اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

حكم إقراض الدولة بالربا

١٤٤٤هـ — ٢٠٢٣م · لجنة الاجتهاد والفتوى — الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله الطيبين، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى الصحابة أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

فبتكليف من الإخوة في لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمين لعلماء المسلمين أعددت هذا البحث بعنوان « حكم إقراض الدولة بالربا »، على عجل وضيق زمان وتزاحم واجبات ومهام، فأرجو أن يكون أهلاً للاطلاع والمدارسة، ومحلاً لرضا أخيار المؤمنين من السادة العلماء، وأن يجد فيه إخواني ما يفيد وينفع، والله نسأله القبول وقد كتب لنا التوفيق في إعداده، فله الحمد عدد خلقه ومداد كلماته وزنة عرشه ورضا نفسه..

وقد جعلته في ستة مباحث:

المبحث الأول في: تعريف القرض والعلاقة بينه وبين الربا.

والمبحث الثاني في: الربا بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية.

والمبحث الثالث في: الدولة بين الإقراض والاقتراض بالربا.

والمبحث الرابع في: إقــراض الــدَّولة بالـــرِّبا.

والمبحث الخامس في: التجارب القائمة في الإقراض الرسميّ.

والمبحث السادس في: البدائل والخيارات الفقهية للإقراض الحكومي الربويّ.

اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً،

ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً.

المبحث الأول: القرض تعريفه، العلاقة بينه وبين الربا.

أولاً: تعريف القرض والإقراض:

القرض في اصطلاح أهل الفقه يختص بالمداينة وإعطاء المال بالجزاء، ولهذا يقول المناوي رحمه الله: « القرض: الجزء من الشيء والقطع منه، كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من أثوابه أقطاعاً مضاعفة، ومنه سُمِّيَ ما يدفع إلى الإنسان بشرط رد بدله قرضاً، وفي المصباح: ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه »(1).

وبهذا المعنى المختص بالمداينة وإعطاء المال بالجزاء جاءت تعريفات فقهاء المذاهب.

* فعند الحنفية القرض: « عقدٌ مخصوصٌ يرد على دفع مال مثليٍّ لآخر ليردّ مثله» أو هو: « ما تعطيه من مثليٍّ لتتقاضاه » (2).

* وعند المالكية القرض: « إعطاء متموَّلٍ في عِوضٍ متماثلٍ في الذمّة لنفع المعطَى فقط »(3).

* وعند الشافعية عُرِّف القرض بأنه: « تمليك الشيء بردّ مثله»(4).

* وعند الحنابلة القرض هو: « دفع مالٍ إرفاقاً لمن ينتفع به ويردّ بدله»(5).

وكلها متقاربة كما ترى، وإنْ كان للقرض معنى مجمعٌ عليه كما قال ابن حزم رحمه الله في المحلى ووافقه النّوويّ رحمه الله في المجموع، وهو: « أنْ تعطي إنساناً شيئاً بعينه من مالِكَ تدفعه إليه ليردّ عليك مثله إما حالاً وإما إلى أجل مسمّى». قالا رحمهما الله: « وهذا مجمعٌ عليه »(6).

والفقهاء يسمّون نفس المال المدفوع على الوجه المذكور: قرضاً، ويسمّون الدافع للمال: مُقرضاً، والآخذ: مقترضاً ومستقرضاً، ويسمّون المال الذي يردّه المقترض إلى المقرض عوضاً عن القرض: بدل القرض، وأخذ المال على جهة القرض: اقتراضاً (7).

أما الإقراض؛ فمن أقرض يُقرض إقراضاً، وهو إعطاء القرض. ومنه قول الله تعالى ﴿وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا﴾ [الحديد: 18] ، وقوله تعالى ﴿وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا﴾ [المائدة: 12].

والقرض اسم مصدر بمعنى الإقراض(8).

ثانياً: العلاقة بين القرض والرِّبا:

يصنَّف القرض بأنه عقد تبرّع فيه شَبَه المعاوضة، أو معاوضة فيها شَبَه التبرع(9)، لتضمنه البدل، وإن كان القصد الأول الرفق والمعاونة..

ولهذا كان من أقرب العقود إلى الرِّبا، بل ذهب الشاطبي رحمه الله إلى أنّ القرض ربا في الأصل أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة، فقال: « القرض ربا في الأصل؛ لأنه الدرهم الموافقات بالدرهم إلى أجل، ولكنه أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين، بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين »(10).

ويرى الشاطبي رحمه الله أنّه مستثنى من ربا النسيئة، على « أنّ ربا النسيئة لو امتنع في القرض؛ لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه»(11).

ويصرّح القرافي رحمه الله أنّ القرض مستثنى من قاعدة الربا إنْ كان في الربويات كالنقدين والطعام، حين فرّق بين قاعدة القرض وقاعدة البيع في الفرق الحادي والمائتين فقال: « اعلم أن قاعدة القرض خولفت فيها ثلاث قواعد شرعية: قاعدة الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام. وقاعدة المزابنة، وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان في الحيوان ونحوه من غير المثليات. وقاعدة بيع ما ليس عندك في المثليات. وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحةُ المعروف للعباد، فلذلك متى خرج عن باب المعروف امتنع، إما لتحصيل منفعة المقرض أو لتردده بين الثمن والسلف لعدم تعين المعروف مع تعين المحذور، وهو مخالفة القواعد» (12).

وقال زكريا الأنصاري رحمه الله في أسنى المطالب: « الإقراض جوز على خلاف القياس للإرفاق ويجوز رد الزائد وأخذ الناقص بلا شرط فلا يضايق فيه كالربا » (13)، كأنّه ينبّه إلى قرب القرض من الربا وأنه مستثنى منه.

وبيان ذلك: « أنّ القرض تمليك الشيء بردّ مثله، فساوى البيع، إذ هو تمليك الشيء بثمنه.. وكون القرض فيه شائبة تبرع؛ لا ينافي ذلك، لأن المعاوضة فيه مقصودة على الأصحّ “عندهم”.. فكان بيع ربويّ بجنسه مع تأخّر القبض، فكان جوازه على خلاف القياس.. » (14)، لأنه أشبه بالربا في الصورة.

ويرى كثيرٌ من الحنابلة رحمهم الله أن القرض الذي هو دفع المال إلى الغير لينتفع به ويرد بدله؛؛ هو نوعٌ من المعاملات مستثنى عن قياس المعاوضات، لمصلحة لاحظها الشارع رفقا بالمحاويج(15).

وهم يرون القرض من صور الربا لا يختلف عنه إلا بالقصد، كما يقول شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله: « جاز القرض مع أن صورته صورة ربا، فإنه إذا باع درهماً بدرهم ولم يحصل بينهما تقابض؛ كان ربا، وإذا أقرضه درهماً وبعد شهر أعطاه إياه لم يكن ربا، مع أنّ الصورة صورة ربا ولا يختلف إلا بالقصد، ولما كان المقصود بالقرض الإرفاق والإحسان صار جائزاً » (16).

