر الرابع: في التقرير الفقهي للمسألة:

وبيان هذه الأنظار الأربعة على ما يلي:

النظر الأول: التوافق الفقهي المعاصر:

الجهات الفقهية الاجتهادية والإفتائية في عصرنا التي نظرت في هذه المسألة وبحثت فيها؛ اتفقت أقوالها واتحد حكمها في جواز تكوين الاحتياطيَيْن، وإليك نصوصهم:

[1] نصّ المعيار الشرعي لأيوفي:

جاء في المعيار رقم (40) بشأن توزيع الربح في الحسابات الاستثمارية على أساس المضاربة في الفقرة [3/1/2] « لا يتحقق الربح في حسابات الاستثمار إلا بعد القيام بما يلي: فنصوا في الفقرة [3/1/2/3] على : اقتطاع المخصصات والاحتياطيات المتعلقة بالاستثمار من إيرادات الاستثمار للوصول إلى الربح القابل للتوزيع مثل مخصص الديون المشكوك في تحصيلها واحتياطي معدل الأرباح وهما يقتطعان من الربح الإجمالي، أما احتياطي مخاطر الاستثمار فيقتطع بعد استبعاد نصيب المضارب .. » وفي الفقرة [5/4] قالوا: « ينص في عقود الحسابات الاستثمارية المشتركة القائمة على أساس المضاربة ….. عند التخارج من أي ربح لم يوزع أو لم يظهر وإبراءهم له من أي خسارة لم تظهر بعد، وعما يتبقى من احتياطيات مخاطر الاستثمار ومعدل الأرباح ومخصصات الديون الناتجة عنه لباقي المستثمرين….» (5).

[2] المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة:

والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة في دورته السادسة عشرة في القرار الثالث بشأن حماية الحسابات الاستثمارية في المصارف الإسلامية، « قرر ما يلي:

أولاً: إنّ حماية الحسابات الاستثمارية في المصارف الإسلامية بوجهيها الوقائي والعلاجي أمرٌ مطلوبٌ ومشروع، إذا استخدمت لتحقيقه الوسائل المشروعة، لأنه يحقّق مقصد الشريعة في حفظ المال.

ثانياً: يجب على المصارف الإسلامية أن تتبع في أثناء إدارتها لأموال المستثمرين الإجراءات والوسائل الوقائية المشروعة والمعروفة في العرف المصرفي، لحماية الحسابات الاستثمارية ، وتقليل المخاطر».

وفي هذا القرار تأييد تكوين هذين الاحتياطيين وغيرهما مما يمكن حماية حسابات الاستثمار في المصارف الإسلامية، وذلك من وجهين:

الوجه الأول:

قولهم : «إذا استخدمت لتحقيقه الوسائل المشروعة»، والوسائل الأصل فيها أنها مشروعة ، إذ الأصل فيها الإباحة ، ولا تمنع الوسيلة إلا بنصّ خاصٍّ يحظرها ويحرّمها، وليس في تكوين هذين الاحتياطيين نصٌ يحظرهما أو يمنعهما.

ولأنّ الوسائل لها حكم المقاصد، فطالما كان الاحتياطيان محققين حماية حسابات الاستثمار، كانتا من وسائل الحماية، وهذه الحماية فيها حفظ المال الذي هو مقصد الشريعة الضروري الخامس.

والوجه الثاني:

قولهم: «الإجراءات والوسائل الوقائية المشروعة والمعروفة في العرف المصرفي لحماية الحسابات الاستثمارية»، والعرف المصرفي يجعل هذين الاحتياطيين من الوسائل الوقائية لحماية حسابات الاستثمار.

[3] نصّ مجمع الفقه الإسلامي الدولي:

وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره الرابع بجدة بشأن سندات المقارضة وسندات الاستثمار القرار رقم 30(3/4) في الفقرة 8 ما نصّه: « ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة، إما من حصة حملة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت الحساب ووضعها في احتياطي خاصّ لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال»(6).

[4] نصّ قرار ندوة البركة:

وندوة البركة للاقتصاد الإسلامي الثامنة بجدة 1413هـ 1993م نصت في قرارها رقم (8/3) بشأن «اقتطاع المخصصات في شركة المضاربة:

1ـ إذا كان المخصص المقتطع من أرباح شركة المضاربة هو لضمان مستوى معين من الأرباح؛ فإنه يجوز اقتطاعه من الربح الكلّيّ قبل توزيعه بين أرباب المال والمضارب.

2ـ أما إذا كان المخصص لوقاية رأس المال (حماية الأصول) فإنه يقتطع من حصة أرباب المال في الربح وحدهم، ولا يشارك فيه المضارب ، لأن اقتطاعه من الربح الكليّ يؤدي إلى مشاركة المضارب في تحمّل خسارة رأس المال، وهي ممنوعة شرعاً» (7).

وهذا صريحٌ لا يحتاج إلى توضيح.

[5] نصّ فتوى هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي:

حين وجّه بيت التمويل الكويتي لها سؤالاً جاء فيه: يرغب بيت التمويل الكويتي في استثمار ودائع بالعملات الأجنبية المختلفة وذلك لحساب عملائه المودعين الراغبين في ذلك، والمطلوب معرفة الصورة الشرعية التي يمكن اتباعها لتنفيذ تلك الاستثمارات مع الأخذ بعين الاعتبار النقاط التالية:

أولاً: تستثمر الأموال المودعة أولاً بأول في مرابحات خارجية تحقق عائداً مناسباً وتكون مضمونة من بنوك الدرجة الأولى (يشترك أكثر من مودع في عملية واحدة وقد يكون بيت التمويل مشتركا معهم أيضاً).

ثانياً: تتم الاستثمارات لحساب جميع العملاء في وعاء واحد تورد فيه الأرباح الإجمالية أولاً بأول وتصرف منه للعملاء حسب المتوسط الشهري لودائعهم (عن المدة التي استثمرت خلالها الوديعة).

ثالثاً: يتم صرف الوديعة في ميعاد استحقاقها تصرف الأرباح المتحققة للمودع في نهاية الشهر بعد معرفة متوسط الربح بمعنى أن المودع لمدة ثلاثة شهور يحصل على متوسط أرباح الثلاثة الشهور التي استثمرت خلالها وديعته.

رابعاً: يخصم بيت التمويل الكويتي من إجمالي الأرباح نسبة معينة كاحتياطي لتغطية مخاطر الاستثمار.

خامساً: يستوفي بيت التمويل أتعاباً له بنسبة من إجمالي الربح.