وقد سبقهم إلى ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله، أنّ صورة العقد واحدة، وأنّ الحكم فيهما إنما يختلف باختلاف النية والقصد، مبيناً ذلك بقوله: « الله تعالى حرَّم أنْ يدفع الرجل إلى غيره مالاً ربوياً بمثله على وجه البيع إلا أن يتقابضا، وجوَّز دفعه بمثله على وجه القرض، وقد اشتركا في أنّ كلاً منهما يدفع ربوياً ويأخذ نظيره، وإنما فرّق بينهما القصد؛ فإنّ مقصود المقرض إرفاق المقترض ونفعه، وليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا كان القرض شقيق العارية كما سماه النبي ﷺ: ( منيحة الورق)(17)، فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها منه، لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل » (18).

ثالثاً: احترازات الربا في القرض:

ولأنّ صورة القرض صورة ربا، وأنه في الربويات من النقود والطعام من نوع بيع الربويّ بجنسه مع تأخّر القبض؛ فيدخله ربا النسيئة؛؛ ولأن القرض من أقرب العقود والمعاملات للربا، وما بينهما شعرة أو شعرات من لم يتَّقِه وقع فيه؛؛ اتخذ الشرع التدابير والاحترازات العاصمة من الوقوع في مستنقع الربا، ومن ذلك:

[1] حثّ الشرع على إبقاء القرض في بستان الارتفاقات وحدائق المعاونة والإحسان، وإبعاده عن المعاوضات بكل سبيل..

فسمّى القرض منيحةً فقال صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام: (مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ أَوْ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ أَهْدَى زِقَاقًا كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ )(19).

وجمّل وصفه ولقَّبه بالحسن فقال جلّ جلاله ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ﴾ [البقرة: 245].. ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ﴾ [الحديد: 11]..

وصنّفه في الصدقات المضاعفة أجورها فقال جلّ وعلا ﴿إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَـٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا يُضَـٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌۭ كَرِيمٌۭ﴾ [الحديد: 18]..

بل جعَل القرض خيراً من الصدقة، دعوةً إلى عدم إخراجه إلى ما سواه، فقال ﷺ: ( رأيت ليلة أسري بي مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، قلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ فقال: إن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة) (20).

مع التنبيه إلى أنّ أجر القرض من الله لا من المقترض ..

[2] وحتى لا يعامل القرض معاملة البيع، ولوجوب التفريق بينهما؛ نهى صاحب الشريعة ﷺعن اجتماع البيع والسلف (21).

[3] واتفق المسلمون في الجملة(22) على أن كلّ قرضٍ جرّ نفعاً فهو ربا، ورووه موقوفاً ومرفوعاً، ومن المرفوع حديث عليٍّ رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا»(23).

ومن الموقوف ما رُوي عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا»، وَمرويّ عَنْ عُمَرَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِمْ رضي الله عنهم(24)، وهو وإنْ قيل في سنده؛ فمعناه صحيح عند الفقهاء فاتفقوا على العمل به.

[4] التعامل الحذر في القرض حتى لا يدخله الربا، فمنع لذلك السلف كل زيادة على أصل القرض إلزاماً أو تورّعاً، وقد سُئِلَ عليٌّ رضي الله عنه عَنِ الرَّجُلِ يَقْرِضُ الرَّجُلَ الْقَرْضَ وَيُهْدِي إِلَيْهِ، قَالَ: «ذَلِكَ الرِّبَا الْعَجْلَانُ»(25). وقَالَ أُبَيٌّ: «إِذْ أَقْرَضْتَ قَرْضًا وَجَاءَ صَاحِبُ الْقَرْضِ يَحْمِلُهُ وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ فَخُذْ مِنْهُ قَرْضَهُ وَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ»(26).

وقال عبد الله بن سلام لأبي موسى رضي الله عنهما: « إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ، فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلاَ تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا »(27).

فهذه وغيرها من الاحترازات عن الوقوع في الرِّبا في القرض.

المبحث الثاني: الربا بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية

لم يعرف الفقه في تاريخه تفريقاً بين القروض في تحريم الربا والفائدة، حتى ظهر في عصرنا من ينادي بالتفريق في حكم الربا بين ما سموه بالقروض الإنتاجية والتجارية والقروض الاستهلاكية. وكان أول نداءٍ بهذا التفريق في أسبوع الفقه الإسلامي في باريس سنة 1951م أطلقه الدكتور معروف الدواليبي(28).

ويقصدون بالقروض الاستهلاكية: القروض الممنوحة لذوي الحاجة لسد حاجاتهم الاستهلاكية الضرورية أو الحاجية أو غيرها كالغذاء والدواء أو غيرها من السكن والسيارات والأثاثات ونحوها.

ويقصدون بالقروض الإنتاجية: القروض الممنوحة للموسرين من التجار وأصحاب المال والأعمال، لتمويل وتشغيل مشروعاتهم الصناعية أو التجارية أو الزراعية ونحوها التي تدر عليهم ربحاً وفيراً.

ومؤدَّى التفريق أنهم حصروا الربا المحرم في القروض الاستهلاكية، وأخرجوا القروض الإنتاجية من الربا المحرّم، فأجازوا أخذ الفائدة على القروض الإنتاجية والتجارية وقالوا: ليست هذه الفائدة ربا محرماً(29)، متكئين فيه على جدار من ثلاثة أحجار رملية يريد أن ينقضَّ بأدنى اعتراض أو وجهٍ أو دليل، وهي:

[1] ربا الجاهلية كان في القروض الاستهلاكية فقط..

[2] عدم توافر معنى استغلال حاجة المحتاج..

[3] أنّ الفائدة حينئذٍ جزءٌ من الربح الذي يناله المقترض نتيجة استثمار مال القرض في نشاطه التجاري أو الصناعي أو الزراعي.

أولاً: أنّ ربا الجاهلية كان في القروض الاستهلاكية:

بل كان أغلب الربا في الجاهلية فيما سمّوه بالقروض التجارية والإنتاجية، لأنّ العرب كان تجاراً يضربون الأرض بأموالهم ويتاجرون في أموال الناس، يقترضونها ويردونها لهم بفوائدها ورِباها..

وازدهار التجارة في مكّة معروف، وتعاملهم بالربا معلوم، وكما يقول هيكل في حياة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « وعقد عبد شمس معاهدة تجارية مع النجاشي، كما عقد نوفل والمطّلب حلفا مع فارس ومعاهدة تجارية مع الحميريين في اليمن. وكذلك ازدادت مكة منعة جاه كما ازدادت يسارا؛ وبلغ أهلها من المهارة في التجارة أن أصبحوا لا يدانيهم فيها مدان من أهل عصرهم. كانت القوافل تجيء إليها من كل صوب وتصدر عنها في رحلتي الشتاء والصيف. وكانت الأسواق تنصب فيما حولها لتصريف هذه التجارة فيها؛ ولذلك مهر أهلها في النسيئة والرّبا وفي كل ما يتصل بالتجارة من أسباب المعاملات » (30).