الجواب:

«تداولت الهيئة في ضوء إفادات المسؤولين عن هذه العمليات وطرحت تصورات عديدة عن التكييف الملائم لإدارة هذه الحسابات علماً بأن طرحها كان بموافقة الهيئة على المبدأ والمراد الآن وضع أسس المحاسبة من جهة ومعالجة مخاطر هذا الاستثمار بصورة تتفق مع تغير المودعين حسب المدد والتجديد أو عدمه وقد استقر الرأي على ما يلي: يكون هذا الحساب المخصص للودائع الاستثمارية بالدولار الأمريكي قائماً على أساس (المشاركة بين المودعين شركة أموال بقصد الاسترباح) وأن يكون دور بيت التمويل هو الوكالة بعمولة محددة من رأس المال ويؤخذ عند تقبل الودائع الاستثمارية لهذا الحساب تخويل من المودعين لوكيل بيت التمويل باقتطاع جزء من الربح لتكوين احتياطي لتغطية مخاطر الاستثمار حسب الأصول المحاسبية المتبعة وينص على أن مآله إلى وجوه الخير والبر العام بعد التصفية ووفاء التزامات الحساب»(8).

فهذه الجهات الإفتائية من المجامع الفقهية والهيئات الشرعية اتفقت كلمتهم على جواز تكوين هذين الاحتياطيين بالطرق التي تجريها المصارف الإسلامية. وهذا الاتفاق يدخل في معنى الإجماع المعاصر، حيث نصّت هذه الجهات المعتبرة ولم يُعلم لهم مخالفٌ من جهات مثيلة. فكان على أقل الأحوال مرجّحاً قوياً لجواز تكوين هذين الاحتياطيين.

النظر الثاني: أشباه ونظائر الاحتياطيَيْن:

والنظر الثاني هل هناك أشباه ونظائر لهذه المسألة من حيث التصور والحقيقة؟.

والجواب: نعم، فقد رصدنا بعض الأشباه والنظائر، منها:

[1] صندوق دعم الودائع:

فصندوق دعم الودائع مكوّن من اقتطاع جزء من أرباح المودعين في حسابات الاستثمار (الودائع الاستثمارية). وقد جوّزت لهم الهيئة العليا للرقابة الشرعية هذا الإجراء، في الفتوى رقم (1/98) جواباً على استفسار مدير عام الصندوق، وكان استفساره: «فيما يتعلق بخصم المساهمات السنوية في محفظة التكافل لضمان ودائع الاستثمار نحو 2 في الألف ( 2% ) من متوسط جملة ودائعهم، هل بالضرورة أن يتم خصمها من أصل الودائع أم يمكن خصمها من الأرباح؟ وهو الأفضل ـ حسب تقديرنا ـ من ناحية الأثر النفسي على المودعين».

فجاء جواب الهيئة العليا كما يلي:

«1ـ ليس بالضرورة أن تخصم المساهمات السنوية من رأس المال ويجوز من الناحية الشرعية أن تخصم من الأرباح…

2ـ توافق الهيئة على ما جاء في الاستفسار من أن الأفضل خصمها من الأرباح».

وفي استفسار عن تصفية نشاط الصندوق سنوياً أو استمرار التراكم المالي بأرباحه لصالح الصندوق تحسباً لخسارة عادية كبيرة تحدث في المستقبل؟.

جاء جواب الهيئة العليا:

«3ـ فيما يختص بتصفية المحفظة سنوياً أو استمرار التراكم في حالة عدم حدوث خسارة في السنة المعنية؛ ترى الهيئة استمرار التراكم إلى أن يصفَّى الصندوق» اهـ (9).

فهذه شبيهة الاحتياطيين، ونظيرتهما، لأنها جميعاً مكوَّنة من خصم واقتطاع نسبة من الأرباح. فطالما جوّزنا هناك فلا معنى لمنعه هنا.

ولا أثر لكون ذاك صندوق تكافل وهذا احتياطي، لأنّ حقيقة ما يُكوَّن به الصندوق هي ذات ما يكوَّن به الاحتياطيان، فلا فارق يؤثّر في استواء الحكم فيهما.

[2] صندوق ضمان حاملي وثائق التأمين:

ومن أشباه الاحتياطيين ونظائرهما: صندوق ضمان حملة الوثائق المنشأ بموجب قانون الإشراف والرقابة على التأمين، بغرض:

1ـ معالجة عجز المؤمن (الشركة) عن تعويض حملة الوثائق …

2ـ تقديم قرض حسن في حالة عجز المؤمن (الشركة) عن مقابلة المطالبات الطارئة….

3ـ معالجة أي صعوبات مالية تلحق بحساب حاملي وثائق التأمين…

4ـ أي أغراض أخرى لازمة لخدمة حملة وثائق التأمين.

ويكوَّن هذا الصندوق ويُبنَى من:

1ـ نسبة من إجمالي أقساط التأمين المباشرة وأقساط إعادة التأمين..

2ـ نسبة من فائض عمليات التأمين…

3ـ عائد استثمار أموال الصندوق…(10).

هذه المواد من القانون وهذا النظام أجازته الهيئة العليا للرقابة الشرعية على أعمال التأمين ووافقت عليه مادةً مادة، وفقرةً فقرة.

فأقساط التأمين ملك حملة الوثائق، والفوائض ملك حملة الوثائق، ومع ذلك يتمّ تكوين الصندوق وبناؤه منهما. وقد لا يقع الخطر على من اقتطع منهم ولا في عهدهم، فينتقل الانتفاع بهذا الصندوق لغيرهم من إخوانهم المشتركين في المستقبل.

لذلك؛ لا فرق يُذكر بين تكوين هذا الصندوق وبنائه؛ وبين تكوين هذين الاحتياطيَيْن محل البحث وبنائهما، ولا بين مآل ما اقتطع في الصندوق والاحتياطيين، والنظير بالنظير يُلحق وحكم الشبيه يُعطى للشبيه.

النظر الثالث: القواعد الشرعية المتعلقة بالمسألة:

هناك قواعد شرعية يمكن أن نحكّمها في مسألة تكوين احتياطِيَيْ معدل الأرباح ومخاطر الاستثمار، وتدعم القول بإمكان تكوينهما وجواز بنائهما بالطريقة الجارية في المصارف الإسلامية، ومن هذه القواعد خمسٌ يتخرّج على مدلولهن تكوين الاحتياطيَيْن:

القاعدة الأولى: وقاية رأس المال من حفظ المال فهي واجبة:

والوقاية هي عبارة الفقهاء، والحماية عبارة المعاصرين موافقة لأهل الفن.

فوقاية رأس المال من حفظ المال، وحفظ المال مقصد ضروري من مقاصد الشريعة الخمسة الكبرى المتفق عليها في سائر الملل، فكلّ وسيلة تقي رأس المال من الضياع والهلاك والنقصان والخسارة مطلوبة شرعاً، وتأخذ حكمها من الوجوب والندب بحسب درجة حفظها للمال وحمايتها له.

ولهذا؛

أ ـ نرى قرار المجمع الفقهي الإسلامي يجعل حماية الحسابات الاستثمارية في المصارف الإسلامية أمراً مطلوباً ومشروعاً ، وجعل وسائله مشروعةً، لأنها تحقق مقصد الشريعة في حفظ المال(11).

ب ـ ولذلك؛ مع أنّ الأصل في المضاربة أن يطلق يد العامل المضارب في وجوه الاستثمار والاجتهاد في التجارة! إلا أن الشرع أجاز تقييد يد المضارب في التصرف في مال المضاربة، وقد كان عمّ النّبي ﷺ العباس رضي الله عنه يقيّد المضارب بماله في التصرف، وأجازه النبي ﷺ. وما ذلك إلا وقاية وحماية لرأس المال والاحتياط في حفظه وسلامته، كما رَوى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: « كان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه إذا دفع مالاً مضاربةً اشترط على صاحبه: لا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن، فرفع شرطه إلى رسول الله ﷺ، فأجازه»(12).

ج ـ ولذلك؛ مع أنّ مقصود المضاربة هو الربح، فإنّ الربح لا يملك ويقسّم بالظهور عند الفقهاء ولا يجوز للمضارب أخذ شيء منه بغير إذن رب المال بلا خلاف يُعلم ـ كما قال ابن قدامة رحمه الله ـ وعلّلوا ذلك: «لأنّ الربح وقاية لرأس المال، فلا يأمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابراً له، فيخرج بذلك عن أن يكون ربحاً » (13).

إذَنْ: لا مانع من تكوين احتياطيات تقي رأس المال (حسابات الاستثمار) وتحميها من الهلاك والخسران والنقصان.

القاعدة الثانية: الرِّبح في المضاربة وقاية لرأس المال:

وهذه قاعدة الفقهاء، أنّ الربح في المضاربة يُجعل وقايةً لرأس المال!!.

فلا يتمحّض الربح إلا بعد سلامة رأس المال، قال مالك: «لا يكون في المال ربحٌ حتى يتم رأس المال»(14). وقال ابن قدامة: « الربح وقاية لرأس المال، فلم يملك حتى يسلم رأس المال لربه» (15). وعن قَتَادَةَ قال: «لَا رِبْحَ لِلْمُقَارَضِ حَتَّى يُحَاسِبَ صَاحِبَ الْمَالِ، فَمَا كَانَ مِنْ وَضِيعَةٍ فَهُوَ عَلَى الْمَالِ»(16).وهذه مسلّمة فقهية.

ولا يقسّم أو يأخذ المضارب «الذي إنما عمل من أجله» شيئاً من الربح الذي حققه بجهده إلا بعد تغطية التكاليف والمصروفات الاستثمارية المباشرة، وقد قرر ذلك المالكية، ففي المدونة فقال: « المقارضة التي عليها أصل المقارضة: أن تقارض من قارضته مالاً، على أن رأس مالك الذي يدفع إلينا عينا ما دفعت إليه من وزن ذلك وضربه، يبتغي فيه صاحبه ما ابتغى، فيدير ما أدار منه على ما يكون فيه من نفقة أو زكاة، حتى إذا حضرت المحاسبة ونض القراض، فما وجدت بيده أخذت منه رأس مالك، وما كان فيه من ربح تقاسمتماه على ما تقارضتماه عليه من أجزاء الربح»(17).

بل يحتاط لرأس المال بالربح، على أنه ربما وقع الخسران فيجبر به. فيحتاط لما يتوقع ويفترض من الخسارة في المضاربة.

ولذلك قالوا (18):

« الربح في القراض وقاية لرأس المال عند فرض الخسران».

« إذا اتفق ربحٌ، ثم اتفق بعده خسران من غير تقدير استرداد؛ فالربح وقايةٌ، والخسران محسوب منه، قال الجويني: لا خلاف فيه».

« إذا حصل ربح وخسران؛ جبر الخسران بالربح».

« ليس للمضارب ربحٌ حتى يستوفي رأس المال، وإن اشترى سلعتين فربح في أحدهما وخسر في الأخرى؛ جُبرت الوضيعة من الربح » .

فكان متسقاً مع هذه القاعدة اقتطاعُ نسبة من الربح للاحتياط لرأس المال لجبره عند وقوع الخسران.

وهذا صنيع المصارف الإسلامية من تكوين احتياطي مخاطر الاستثمار.

القاعدة الثالثة: الرِّبح في المضاربة على الاشتراط:

عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي الْمُضَارَبَةِ: «الْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ»(19).

قال قتادة رحمه الله: « الرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ»(20).

وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَأَبِي قِلَابَةَ رحمهما الله، قَالَا فِي الْمُضَارَبَةِ: «الْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ، وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ»(21).

وقررها جمهور الفقهاء.

فعند الحنفية (22):

«الربح على ما اصطلحا عليه، والوضيعة على المال».

وإذا اشترطا من الربح لأحدهما زيادة على نصيبه، قال محمد بن الحسن$: «الربح بينهما على ما اشترطا».

وقال السرخسي$: «استحقاق الربح بعد صحة العقد بالشرط».

وعند المالكية:

جاء في المدونة: «أن تشترط نصف الربح لك، ونصفه له، أو ثلثه لك وثلثاه له، أو أكثر من ذلك أو أقل ما دام له في كل شيء منه شرك قليل أو كثير، فإن كل شيء من ذلك حلال، وهو قراض المسلمين»(23).

وقالوا: «وإذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين، جاز ذلك، ولا أحب لهما أن يرجعا فيه، ولا يقضى بذلك عليهما»(24)..

وعند الحنابلة:

«وإذا شرطا جزءاً من الربح لغير العامل نظرت؛ فإن شرطاه لعبد أحدهما أو لعبديهما، صح، وكان ذلك مشروطاً لسيده. فإذا جعلا الربح بينهما وبين عبديهما أثلاثاً، كان لصاحب العبد الثلثان، وللآخر الثلث. وإن شرطاه لأجنبي، أو لولد أحدهما أو امرأته، أو قريبه وشرطا عليه عملاً مع العامل، صح..»(25).

وقالوا: « العامل لا يستحق إلا ما شرط له» (26).