ومعلوم أنّ العباس عمّ النّبي ﷺكان تاجراً، وكان يعامل التجار وغيرهم في جاهليته وبعد الإسلام بالربا، فلـمّا حرّم الشرع الربا؛ بدأ به، ورباه ربا التجارة ، فأعلن النبي ﷺ ذلك فقال: ( وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله)(31).

فهذا هو ربا الجاهلية، وهو ربا القرض التجاري..

ونزيد إبطالاً لهذا الاحتجاج بما ورد في سبب نزول آية الرّبا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 278].

قال السدي رحمه الله: « ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ، قال: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجلٍ من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية، يُسلِفان في الرِّبا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو بن عمير، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله ﴿وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟﴾ من فضل كان في الجاهلية «من الرّبا ».

وقال ابن جريج رحمه الله: « قوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبيّ ﷺعلى أنّ ما لهم من ربًا على الناس وما كان للناس عليهم من ربًا فهو موضوع. فلما كان الفتحُ، استعمل عتَّاب بن أسِيد على مكةَ، وكانت بنو عمرو بن عُمير بن عوف يأخذون الرِّبا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يُرْبون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير. فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبي بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّاب بن أسيد، فكتب عتّاب إلى رسول الله ﷺ، فنزلت: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ – ٢٧٩] » (32).

فبطل ما ادعوه من أنّ ربا الجاهلية لم يكن إلاّ على القروض الاستهلاكية، وثبت أن القروض الإنتاجية.

ثانياً: قولهم: عدم توافر معنى استغلال حاجة المحتاج:

أما هذا الاحتجاج؛ فمردودٌ، لأن استغلال المرابين حاجة المحتاج أسوأ استغلال هو من حكم تحريم الرّبا، غير أن حكم الرّبا إنما يُبنَى على العلة لا على الحكمة، فالعلة هي مناط الحُكم، والحكمة مرعية في الاعتبار، ولكن لا يُبنَى عليها الحُكم، لأنها لا تنضبط غالباً، والعلة منضبطة، فكانت مناط الحُكم دون الحكمة. وعلة منع الرّبا: الزيادة الخالية عن العوض مقابل الأجل، وهي موجودة في ربا القروض الإنتاجية أيضاً(33).

ثالثا: قولهم: إنّ فائدة القروض الإنتاجية جزءٌ من ربح التجارة:

واحتجوا بأنّ الفائدة التي تؤخذ على القرض الإنتاجي إنما هو جزءٌ من الربح الذي يناله المقترض نتيجة لاستثمار مال القرض في نشاطه التجاري أو الصناعي أو الزراعي، وليست هي من الفوائد الربوية بل هي من الأرباح، مثل الذي تجيزه الشريعة من ربح المضاربة.

وهو احتجاجٌ مردودٌ كذلك، من وجوه:

الأول: أنه طالما ترتبت فائدة على القرض بزيادة مشروطة فهو ربا الجاهلية ـ كما تقرّر ـ ، وكل ربا الجاهلية موضوعٌ في الشرع محرّم فيه بقول الله تعالى ﴿وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ . وبقوله ﷺ: (أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ )(34).

الوجه الثاني: أنّ فائدة القرض بعيدة عن الربح، إذ الربح نتاج عمل وتدوير للمال، والفائدة مرتّبةٌ على مال القرض دون النظر أربح هذا المال أم خسر.

الوجه الثالث: أنّ قياس فائدة القروض الإنتاجية على ربح المضارب قياسٌ مع فارقين كبيرين:

الفارق الأول: أن المضاربة تجارة ومبايعة، وهذا قرض، والقرض غير البيع، ولذلك اجتماعهما ممنوع في الشرع.

الفارق الثاني: أنّ رب المال إنما يستحق الربح إذا سلم رأس ماله، وكذلك المضارب، ولذلك فقد يسلم رأس المال ولا ربح، وقد يخسر رب المال ماله كله أو جزءاً منه، وقد يسلم رأس ماله ويربح.

أما الفائدة فهي مرتّبة على رأس المال، يجب على المقترض ردّ رأس المال مع فائدته ربح أم خسر. فلا يلتقيان أبداً: [ الفائدة الربوية، والربح التجاري].

وقد بادر علماء الأمّة في ردّ هذا الرأي وإبطال هذا القول، فقرر كبار علماء المسلمين بالإجماع في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة 1384هـ 1965م بأن: « الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي » (35).

كما حسم مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذا الأمر فقرر أنّ الزيادة أو الفائدة على القرض ربا محرم شرعاً، دون التفريق بين القرض الاستهلاكي والقرض الإنتاجي(36).

فلم يعتبروا القول بتقسيم القروض إلى قرض استهلاكي فيه ربا وقرض إنتاجي لا ربا فيه.

وكذلك صنعت المعايير الشرعية لأيوفي في معيار القرض، فحكمت على فائدة القرض بأنها ربا دون اعتبار لقرض استهلاكي أو إنتاجي، فنصّت على أنه: « يحرم اشتراط زيادة في القرض للمقرض، وهي ربا، سواء أكانت الزيادة في الصفة أم القدر، وسواء أكانت الزيادة عيناً أم منفعة، وسواء أكان اشتراط الزيادة في العقد أم عند تأجيل الوفاء أم خلال الأجل، وسواء أكان الشرط منصوصاً عليه أم ملحوظاً بالعرف» (37).

وكل ذلك؛ أن الإجماع قد انعقد على تحريم كل قرض بربا، فلا أثر لهذا التفريق بين الاستهلاكي والإنتاجي..

فقال ابن قدامة رحمه الله: « وكل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بلا خلاف » (38).

وقال ابن المنذر رحمه الله: « أجمعوا على أنّ المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أنّ أخذ الزيادة على ذلك ربا»(39).

وقال القرطبي رحمه الله: « أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﷺ أنّ اشتراط الزيادة في السلف ربا ، ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أو حبة واحدة »(40).

وقال ابن القطان رحمه الله : « واتفقوا أن اشتراط رد أفضل أو أكثر مما استقرض حرام لا يحل » (41).

وقال ابن عبد البر رحمه الله: « لا أعلم خلافاً فيمن اشترط للزيادة في السلف أنه ربا حرام لا يحل أكله » (42).

فالإجماع منعقد بنقل هؤلاء الأئمة الفقهاء الأخيار أن الزيادة المشروطة في كل قرض ربا حرام لا يحل أخذه، دون تخصيص لقرض استهلاكي عن قرض إنتاجي.

فثبت أنّ كلَّ قرضٍ جرّ نفعاً للمقرض أو رتّب فائدة على القرض فهو من الرّبا المحرّم في الشرع، سواءٌ أكان قرضاً تجارياً إنتاجياً، أم كان قرضاً استهلاكياً.