وعليه: لا يتوقف الربح الذي يوزّع على ما نتج من الأعمال أو عاد من الاستثمار، بل قد يدخله الشرط فيزاد أو يُنقص.

فلا إشكال بمقتضى هذه القاعدة: الاشتراط باقتطاع نسبة من الربح الذي يرزق الله به في المضاربة لتكوين الاحتياطيَيْن.

القاعدة الرابعة: الأصل في الشُّروط الصِّحة والوفاء:

قال ابن تيمية رحمه الله: « الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه. وقد قيل: بل الأصل فيها عدم الصحة إلا ما دل الدليل على صحته؛ لحديث عائشة. والأول هو الصحيح؛ فإن الكتاب والسنة قد دلا على الوفاء بالعقود والعهود وذم الغدر والنكث »(27).

وقال ابن القيم رحمه الله: «الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه»(28).

وقال ابن مفلح رحمه الله: « الأصل في الشروط الوفاء »(29).

وقال ابن عثيمين رحمه الله: « أن الأصل في الشروط الحل والصحة، سواءً في النكاح، أو في البيع، أو في الإجارة، أو في الرهن، أو في الوقف » (30).

وسلفهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على ذلك:

فَقَالَ عُمر رضي الله عنه: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شَرْطِهِمْ عِنْدَ مَقَاطِعِ حُقُوقِهِمْ»(31).

وقال علي رضي الله عنه: «المسلمون عند شروطهم»(32).

وقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رحمهما الله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»(33).

فالشروط في عقود البيوع والمعاملات على الصحة، فإذا دخلا في شيء من هذه الشروط، وجب الالتزام به والوفاء على العاقدين بما شرطا. اللهم إلا شرطاً أبطله الشارع أو نهى عنه في كتابه أو سنة نبيه ﷺ. وقد قال صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام: (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلاَّ شَرْطًا حَرَّمَ حَلاَلاً، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا) (34). وقال عليه السلام: (المسلمون عند شروطهم)(35).

وهنا في التعاقد على اقتطاع جزء من الربح أو نسبة منه لتكوين احتياطي مخاطر الاستثمار أو احتياطي معدل الأرباح؛ ليس في ذلك شرطٌ حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً، وليس فيه شيءٌ أبطله الشارع أو نهى عنه، فكان الأصل فيه الصحة، وكان الأليق بالمتعاقدين من المسلمين الالتزام بموجبه والوفاء بمطلوبه.

وقريبٌ من مسألتنا بل وأصلٌ فيها؛ قول ابن عباس رضي الله عنهما: « لا بأس أن يقول بع هذا الثوب، فما زاد على كذا وكذا فهو لك». وقول ابن سيرين رحمه الله: « إذا قال: بع بكذا، فما كان من الربح فلك أو بيني وبينك، فلا بأس» (36).

القاعدة الخامسة: المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً :

وهذا نصّ ابن نجيم رحمه الله للقاعدة في أشباه والنظائر: «الْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْعًا»(37).

والمعنى: أنّ القول أو العمل المعروف بين الناس الذي جرى به العمل أو العادة المعمول بها عندهم، يأخذ حكم المشروط بالشرع، فكأنه شرطٌ شرطه الشرع، إذا لم يكن هذا القول أو العمل المعروف لم يخالف مأموراً به أو منهياً عنه نصاً.

وهذه القاعدة مسنودة بقوله تعالى: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. وبما رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيئ »(38) .

فالمعروف عرفاً مأمور به في الشرع ما لم يأت هذا العرف على المأمور به نصّاً أو يخالف المنهي عنه نصاً، فدلّت الآية على وجوب الرجوع إلى عادات الناس وأعرافهم، وما جرى تعاملهم به. ودلّ الأثر على أنّ أعراف الناس وعاداتهم مما رأوه حسناً فعملوا به؛ يأخذ حكم الإباحة أو الندب أو الوجوب في الشرع، فكأن العرف الحسن هو الذي حسّنه الله تعالى، وهذا الأثر مما لا يقال بالاجتهاد والرأي؛ لأن ما يحسنه الله لا يعرف بالاجتهاد، بل يفتقر إلى وحي، فكان أثر ابن مسعود رضي الله عنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ. والله أعلم.

ولذلك؛ كان: «استعمال الناس حجّة يجب العمل بها» (39). أي شرعاً.

وكان: « اعتبار العادة عند عدم النص»(40).

وكان: «المعروف بين التجار كالمشروط بينهم»، وكان: «اعتبار المتعارف فيما بين التجار»(41). أي شرعاً.

وفي مسألتنا على وجه الخصوص: نبّه المجمع الفقهي الإسلامي في قراره بشأن حماية الحسابات الاستثمارية إلى العمل بموجب العرف المصرفي واعتماد وسائلهم في إدارة الأموال المستثمرة وأوجبوها على المصارف الإسلامية لحماية أموال المستثمرين، فقالوا: « يجب على المصارف الإسلامية أن تتبع في أثناء إدارتها لأموال المستثمرين الإجراءات والوسائل الوقائية المشروعة والمعروفة في العرف المصرفي، لحماية الحسابات الاستثمارية وتقليل المخاطر » (42).

وتكوين احتياطي مخاطر الاستثمار ومعدل الأرباح عُرْفٌ مصرفي في حماية الودائع الاستثمارية وفي المحافظة على معدل الأرباح، وقد تأيّد هذا العرف بفتاوى المجامع الفقهية والهيئات الشرعية ونصوص المعايير الشرعية والمحاسبية. وليس فيه ما يمنع اعتباره في الشرع إذ لا مناقضة فيه لنصّ شرعي ولا مخالفة له لمقصود الشرع في العقود.

والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكـــــم قد يُدار

وبهذا؛ فتكوين الاحتياطيين (معدل الأرباح ومخاطر الاستثمار) تتخرج على هذه القواعد الشرعية الخمسة.

النظر الرابع: التقرير الفقهي للمسألة:

رأينا أنّ النظر الفقهي قد اتجه في صفاء نحو تكوين احتياطي معدل الأرباح واحتياطي مخاطر الاستثمار، وأنه لا يمتنع شرعاً ، وذلك:

1ـ أنّ هدف ومقصود تكوينهما لا يتعارض مع مقاصد الشريعة ولا يخالف أحكامه.

2ـ وأنّ في تكوينهما مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة تصل في نظر أهل الفنّ وولاة أمر المصارف إلى درجة الحاجة العامة.

3ـ وأنّ الجهات الرقابية والإشرافية أقرّتهما ودعت إلى تكوينهما تحقيقاً للمصلحة المصرفية.

4ـ وأنّ المؤسسات والهيئات الإفتائية من المجامع الفقهية والهيئات الشرعية قد أجمعت على جواز تكوين هذين الاحتياطيين..

5ـ وأنّ القواعد الشرعية المتعلقة بالمضاربة ورأس المال فيها والربح مؤيّدة معضّدة لتكوينهما.

6ـ وأنّ لهما من النظائر التي أجازتها هذه الهيئة العليا ..

فلم يبق إلاّ بعض النظر الفقهي من أقوال الفقهاء ونصوصهم الدالة على إمكان تكوين الاحتياطيين وجواز ذلك شرعاً. ويمكننا أن نحرر ذلك في النقاط الآتية للوصول إلى القرار الفقهي في المسألة:

النقطة الأولى: حقيقة احتياطي مخاطر الاستثمار والموقف الفقهي:

إنّ حقيقة احتياطي مخاطر الاستثمار تتمثل في تكوينه وفي غرضه: ويكون باقتطاع جزء من أرباح أصحاب حسابات الاستثمار بالاتفاق معهم لما يفترض من توقع الخسارة في رأس المال .

وهذا مبنيٌّ على مقصد حفظ المال بالحماية والتحوط لرأس المال من المخاطر والخسارات ما أمكن، ومُخرَّجٌ فقهاً على ما هو مقرر شرعاً عند الفقهاء أن الربحَ جابرٌ لما يلحقه من الخسران.

جاء في المغني والشرح الكبير لابني قدامة رحمهما الله: «ومتى كان في المال خسران، وربح، جبرت الوضيعة من الربح، سواء كان الخسران والربح في مرة واحدة، أو الخسران في صفقة والربح في أخرى، أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى؛ لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح. ولا نعلم في هذا خلافاً» (43).

وقال المالكية رحمهم الله: « وإذا ذهب بعض رأس المال قبل أن يذهب بعمل، أو بعد، فإنه يجبر من الربح ما لم يتفاصلا » (44).

وعن ابن القاسم رحمه الله، في رجل دفع إلى رجل ألف دينار، وأخرج هو مائة إلى رب المال يعمل في المال، والربح بينهما، وكانا يتحاسبان كل سنة فيقسمان ذلك، ثم خسرا، قال: « يُردّ ما ربِحَا من أول، ثم يقسمان الربح على عدة المال، ولصاحب المال أجر مثله في الألف » (45).

وفي الكافي لابن عبد البر رحمه الله: « وما لحق المال من جائحة كالسرقة أو لصوص قطعوا به أو غريم أفلس أو خسارة أو غير ذلك من الوجوه، ثم عمل العامل فيه وربح؛ فلا شيء له من ذلك الربح حتى يقضي رأس المال أو يتّجر أو يرجع إلى مبلغه يوم قبضه، ثم يقتسما بعد ذلك ما كان بعد ذلك من ربح أن كان، وعلى العامل أن يجبر الوضيعة من الربح، وليس له أن يجعل رأس المال ما بقي بعد الوضيعة، إلا أن يكون رب المال قد علم بأصله وحاسبه ثم استأنف العقد معه فيكون رأس المال حينئذ ما بقي بعد الوضيعة الأولى » (46).

وهنا في كل أحوال وقوع الخسارة وتوقعها يكون الربح هو الجابر لها.

قال ابن رشد رحمه الله: « فالذي يأتي في هذه المسألة على مذهب ابن القاسم رحمه الله في المدونة أَنْ يُرَدّ العاملُ إلى قراض مثله في الألف للأعوام كلها، وتجبر الخسارة في العام الآخِر من ربح الأعوام المتقدمة كما قال»(47)..

فكيف تُجبر الخسارة في العام الآخِر من ربح الأعوام المتقدّمة ما لم يكونوا قد احتاطوا لهذا الخسران باحتجاز الربح كله أو جزء منه في الأعوام السابقة توقّعاً لما ستكون من الخسارة؟!.

فدلّ على أن هذا الإجراء المتخذ من المصارف في تكوين احتياطي مخاطر الاستثمار مقرر عند الفقهاء بوضوح.

يؤكّد ذلك؛ ما قرّره الشافعية رحمهم الله بقولهم: «الربح في القراض وقايةٌ لرأس المال عند فرض الخسران » (48).

فالمقرر : الاحتياط بالربح لما يفترض من الخسران، لا لما وقع منه. وهذا لا يكون إلا بالاحتياط بالربح الناتج عن المضاربة، وهو ما تصنعه المصارف باحتياطي مخاطر الاستثمار.

وكذلك قرّر فقهاء الحنابلة رحمهم الله ذلك، وقالوا: « إنّ الربح وقايةٌ لرأس المال، فلا يأمن الخسران الذي يكون هذا الربح جابراً له»(49).

وطالما لا يأمن الخسران الذي يجب أن يجبر بالربح؛ فالسبيل إلى ذلك الاحتياط بالربح كله أو بجزء منه يقتطع لما يتوقع من الخسران. وأن يكون الاحتياط بجزء من الربح أخفّ من الاحتياط بكل الربح والتربّص بجميعه. وهذا هو حقيقة احتياطي مخاطر الاستثمار.

النقطة الثانية: حقيقة احتياطي معدل الأرباح والموقف الفقهي:

وحقيقة احتياطي معدل الأرباح باقتطاع جزء من أرباح أموال المضاربة كلها بما فيها نصيب المضارب للمحافظة على مستوى من عائد لأصحاب حسابات الاستثمار وأصحاب حقوق الملكية.

فتتمثّل حقيقة هذا الاحتياطي في:

أـ اقتطاع جزء من الأرباح المتحققة..

ب ـ عدم توزيع جميع الأرباح الناتجة عن أعمال المضاربة لأرباب المال.

ج ـ إعطاء أرباب المال (المودعين ) أكثر من الأرباح الحقيقية التي أفاء الله بها.

د ـ إعطاء غير الذين اقتطع منهم ممن جاءوا من بعدهم إنْ وقع لهم خسارة أو ضعفٌ في الأرباح.

هذا تقريباً صورة هذا الإجراء وما يكون فيه. فما الموقف الفقهي من هذا كله؟.

[1] اقتطاع جزء من الأرباح المتحققة:

هذا إجراء مسلوك من غير نكير في كثير من التعاملات المالية، خاصة في المصارف وفي شركات التأمين.

فباقتطاع جزء من الأرباح تتكون الاحتياطيات في المصارف وشركات التأمين..

وباقتطاع جزء من الأرباح أو من حقوق أصحاب الودائع يتكوّن صندوق ضمان الودائع..