المبحث الثالث: الدَّولة بين الإقراض والاقتراض بالرّبا

إنّ تحريم الربا والفائدة لم يعد يحتاج إلى استدلال وحجج، بل هو من المسلمات الشرعية ، ومن المتفق عليه بين الأمة والأئمة.

ومن المقرر عند أهل الفقه أنه طالما كان محرماً متفقاً على تحريمه؛ فإنه لا يجوز إلا في حالة الضرورة، ولا إشكال عند الفقهاء ـ حسب علمي ـ أنّ الربا يجوز للضرورة، لأنّ الضرورات تبيح المحظورات.

والضرورة في حقّ الدولة متصوّرة في كثير من الجوانب والمجالات:

فيتصوّر وقوع الضرورة السياسية، ويتصوّر وقوع الضرورة العسكرية والأمنية ، والضرورة الاقتصادية وغيرها من الضرورات(43).

ومن الأسباب التي تدخل الدولة في الضرورة:

ـ انتهاك البيضة بمداهمة العدو وغاراته.

ـ تفرّق الأمة وتحاربها.

ـ المجاعة والقحط والجدب الذي يضرب البلاد فينفق بسببه الحيوان ويجفّ الزرع والضرع.

ـ البغي والخروج المسلح على الدولة.

ـ تفشي الحرابة والإفساد في الأرض، والنهب المسلح والنهب المنظّم، وانفلات الأمن القومي وأمن المجتمع.

ـ الوبائيات وانتشار الأمراض الفتاكة، وغير ذلك مما يجعل كيان الدولة أو جميع الشعب أو جمهور المواطنين في خطر شديد مما يُلجئ النظام [ ولاة الأمر] لاتخاذ ما يدفعه ولو بارتكاب المحظور في الشرع(44).

وقد ضبط مجلس الإفتاء الشرعي ضرورة الدولة حين قال: « الضرورة بالنسبة للدولة؛ ضابطها: أنْ يتحقّق وليُّ الأمر من وجود خطرٍ حقيقيّ، أو ضررٍ واضح، أو حرجٍ شديد، أو فوات منفعة عامة، بحيث تتعرض المصالح الحيوية للأمة للخطر»(45).

وهذا الضابط لضرورة الدولة يدخل الحاجات العامة مع الضرورات، فكان الاعتبار لضرورة الدولة: كلّ ضرورة أو حاجة عامة تنزّل منزلة الضرورة.

فهل هذه الضرورة أو الحاجة العامة التي تقع للدولة تبيح لها الاقتراض بالربا فقط؟ أم تبيح لها أيضاً الإقراض بالربا؟؟.

أمَّا اقتراض الدَّولة بالرِّبا:

فمتصورٌ ويجوز عند الضرورة أو الحاجة التي تنزّل منزلة الضرورة، وقد أفتت المؤسسات والهيئات الإفتائية ودُورُها بجواز اقتراض الدّولة بالرّبا للضرورة أو الحاجة المنزّلة منزلة الضرورة.

فأفتى مجلسُ الإفتاء الشرعي حكومةَ السودان عام 1984م بجواز ذلك إذا استنفدت الحكومة الوسائل البديلة المشروعة التي يجب على الدولة أن تسلكها للخروج من حالة الضرورة، فجاءت الفتوى كما يلي:

« [1] إنّ الله سبحانه وتعالى حرم الربا تحريماً قطعياً وجعله من الكبائر وأعلن الحرب على آكليه، كما لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقد أجمع العلماء على أن كل قرض جر منفعة فهو ربا، فالفائدة التي يأخذها المقرض أو يعطيها المقترض ربا محرم بإجماع المسلمين، وقرر مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمر علماء المسلمين بالقاهرة أن فائدة القرض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي.

[2] وبناءً على ذلك؛ لا يحلّ للمسلم أخذ الربا أو إعطاؤه إلا للضرورة، وهي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر بليغ بالنفس أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وغيرها من الضروريات، ويجوز حينئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر، أما الضرورة بالنسبة للدولة فضابطها أن يتحقق ولي الأمر من وجود خطر حقيقي أو ضرر واضح أو حرج شديد أو فوات منفعة عامة بحيث تتعرض المصالح الحيوية للأمة للخطر.

[3] يشترط في الضرورة أن تكون قائمة فعلاً لا منتظرة أو محتملة، وأن تكون الضرورة ملجئة ومتعينة بحيث لا يمكن دفع الضرر بوسيلة أخرى.

[4] ومن الوسائل البديلة التي يجب على الدولة أن تسلكها لدفع الضرر وتجنب إعادة الدولة المحرمة أن تطلب من الدائنين الإمهال فإذا تعذر ذلك فعليها أن تحاول إقناع الدائنين بقبول الجدولة بدون فوائد إضافية، فإذا لم تجد الدولة استجابة فعليها أن تسعى لدى الدول الإسلامية والعربية والصديقة للحصول على قرض بدون فائدة، وأن تعمل على بيع كل ما يمكن أن تستغني عنه من ممتلكات الدولة، فإذا لم يف ذلك فينبغي أن تتجه الدولة إلى استنفار الشعب للمشاركة وذلك بإصدار السندات أو الاقتراض من المواطنين القادرين والمؤسسات الوطنية وغير ذلك من الوسائل الممكنة.

وما لم تتخذ الدولة الوسائل المقترحة فإنها لا تكون قد بلغت مرحلة الضرورة التي تبيح جدولة الفوائد المحظورة، والله تعالى أعلم».

وأفتتْ الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية بالسودان بذلك ونصّها: « لا يجوز للدولة أن تتعامل بالربا داخياً ولا يجوز لها الاقتراض من الخارج بفائدة إلا عند الضرورة أو الحاجة التي تتنزّل منزلة الضرورة بشروطها الشرعية، ويترك لولي الأمر(وزارة المالية وبنك السودان) تقدير الضرورة الشرعية»(46).

وأصدرت لجنة فقهية كوَّنها وزير المالية والاقتصاد الوطني لتحديد عناصر الضرورة المبيحة للاقتراض بالربا وحكم التعامل بالربا مع غير المسلمين، برئاسة العلامة د. أحمد علي عبد الله أمين عام الهيئة العليا للرقابة الشرعية، وعضوية من أ.د. الصديق محمد الأمين الضرير، والبروفيسور حسن أحمد حامد، والدكتور التجاني عبد القادر أحمد مستشار وزير المالية، و البروفيسور أحمد مجذوب أحمد وزير الدولة بالمالية وأ.د. عبد الله الزبير (مقيّده) عضواً ومقرراً، فأصدرت ما يلي:

« أولا: في حكم التعامل بالربا مع غير المسلمين:

إنّ أكل الربا والتعامل به محرّم في الشريعة الإسلامية تحريماً عاماً ومطلقاً، لا يبيحه تغير زمان ولا يخصصه عند الجمهور اختلاف دار ولا يقيده اختلاف دين، لعموم آيات وأحاديث النهي عن أكل الربا، ولهذا لا يجوز للدولة التعامل بالربا مع المسلم أو مع غير المسلم.

يباح للدولة التعامل بالربا مع المسلمين وغير المسلمين عند الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، على أن يراعي في التعامل الترتيب التالي:

أ ـ غير المسلمين من المواطنين أو الأجانب المقيمين في الدولة.

ب ـ الدول غير المسلمة المسالمة أو من مواطنيها غير المسلمين.

ج ـ الدول المسلمة ومواطنوها من المسلمين.

ثانياً: في عناصر الضرورة المبيحة للاقتراض بالفائدة:

بناءً على ما أوضحه وزير الدولة بوزارة المالية من أن إيرادات الدولة لا تفي بضروريات البلاد، وأن قدرات الجهاز المصرفي التمويلية ضعيفة، رأت اللجنة أنه يباح للدولة في هذه الحالة الاقتراض بالفائدة للوفاء بالضروريات التالية:

أ ـ تمويل مشروعات المياه الصالحة للشرب.

ب ـ توفير الأدوية المنقذة للحياة.

ج ـ تمويل مهمات وأسلحة القوات المسلحة ومدخلات التصنيع الحربي.

د ـ بناء السدود ومستلزماتها.

هـ ـ مستلزمات الكهرباء والطاقة.

و ـ وما في حكم ذلك من الضروريات بحسب تقدير ولي الأمر أو من يفوّضه».

إلا أنّ اللجنة اشترطت على الدولة قبل اللجوء للاقتراض بالفائدة استنفاد كل الخيارات بحيث لا يبقى للدولة اختيار سوى الاقتراض بالفائدة، على أنّ الضرورة لا تتحقق ولا تقع ما لم تستوف سائر البدائل والوسائل التي تخرجها عن الضرورة، وهذه الوسائل والبدائل:

« أ ـ أن توظّف المال العام في الضروريات أولاً.

ب ـ أن تُحكم الجباية لتحصيل حقوقها من الأفراد والمؤسسات.

ج ـ أن تعمل على ترشيد إنفاق المال العام.

د ـ أن تستنفد كل البدائل الشرعية التي تفي بضرورياتها من غير اللجوء إلى الاقتراض بالفائدة »(47).

والشيخ شلتوت مفتي مصر الأسبق رحمه الله يذهب إلى وقوع الضرورة للدولة مما يضطرها إلى الاستقراض بالفائدة، ووجه ذلك عنده كما يقول: « إذا كان للأفراد ضرورة أو حاجة تبيح لهم هذه المعاملة [ أي الاستقراض بالربا ] وكان تقديرها مما يرجع إليهم وحدهم، وهم مؤمنون بصيرون بدينهم، فإنّ للأمّة أيضاً ضرورة أو حاجة، كثيراً ما تدعو إلى الاقتراض بالربح، فالمزارعون كما نعلم تشتد حاجتهم في زراعاتهم وإنتاجهم إلى ما يهيئون به الأرض والزراعة، والحكومة كما نعلم تشتدّ حاجتها إلى مصالح الأمة العامة، وإلى ما تعدّ به العدة لمكافحة الأعداء المغيرين، والتجار تشتد حاجتهم إلى ما يستوردون به البضائع التي تحتاجها الأمة وتعمر بها الأسواق، ونرى مثل ذلك في المصانع والمنشآت التي لا غنى لمجموع الأمة عنها، والتي يتسع بها ميدان العمل فتخفف عن كاهل الأمة وطأة العمال العاطلين، ولا ريب أن الإسلام الذي يبني أحكامه على قاعدة اليسر ورفع الضرر، والعمل على العزة والتقدم وعلاج التعطل، يعطي للأمة في شخص هيئتها وأفرادها هذا الحق، ويبيح لها ـ ما دامت مواردها في قلة ـ أن تقترض بالربح، تحقيقاً لتلك المصالح التي بها قيام الأمة وحفظ كيانها » (48).

فالشيخ رحمه الله يرى أنه يجوز للدولة الاقتراض بالفائدة عند الضرورة بل وعند الحاجة أيضاً تحقيقاً لمصالح الأمة العامة من الحاجات الزراعية والعسكرية والتجارية والصناعية.

والحاجة المبيحة لاقتراض الدولة بالربا، هي الحاجة العامة التي تتنزّل منزلة الضرورة، ولعلّ هذا الحدّ من الحاجة هو الذي قصده الحنفية رحمهم الله حين قالوا: « يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح » (49).

وقد تداول ثلّة فاضلة من أخيار أعلام علماء الأمة من داخل وخارج السودان أمثال الشيخ علي القره داغي، وشيخنا محمد الحسن الددو، وحسين حامد حسان، وعجيل النشمي، ومحمد عثمان شبير، وعبد الرحمن الأطرم، وغيرهم، حين عقدت ندوة تمويل مشروعات الدولة بالقروض في ربيع الأول 1433هـ يناير 2012م، فأصدروا بإجماعهم فتوى لحال دولة السودان وقّع عليها (29) عالماً، جاء فيها:

«.. ثانياً: إن الدولة إذا وقعت في ضرورة أو حاجة عامة تنزّل منزلة الضرورة؛ فإنه يجوز لها الاقتراض الخارجي بالفائدة بالشروط الآتية:

1ـ استنفاد كل الوسائل في الحصول على مصادر تمويل مقبولة شرعاً من داخل السودان أو خارجه.

2ـ أن تقدر هذه الضرورة بقدرها زماناً ومكاناً وكماً وكيفاً دون تعدٍّ أو زيادة في كل حالة على حدة.

3ـ أن يكون محل التمويل مشروعات تنمية تلبي حاجات أساسية للدولة، مثل: تمويل مشروعات البنى التحتية الضرورية والخدمات الأساسية وكذا تمويل المهمات الدفاعية.

4ـ أن يترتب على عدم التمويل الإضرار بالدولة أو الشعب إضراراً حقيقياً وليس متوهماً.

5ـ أن لا يترتب على هذه القروض ضررٌ مساوٍ للضرر الأصلي أو أكبر منه.

6ـ أن يناط تقدير الضرورة وتحقق الشروط الخاصة بها بجهة تضمّ أهل العلم الشرعي والخبرة والاختصاص المالي والاقتصادي يفوّضها ولي الأمر»اهـ المراد نقله(50).

أمّا إقراض الدَّولة بالرِّبا:

إنْ كانت الدولة يتصوّر أن تقع في ضرورة تضطرها إلى الاقتراض بالربا والفائدة، فلا يتصوّر أن تكون في ضرورة تضطرها للإقراض بالربا والفائدة، وكما أفتى مجمع البحوث الإسلامية: « الإقراض بالربا محرمٌ لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرم كذلك، ويرتفع إثمه عند الضرورة » (51)..