وباقتطاع جزء من أقساط المشتركين وفوائضهم يتكون صندوق ضمان حملة الوثائق..

وهكذا؛؛

فهذا عرف مصرفي وتأميني أقرته الهيئات الشرعية عندنا وغيرنا، فلا إشكال فقهياً في هذا الاقتطاع.

[2] عدم توزيع جميع الأرباح الناتجة عن أعمال المضاربة لأرباب المال:

فباقتطاع الجزء من الربح ينقص نصيب أرباب المال عن حقيقة الأرباح التي تحققت، وهذا ليس شرطاً في المضاربة، فليس من حقّ أصحاب الربح المطالبة بتوزيعه عليهم كاملاً غير منقوص، وكما قررنا ذلك من قبل نؤكده بما يلي:

1ـ وجاء في كتاب الأصل للشيباني رحمه الله: « وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة على أن ما رزق الله في ذلك من شيء فللمضارب ثلثه ولعبد المضارب ثلثه ولرب المال ثلثه فهذا جائز»(50).

2ـ وفي المبسوط للسرخسي رحمه الله: « ولو دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن ثلث الربح للمضارب وثلثه يقضي به دين المضارب الذي للناس عليه أو مالي الذي لفلان عليه فثلث الربح لرب المال، والمضاربة جائزة وثلثا الربح للمضارب» (51).

3ـ وفي بدائع الصنائع للكاساني رحمه الله: « لو شرط ثلث الربح للمضارب ، والثلث لقضاء دين المضارب ، والثلث لرب المال إن الثلثين للمضارب، والثلث لرب المال ، وكذا لو شرط ثلث الربح للمضارب ، والثلث لرب المال ، والثلث لقضاء دين رب المال إن الثلثين لرب المال ، والثلث للمضارب؛ لأن المشروط لقضاء دين كل واحد منهما مشروط له»(52).

فهذه نصوص الفقهاء في إمكان ذلك في ربح المضاربة.

[3] إعطاء أرباب المال (المودعين ) أكثر من الأرباح الفعلية:

وهذا الاحتياطي من أغراضه أن يُعطَى أصحاب حسابات الاستثمار أكثر من الأرباح التي حققتها أموالهم وودائعهم في الحقيقية والواقع.

وهذا أيضاً نجده في مقررات أهل الفقه ونرى معناه متوافراً في أقوالهم ما دام اتفقا على ذلك واشترطاه بينهم، ومن ذلك:

1ـ ما قال به محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله إذا اشترطا (المضارب ورب المال) من الربح لأحدهما زيادة على نصيبه، قال: « الربح بينهما على ما اشترطا » (53). وهنا أخذ أحدهما (رب المال ) زيادة على نصيبه، فأجاز ذلك الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمهما الله.

2ـ وفي المدونة عن أبي الزناد رحمه الله قال: « لا يصلح أن تدفع إلى رجل مالاً مضاربة، وتشترط من الربح حاصلة لك دونه ولو كان درهماً واحداً، ولكن تشترط نصف الربح لك، ونصفه له، أو ثلثه لك وثلثاه له، أو أكثر من ذلك أو أقل ما دام له في كل شيء منه شرك قليل أو كثير، فإن كل شيء من ذلك حلال، وهو قراض المسلمين»(54).

فالشرط يبطل إنْ حدّد ربحاً معيناً ولو كان جنيهاً واحداً، وهذا مجمع عليه كما نقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع في ذلك فقال: « وأجمعوا على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة»(55).

ولكن إنْ اشترط زيادة على نصيبة بالنسبة الشائعة في الربح؛ جاز، وصحت المضاربة. كما قرره.

3ـ وعلى هذا أجاز الفقهاء السابقون والمعاصرون اشتراط ما يزيد من الأرباح لأحدهما، فجاء في البحر الزخار : « فإن قال أحدهما على أنّ لي عشرة إنْ ربحنا أكثر منها أو ما يزيد عليها؛ صحت، ولزم الشرط، إذ لا مقتضي للفساد» (56).

ومن المعاصرين شيخنا الإمام الصديق رحمه الله، قال: «إذا كان اشتراط المبلغ المحدد لا يترتب عليه عدم الاشتراك في الربح؛ فإنه يجوز، وذلك كما لو اشترط رب المال أو العامل أن يكون له مائة جنيه إنْ زاد الربح عليها ويكون الباقي بينهما مناصفة مثلاً» (57).

وبهذا أخذ مجمع الفقه الإسلامي الدَّولي، وأقرّه معيار المضاربة، وأجازته ندوة البركة، وأفتت به بعض هيئات المصارف الإسلامية.

فجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 123 (5/13) بشأن القراض أو المضاربة المشتركة في المؤسسات المالية (حسابات الاستثمار)، في الفقرة عاشراً: « لا مانع شرعاً من وضع معدَّل متوقّع للرِّبح ، والنصّ على أنه إذا زاد الربح المتحقق عن تلك النسبة ؛ يستحق المضارب جزءاً من تلك الزيادة ، وهذا بعد أن يتم تحديد نسبة ربح كل من الطرفين مهما كان مقدار الربح » (58).

وجاء في معيار المضاربة لأيوفي رقم (13) الفقرة 8/5: «إذا شرط أحد الطرفين لنفسه مبلغاً مقطوعاً فسدت المضاربة، ولا يشمل هذا المنع ما إذا اتفق الطرفان على أنه إذا زادت الأرباح عن نسبة معينة؛ فإن أحد طرفي المضاربة يختص بالربح الزائد عن تلك النسبة، فإن كانت الأرباح بتلك النسبة أو دونها؛ فتوزيع الأرباح على ما اتفقا عليه»(59).

وجاء في قرارات ندوة البركة الأولى رقم (1/4): «يجوز أن يتفق رب المال مع المضارب على أنه إذا زاد الربح عن نسبة 15بالمائة مثلاً في السنة عن رأس المال فإن الزيادة تكون من نصيب المضارب» (60).

وأجازته إدارة الفتوى والبحوث ببنك التضامن الإسلامي حين سئلوا: هل يجوز أن يتفق رب المال مع المضارب أنه إذا زاد الربح عن نسبة 30 في المائة مثلاً في السنة من رأس المال فإن ما يزيد عن ذلك يكون من نصيب المضارب؟

فأجابوا: « هذا الشرط جائزٌ شرعاً طالما أن الربح مقتسم نتيجة المحاسبة طبقاُ للنسبة السابقة المتفق عليها، وأن رب المال يتحمّل الخسارة إذا تبيّن وقوعها» (61).

وما ذهبوا إليه من جواز هذا الاشتراط وصحة المضاربة معه؛ مؤيَّدٌ بقول ابن عباس رضي الله عنهما: « لا بأس أن يقول بع هذا الثوب، فما زاد على كذا وكذا فهو لك». وبقول ابن سيرين رحمه الله: « إذا قال: بع بكذا، فما كان من الربح فلك أو بيني وبينك، فلا بأس» (62).

وهكذا ؛ جاز أن يعطى رب المال أكثر من نصيبه بالشرط والاتفاق، كما يجوز إعطاؤه أقلّ من نصيبه كما رأينا في نقول الفقهاء.

فوقوع هذا الإجراء لا يجعل تكوين الاحتياطي ممنوعاً. لأنه جائز في نفسه.

[4] وقوع الجهالة في الربح الذي يقسّم للطرفين:

قد تقع بهذا الإجراء جهالة في الربح الذي يستحقه أو يملك المضارب ورب المال، وما يقسّم بينهم، لأنه قد ينقص بأخذ جزء منه واقتطاع نسبة مما يرزق الله من عوائد أعمال المضاربة.

هذا متصوّر، غير أنه لا يفسد المضاربة ولا يضرّها لسببين:

السبب الأول: أنها جهالة تنتهي إلى العلم، فخرجت عن الجهالة المفسدة للعقد.

والسبب الثاني: أنّ الجهالة في ربح المضاربة محتملة للحاجة كما قرر ذلك فقهاء الشافعية، فقالوا: احتملت الجهالة في ربح القراض وعملِ الجعالة للحاجة(63).

بل ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه يجوز تغيير نسبة الربح بالشرط، ويكون الشرط متبعاً(64).

[5] إعطاء غير الذين اقتُطع منهم ممن جاءوا بعدهم :

إنْ وقع لهم خسارةٌ أو ضعفٌ ونقص في الأرباح؛ أعطوا من هذا الاحتياطي وهم ليسوا من أولئك الذين اقتُطع من أرباحهم.

فهذا أيضاً مقرر في نصوص أهل الفقه، ومن نصوصهم:

1ـ قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله : «لا يُفسد المضاربة اشتراط المضارب لعبده ثلث الربح».

وقال: «وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة على أن للمضارب ثلث الربح وثلثه لرب المال وثلثه لعبد رب المال فهذا أيضاً مضاربة جائزة، والثلثان من الربح لرب المال، والثلث للمضارب» (65).

فإعطاء شخص آخر ليس هو رب مال ولا مضارب من الربح، سواء أكان من طرف المضارب أو كان من طرف رب المال؛ فهذا مقبول شرعاً، ولا يفسد به عقد المضاربة.

2ـ وتقرر عند المالكية رحمهم الله جواز إعطاء شخص آخر ثالث ليس مضارباً ولا رب مال جزءاً من ربح المضاربة، على وجه الاشتراط أو التبرع..

قال الشيخ خليل رحمه الله في مختصره في باب القراض (المضاربة): «والربح لأحدهما أو لغيرهما»(66).

قال الخرشي شارحاً عبارة خليل رحمهما الله: « يعني: أنه يجوز اشتراط ربح القراض كله لرب المال أو للعامل أو لغيرهما، لأنه من باب التبرع، وإطلاق القراض عليه حينئذ مجاز.. ويلزمهما الوفاء بذلك إن كان المشترط له معيناً.. وأما إن كان لغير معيّن كالفقراء؛ فإنه يجب من غير قضاء»(67).

وقال في منح الجليل: «وجاز أن يجعل الربح كله لأحدهما ،أي رب المال والعامل، أو لغيرهما، قال: فإن أعطيته مالاً قراضاً (مضاربة) على أن ربحه للعامل وحده؛ قال: ذلك جائز. وقد قال الإمام مالك رضي الله عنه فيمن أعطى لرجل مالاً يعمل به على أن الربح للعامل ولا ضمان عليه أنه لا بأس به» (68).

وقال الباجي رحمه الله: «يجوز شرط كل الربح لأحدهما في مشهور مذهب الإمام مالك رحمه الله»(69).

وهنا قرر المالكية رحمهم الله أنه لا مانع فقهاً من إعطاء طرف آخر لا هو مضارب ولا هو رب مال جزءاً من الربح، أو كل الربح، فهذا جائز سواء أكان باشتراط أم كان بالتزام تبرع.

3ـ وقال ابن القاسم رحمه الله: «إذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين جاز، ولا أحب لهما أن يرجعا فيه ولا يقضى به عليهما»(70).

فيقرر ابن القاسم صاحب مالك رحمهما الله أن الاشتراط بثلث الربح للمساكين جائز، ويكره للمضارب ولرب المال عدم التنفيذ، والرجوع في ذلك.

وعلى هذا؛ فلا مانع من إعطاء مستثمرين آخرين إذا وقع عليهم الخطر الذي بُني الاحتياطيُّ لحمايتهم ووقاية أموالهم منه.

وبذلك كله تثبت مشروعية بناء وتكوين احتياطي معدل الأرباح واحتياطي مخاطر الاستثمار في المصارف الإسلامية، وأنّ الفقه ونصوص الفقهاء مؤيّدة لجوازهما..

.. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين ..