ولكن يحسن أن نعرض مسألة إقراض الدولة بالربا في مبحث خاص إذ هو المسؤول عنه والمستفتى منه. وهو:

المبحث الرابع: إقراض الدَّولة بالرِّبا

طالما جاز للدولة أن تستقرض بالفائدة إذا كانت في ضرورة تستلزم دفعها ولم تجد سبيلاً مشروعاً لدفعها، فهل يجوز لها إذا كانت في حالة تسمح لها أن تموّل مشروعات وجهات ومؤسسات استثمارية وتجارية وصناعية وزراعية؟؟، وأن تموّل مواطنيها من ذوي الدخل المحدود الضعيف لامتلاك بيوت سكنية أو نحوها؟؟.

فالدولة في هذه الحالة هي المقرض مقدّم القرض ومعطيه، فيفترض فيها أن تكون مليئة غنية بحيث يمكنها تقديم الأموال كقروض للجهات والأفراد.

وطالما كانت مليئة غنية فلا يتصوّر أنه في ضرورة تعجز عن دفعها إلا بتقديم الأموال للجهات والمؤسسات الاستثمارية، بل المتصوّر أنها في درجة من الرخاء والسعة والملاءة، ومعنى ذلك أنها إنما تقدّم قروضها لزيادة مواردها أو تكثير أموالها أو استثمارها وتنميتها بطريق الإقراض الربوي.

وقد تقرّر فيما رأينا أن الربا لا يجوز التعامل به إلا للضرورة، ولا ضرورة للدولة للإقراض بالربا ؛؛ فبأي وجهٍ يجوز للدولة المسلمة الإقراض للجهات والمؤسسات التجارية والصناعية والزراعية أو للأفراد من ذوي الحاجات الأساسية ؟؟!.

لا نرى وجهاً يجوّز للدولة ذلك.

وربما فيما ورد في المسألة من مبررات تبيح للدولة الإقراض بالربا للجهات والأفراد المذكورين في السؤال الوارد إلى اللجنة.

والمسألة: « ما حكم إقراض الدولة لبعض الجهات بالرّبا أقلّ نسبة من معدل التضخم في الدولة تحفيزاً للصناعة أو تطويراً للتجارة أو تربية البهائم وغيرها أو لشراء البيوت لمن كان دخله متواضعاً، وليس القصد منها الحصول على الرّبا».

ففي المسألة ثلاثة جوانب:

1ـ إقراض، طرفه الأول: الدولة، وهي المقرض، معطي القرض.. وطرفه الآخر: جهاتٌ وأفرادٌ،

والجهات: إمّا صناعية، وإمّا تجارية، وإمّا زراعية، وهي المقترض..

والأفراد: هم ذوو الدخل المتواضع (المحدود)..

2ـ الغرض من هذا الإقراض: هو تحفيز الصناعة، أو تطوير التجارة، أو مساعدة ذوي الدخل المتواضع من تملك البيوت. وليس القصد منه الحصول على الربا.

3ـ الفائدة: الفائدة عبارة عن أقلّ نسبة من معدل التضخم في الدولة.

فربما يقال:

1ـ طالما كانت الدولة هي المقرض؛ فهي إذنْ لن تستغل المقترضين، كما يفعل التاجر المرابي، ثم إنه لا ربا بين الراعي والرعية..

2ـ وطالما كانت الجهات المقترضة إنتاجية: ” صناعية، وتجارية وزراعية”، فهو من نوع الإقراض الإنتاجي..

3ـ وطالما كان الغرض من هذا الإقراض هو تحفيز الصناعة وتطوير التجارة والزراعة، أو مساعدة ذوي الدخل المتواضع ، فقصدٌ مخالف لقصد الربا والمرابين، فيخرج من كونه ربا في الحقيقة..

4ـ وطالما كانت الفائدة أقل نسبة من معدل التضخم، فهي فائدة ضئيلة يضعف معها سبب التحريم (الاستغلال، والتركيب، والمضاعفة)..

أولاً: كون القروض إنتاجية:

وربما قيل: طالما كانت الجهات المقترضة إنتاجية: ” صناعية، وتجارية وزراعية”، فالإقراض من نوع القرض الإنتاجي..

وهذا التبرير فُنِّد في مبحث خاص بما لا يبقى معه حاجة إلى الزيادة فيه..

ثانياً: كون غرض الإقراض الحكومي مخالف لقصد المرابين:

وربما قيل: طالما كان القصد من هذا الإقراض بالربا هو تحفيز الصناعة وتطوير التجارة والزراعة، أو مساعدة ذوي الدخل المتواضع ، فهو إذنْ قصدٌ مخالفٌ لقصد الربا والمرابين، فيخرج من كونه ربا في الحقيقة..

فهذا التبرير لا ينطلي إلا على المفتون من المتعاملين بالربا، والمال فتنة، لأنّ تحريم أكل الربا تحريم ذاتي عامٌّ مطلقٌ، لا يبيحه قصد مرابٍ حسن ، فالقصد الحسن لا يبرر الحرام الذاتي. فقصد حسن الضيافة لا يبيح تقديم الخمر، وقصد إرضاء المولى جل وعلا لا يبيح الابتداع المذموم في الدين، وقصد تعظيم جناب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يبيح الكذب عليه والوضع في أحاديثه.

وكذلك القصد الحسن إلى تحفيز الصناعة وتطوير التجارة والزراعة، أو مساعدة ذوي الدخل المتواضع بالإقراض بالرّبا، لا يبيح أكل الرّبا للدولة.

بل هذا القصد الحسن والغرض المحمود لو كان هو منطلق التاجر المرابي؛ لكان الشرع يبيح له أكل الرّبا؟؟.

فهذا ليس مبرراً يباح به المحرم المقطوع بحرمته مثل الرّبا..

وإلا فإنّ العرب كانوا يقامرون ليجمعوا أموال القمار فيقسمونها على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وكان الغالب عليهم أن الفائزين يقومون بتوزيع جوائزهم على الفقراء !!..

فهل هذا الغرض الحميد من إعانة الفقراء بالقمار والقصد الحسن إلى إعانة المحتاجين من جوائز الميسر يجعل الشرع يبيح القمار والميسر ؟؟!!..

وعلى هذا؛ فإن الغرض من إقراض الدولة بالربا للجهات الصناعية والتجارية والزراعية تحفيزاً للصناعة وتطويراً للتجارة والزراعة ومساعدة لذوي الدخل المتواضع لا يجعل هذا القرض الربويّ حلالاً جائزاً.

ثالثاً: كون الفائدة أقل نسبة من معدل التضخّم:

وربما قيل: طالما كانت الفائدة أقل نسبة من معدل التضخم، فهي فائدة ضئيلة يضعف معها سبب التحريم ويبعد عن الإقراض معاني الاستغلال، والتركيب، والمضاعفة..

فهذا التبرير أيضاً لن يسعف المبيحين لربا القرض الحكومي لأسباب:

السبب الأول: لأنّه ربا، وكل ربا محرّم في الشرع ممنوع، بإعلان النبي ﷺفي حجة الوداع: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ رِبًا يُوضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكِمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)(52).. وفي رواية: ( أَلاَ إِنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ )(53). وإقراض الدولة بالرّبا ربا داخل في عموم الرّبا الموضوع في الحديث.