الفيحاء شرق النيل

ليلة الأربعاء 8 ربيع الأول 1444هـ

4 أكتوبر 2022م

الهوامش

  1. ) كتاب : معايير المحاسبة والمراجعة والضوابط للمؤسسات المالية الإسلامية 1424هـ / 2003م، ص 372.
  2. ) منشورات الرقابة المصرفية، رقم (4/2003) الصادر من بنك السودان المركزي بتاريخ 13ى جمادى الآخرة 1424هـ، يوافقه 11/8/2003م.
  3. ) إرشاد الفحول ، للشوكاني، ج1 ص 88.
  4. ) محضر اجتماع الهيئة العليا رقم (15/2022) الأربعاء 9/11/1443هـ 8/6/2022م..
  5. ) كتاب المعايير الشرعية ، ص 786-787، 790. المعيار رقم (40) بشأن توزيع الربح في الحسابات الاستثمارية على أساس المضاربة.
  6. ) كتاب قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ص 119، 124 .
  7. ) كتاب قرارات وتوصيات ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي، ص 60.
  8. ) الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية ، هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لبيت التمويل الكويتي، ص 340 – 341 برقم 354.
  9. ) فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية، الكتاب الثاني، ص 141 – 145.
  10. ) يراجع قانون الرقابة والإشراف على التأمين لسنة 2018، المواد 87-97، ص 62 – 66.
  11. ) انظر: قرار المجمع الفقهي بشأن حماية الحسابات الاستثمارية، في كتاب قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة ، ص 373.
  12. ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 11611، والدارقطني في سننه برقم 3081، والطبراني في المعجم الأوسط برقم 760.
  13. ) المغني لابن قدامة ، ج5 ص 46 . المبدع في شرح المقنع، ج4 ص 379.
  14. ) المدونة ، لمالك، ج3 ص 640.
  15. ) المغني ، ج5 ص 304.
  16. ) مصنف عبد الرزاق الصنعاني، برقم 15088، ج8 ص 248.
  17. ) المدونة الكبرى ، لمالك، ج3 ص 629.
  18. ) راجع: نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين الجويني، ج3 ص 108، ج7 ص 481، متن أبي شجاع المسمى الغاية والتقريب، ص 26، مختصر الخرقي ، ص 74 – 75، المغني والشرح الكبير لابني قدامة ، ج5 ص 166، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة ، ج3 ص 908، الذخيرة للقرافي، ج6 ص 89.
  19. ) مصنف عبد الرزاق، برقم 15087.
  20. ) المصنف نفسه برقم 15081.
  21. ) المصنف نفسه برقم 15085.
  22. ) راجعها في: المبسوط للسرخسي، ج11 ص 158، 161، 176.
  23. ) المدونة لمال، ج3 ص 631.
  24. ) التهذيب في اختصار المدونة ، ج3 ص 516.
  25. ) المغني لابن قدامة، ج5 ص 27.
  26. ) المغني نفسه.
  27. ) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج29 ص 346 – 347.
  28. ) اعلام الموقعين ، لابن القيم، ج1 ص 344.
  29. ) الفروع لابن مفلح، مع تصحيح الفروع للمرداوي، ج8 ص 268.
  30. ) الشرح الممتع لابن عثيمين، ج12 ص 164.
  31. ) أخرجه سعيد بن منصور في سننه برقم 663، ج1 ص 211.
  32. ) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم 22030، ج4 ص 450.
  33. ) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه برقم 16217، ج9 ص 24.
  34. ) أخرجه الترمذي في سننه برقم 1352، وأبو داود، برقم 3594، والبزار في مسنده برقم 3393، والطبراني في الكبير برقم 30، والدارقطني في سننه برقم 2890، والحاكم في المستدرك برقم 2309، وصححه الترمذي وقال(3/28): هذا حديث حسن صحيح.
  35. ) البخاري في صحيحه باب أجرة السمسرة، ج3 ص 91، والبيهقي في معرفة السنن والآثار برقم 14351، وبرقم 14349.
  36. ) انظرهما في: صحيح البخاري ، ج3 ص 92، شرح السنة للبغوي، ج8 ص 219 – 220 .
  37. ) الأشباه والنظائر لابن نجيم، ص48.
  38. ) أخرجه أحمد في مسنده برقم 3600، وفي فضائل الصحابة ج1 ص 367، والطبراني في الأوسط برقم 360 ، والحاكم في المستدرك برقم 4465، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (3/83) واللفظ للطبراني.
  39. ) شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقا، تعليق مصطفى الزرقا، القاعدة السادسة والثلاثون، ص 223. وقواعد الفقه للبركتي ص 57، والوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية للبورنو، ص ج1 ص 292، ومجلة الأحكام العدلية المادة 37 ص 20.
  40. ) المبسوط للسرخسي،ج13 ص 81، باب المرابحة، موسوعة القواعد الفقهية، محمد صدقي بورنو، ج 1/2/215.
  41. ) شرح القواعد الفقهية، للزرقا، ص 239 القاعدة الثالثة والأربعون. والوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية للبورنو ج1 ص 306. البناية شرح الهداية ، ج10 ص 91.والدر المختار ج4 ص 537.
  42. ) قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ص 373، الفقرة ثانياً من القرار الثالث بشأن حماية الحسابات الاستثمارية في المصارف الإسلامية.
  43. ) المغني ، ج5 ص 41، والشرح الكبير، ج5 ص 166.
  44. ) النوادر والزيادات، لابن أبي زيد، ج7 ص 272.
  45. ) النوادر والزيادات نفسه، ج7 ص 271- 272، والبيان والتحصيل لابن رشد الجد، ج12 ص 414.
  46. ) الكافي في فقه أهل المدينة ، لابن عبد البر، ج2 ص 775-0776
  47. ) البيان والتحصيل، ج12 ص 415.
  48. ) نهاية المطلب في دراية المذهب، للجويي، ج3 ص 108.
  49. ) المغني لابن قدامة، ج5 ص 46.
  50. ) الأصل للشيباني، ج4 ص 131.
  51. ) المبسوط للسرخسي، ج22 ص 30 .
  52. ) بدائع الصنائع، للكاساني، ج6 ص 81.
  53. ) المبسوط للسرخسي ، ج11 ص 161.
  54. ) المدونة لمالك، ج3 ص 631.
  55. ) الإجماع لابن المنذر ، ص 58 برقم 529.
  56. ) البحر الزخار، ج4 ص 82، نقله شيخنا الإمام الصديق الضرير، في كتاب الغرر، ص 523
  57. ) الغرر وأثره في العقود، للصديق الضرير، ص 523.
  58. ) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ص 416.
  59. ) المعايير الشرعية ، معيار المضاربة (13) ص 285،
  60. ) قرارات وتوصيات ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي ، ص 18 .
  61. ) الفتاوى الشرعية للمصارف السودانية، الكتاب الأول ، ص 108.
  62. ) انظرهما في: صحيح البخاري ، ج2 ص 92، وشرح السنة للبغوي، ج8 ص 219 – 220 .
  63. ) انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب، لزكريا الأنصاري، ج4 ص 472، تحفة المحتاج، ج10 ص 390، ومغني المحتاج، ج6 ص 483، ونهاية المحتاج، ج8 ص 404.
  64. ) الشرح الكبير للرافعي ، ج10 ص 426 .
  65. ) الأصل للشيباني، ج4 ص 131 – 132.
  66. ) مختصر العلامة خليل في فقه الإمام مالك، ص 153.
  67. ) شرح مختصر خليل للخرشي، ج6 ص 209.
  68. ) منح الجليل شرح مختصر خليل، ج7 ص 338.
  69. ) منح الجليل نفس الموضع.
  70. ) منح الجليل نفسه، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك، ج2 ص 354.
https://azubair.net/bahth/ihtiyatiyy-muaddal-alarbah/ — azubair.net