والسبب الثاني: لأنّ سبب تحريم الرّبا ليس هو مقدار الزيادة والفائدة التي يطلبها المقرض أو يدفعها المقترض، بل مجرد الزيادة على أصل القرض وعلى رأس المال من غير مقابل سوى الإقراض هو الذي يجعل المعاملة رباً محرماً.

وقد يُظنُّ أن الرّبا المحرّم التحريم هو الرّبا المركّب والفائدة الكبيرة أو الكثيرة، المعبّر عنه بالأضعاف المضاعفة، لقوله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًۭا مُّضَـٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]. فظنوا أنّ الممنوع من الربا مقيّد بالأضعاف المضاعفة، وبالتالي فمفهوم الآية أنّ الربا البسيط ـ كما في مسألتنا ـ جائزٌ مأذونٌ فيه.

والأمر ليس كما ظنوا، من وجوه:

الوجه الأول: أن الأضعاف المضاعفة حكاية واقع ووصف للحال الذي نزل فيه التحريم، ولبيان الأعم الأغلب، فلا مفهوم له، ومن المعروف عند الأصوليين أنه لا مفهوم مع حكاية الواقع أو بيان الأعم الأغلب، وبالتالي لا مفهوم لوصف الربا هنا بالأضعاف المضاعفة.

قال البغوي رحمه الله في تفسيرها: « أراد به ما كانوا يفعلونه عند حلول أجل الدين من زيادة المال على الدين وتأخير الطلب »(54).

وقال البيضاوي رحمه الله : « لعلّ التخصيص بحسب الواقع. إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون»(55).

وقال أبو السعود رحمه الله: « ﴿أَضْعَـٰفًۭا مُّضَـٰعَفَةًۭ ۖ﴾ ليس لتقييد النهي به بل لمراعاةِ ما كانوا عليه من العادة توبيخاً لهم بذلك إذ كان الرجلُ يُرْبي إلى أجلٍ فإذا حل قال للمَدين زدْني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعلُ وهكذا عند محلِّ كلِّ أجلٍ فيستغرق بالشيء الطفيفِ مالَه بالكلية » (56).

ومثل هذا المفهوم الملغي في القرآن كثير، ومن ذلك:

قوله تعالى ﴿وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]. وقيد الحجور لا مفهوم له، لأنه حكاية واقع خرج مخرج الغالب الأعم، إذ البنت في الغالب تكون مع أمها في حجر زوجها، فسواءٌ أكانت في حجره أو في حجر أبيها أو عمها أو خالها لا يجوز له زواجها ما دام دخل بأمها.

وقوله تعالى ﴿وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا﴾ [النور: 33]. حكاية واقع، فأنها إنْ أرادت تحصناً أو أبته لا يجوز حملها على البغاء، بل لا يجوز لها البغاء وإنْ لم ترد التحصن، فلا مفهوم للقيد ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا﴾ .

وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍۢ﴾ [الإسراء: 31]. فخشية الإملاق لا مفهوم لها، لأنها حكاية واقع وبيان للأغلب الأعم، فلا يجوز قتل الأولاد لا لخشية الإملاق ولا لغيرها..

إذنْ: ﴿أَضْعَـٰفًۭا مُّضَـٰعَفَةًۭ ۖ﴾ ؛ حكاية واقع لا مفهوم له تبشيعاً وتنفيراً لمن يأكل الربا قلّ ما أكله أو كثر.

الوجه الثاني: أنه ورد على سبيل التدرج في تحريم الربا، والربا حُرِّم في خمس مراحل:

أولها: الترغيب في تركه والامتناع عنه، في قوله تعالى ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًۭا لِّيَرْبُوَا۟ فِىٓ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرْبُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّن زَكَوٰةٍۢ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39].

وثانيها: التنفير من أكل الرّبا أضعافاً مضاعفة في قوله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَـٰفًۭا مُّضَـٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]..

وثالثها: الترهيب من أكل الرّبا بقوله تعالى ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]..

ورابعها: التهديد بالمحق والوعيد بسوء العاقبة العاجلة في قوله تعالى ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]..

وخامسها: التحريم الكليّ للربا قلّ أو كثر بقوله تعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [البقرة: 278، 279]..

والوجه الثالث: أنّ النظام المالي القائم على التعاملات الربوية، هو في الحقيقة دورة عمليات متكررة ومركبة من الزمن والأجل والتكرار فيتركب الربا أضعافاً مضاعفة، والبنوك الربوية العالمية يولِّدون من المليون دولار مثلاً: 20، و30، و40.. 100 مليون دولار، وذلك بطريق الإقراض المتكرر، والتمويل الوهمي، والقيود الدفترية ، والائتمان وخلق النقود وتوليدها .. وهذا معروف اليوم لدى كل خبير اقتصادي أو مصرفي.

وهذا من إعجاز القرآن العظيم، رزقنا الله فهمه وخُلُقه.

والسبب الثالث: ما روي عن أئمة الصحابة رضوان الله عليهم، في أنّ كل ما زاد عن أصل القرض أو الدين، فهو ربا محرم..

فقال ابن عمر رضي الله عنهما: « من أسلف سلفاً؛ فلا يشترط إلا قضاءه»(57).

وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: « من أسلف سلفا، فلا يشترط أفضل منه. وإن كانت قبضة من علف، فهو ربا » (58).

وهو الذي نقل عليه القرطبي رحمه الله الإجماع فقال: « وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺأن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف- كما قال ابن مسعود رضي الله عنه أو حبة واحدة » (59).

فثبت بكل هذا أنّ الربا مهما قلّ أو كثر هو ربا، وهو حرام محظور، فلا سبيل لإباحته لكونه أقلّ نسبة من معدل التضخم.

رابعاً: كون الدولة هي المقرض:

ربما قيل: طالما كانت الدولة هي المقرض؛ فهي إذنْ لن تستغل المقترضين، كما يفعل التاجر المرابي، ثم إنه لا ربا بين الراعي والرعية..

انبنى هذا التبرير على أمرين:

الأمر الأول: أن الدولة لن تستغل المقترضين..

والأمر الثاني: أنه لا ربا بين الراعي والرعية..

أما التبرير الأول: أن الدولة هي المقرض ولن تستغل المقترضين كما يفعل التاجر المرابي؛ فهذا لا أثر له في تغيير حكم الربا من التحريم إلى الحِلّ والجواز، لأنّ الشرع لم يفرق بين كمرابٍ وآخر، طالما كان الإقراض ربوياً، فهو محرمٌ، ولو كان المرابي معروفاً بالإحسان، مشهوداً له بالرحمة والشفقة على الناس، فهذا لا يغيّر في حكم الربا ولا يجعل أكله حلالاً طيباً.

فالله عزّ وجل قال ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ﴾ [البقرة: 275].. وهذا عام في كلّ آكل للربا دون تخصيص دولة عن تاجر أو فرد. وكما قال الطبري رحمه الله في الآية: « فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الرِّبا في تجارته ولم يأكله، أيستحقّ هذا الوعيدَ من الله؟.

قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكلُ، إلا أنّ الذين نزلت فيهم هذه الآيات يوم نزلت، كانت طُعمتهم ومأكلُهم من الربا، فذكرهم بصفتهم، معظّمًا بذلك عليهم أمرَ الرّبا، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [سورة البقرة: 278-279] الآية، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك، وأنّ التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الرّبا، وأنّ سواءً العملُ به وأكلُه وأخذُه وإعطاؤُه » (60).

والنّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمّم آكلي الربا في اللعن كما أخبر جابر وابن مسعود وأبو جحيفة وعليّ وغيرهم رضي الله عنهم، قال جابر: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺآكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»(61). فلم يخرج من اللعن آكلُ ربا..

وبذلك لم يستثنِ الشرع الدولة عن آكلي الربا الحرام، فكان حراماً عليها أن تقرض بالربا..

كما أنّ استغلال المرابي حاجة المقترض هو حكمة من حِكَم تحريم الربا، وليس هو علة تحريم الربا، إذ لو ظنَّ المرابي أو نوى إعانة المحتاج طالب القرض ومساعدته لا استغلاله بإقراضه بالربا؛ فإنّ ظنه ونيته لا يجعلان الربا حلالاً ولا إقراضه الربوي مستحباً مندوباً ولا عمله هذا إحساناً. فطالما كان الإقراض بالربا كان حراماً.

ومع ذلك؛ فإنّ مجرد فرض زيادة وفائدة على أصل القرض من غير مقابل سوى الإقراض؛ هو استغلال للمقترض، وقد اعتبره الشرع ظلماً يجب إزالته كما في قوله تعالى ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ . .

والتبرير الثاني: أنه لا ربا بين الراعي والرعية:

وهذا مما اختلقه بعض المعاصرين: أنه لا ربا بين الراعي والرعية، بين الحاكم والمحكوم، بين الحكومة والأفراد، بين الدولة وأبنائها(62).

وهذا قولٌ بالفعل مختلقٌ، لم يؤْثر عن فقيه معتبر، ولم يسعفه قول مذهب، أو يسنده نصٌّ قرآن أو حديث، أو أثر.

وهذا التبرير يلزم منه:

[1] أن للدولة المسلمة أن تعامل مواطنيها ومؤسساتهم وشركاتهم ومصانعهم بالربا، إذ يجوز لها أن ترابي رعاياها ومواطنيها وأفراد دولتها ومؤسساتهم بلا حرج ولا إثم.

[2] أنّ المسلم في دولته جاز له أن يتعامل مع البنوك الحكومية بالربا، بينما يحرم عليه أن يتعامل مع البنوك الخاصة رباً..

وكلاهما بطلانه بيّنٌ قطعاً..

ولعلّ بعض من اختلق هذا التبرير؛ استخرجه مِنْ عبارة مَنْ قال: ( لا ربا بين الوالد والولد)، وهو قياس باطل لا يجمع بين الأصل والفرع معنى، فالدولة ليست أباً لأحد، ولا الرعية أبناء لدولة، ولا نسب بينهما ولا دم يجمعهما، وقول القائل: أبناء الدولة وأبناء الوطن، فهو تعبير سياسي، لا حقيقة له في الواقع.

وقول من قال: ( لا ربا بين الوالد والولد) ؛ وإنْ كنا لم نجده عند مذهب من المذاهب الفقهية، بل نصّ الحنفية والحنابلة على جريان الربا بينهما..

أما الحنفية؛ فقد قال صاحب المحيط البرهاني: « يجري الربا بين الرجل وبين أبيه وابنه وسائر قرابته؛ لأن الشراء يتحقق فيما بين هؤلاء »(63).

قال السرخسي رحمه الله: « ولا يجوز أن يشتري من مكاتبه إلا مثل ما يجوز له مع مكاتب غيره؛ لأن المكاتب أحق بمكاسبه، وقد صار بعقد الكتابة كالحر يدا، وتصرفا في كسبه، فيجري الربا بينه، وبين مولاه كما يجري بينه، وبين غيره الوالدان، والولد، والزوجان، والقرابة»(64).

وأما الحنابلة؛ فقد قال أبو علي الهاشمي: « ولم يختلف قوله أن الربا ثابت بين الوالد وولده, وأنه لا يجوز أن يبيع من ابنه درهماً بدرهمين نقداً ولا نسيئة, ولا يبتاع منه درهماً بدرهمين»(65).

وجاء في الشرح الممتع: « وهل يجري ـ الربا ـ بين الأب وابنه؟، الجواب: نعم يجري بين الأب وابنه؛ لأن مال الابن مستقل، ومال الأب مستقل، وكون الأب يملك أن يتملك من مال ولده ما شاء لا يعني أن مال ولده ملك له، وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنت ومالك لأبيك»(66)، فمراده أن لأبيك أن يتملك من مالك، وليس معناه أنك ملك لأبيك، أو أن مالك ملك له، فإن هذا يمنعه الإجماع، فالابن ليس ملكاً لأبيه، وإذا كان الابن ليس ملكاً لأبيه فماله ليس ملكاً له » (67).

وقال السلمان: « ويجري الربا بين الولد وأبيه؛ لتمام ملك الولد على ماله واستقلاله بالتصرف فيه، ووجوب زكاته عليه، وحلّ الوطء، وتوريث ورثته»(68).

وقائع المنع للإقراض الحكومي الرّبويّ:

ومما يؤكّد امتناع إقراض الدولة للجهات والمؤسسات والأفراد بالربا في الشرع؛ أنّ الدولة المسلمة منعت من ذلك وأنكر علماؤها على مَن أقرّ من أمرائها وولاة أمرها أي تعامل ربويٍّ.

ومن ذلك:

[1] ما وقع من معاوية رضي الله عنه قبل أن يسمع حديث النبي ﷺفي الصرف، أخبر به أبو قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني رحمهما الله، قال أبو قلابة: كُنْتُ فِي حَلْقَةٍ بِالشَّامِ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: فَجَاءَ أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ فَقَالَ الْقَوْمُ: أَبُو الْأَشْعَثِ أَبُو الْأَشْعَثِ، فَأَوْسِعُوا لَهُ، فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْأَشْعَثِ حَدِّثْ أَخَاكَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَقَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَغَنِمَ النَّاسُ غَنَائِمَ فِيهَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلَا أَنْ يَبِيعَهَا النَّاسَ فِي أُعْطِيَاتِهِمْ فَتَبَايِعُوا بِهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَادَةَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، فَرَدَّ النَّاسُ مَا كَانُوا أَخَذُوا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَامَ خَطِيباً فَقَالَ: « أَلَا مَا بَالُ رِجَالٍ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِأَحَادِيثَ قَدْ شَهِدْنَاهُ، وَرَأَيْنَاهُ لَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ؟ » فَقَامَ عُبَادَةُ، فَأَعَادَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: « وَاللَّهِ لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنْ كرهت يا معاوية لندعنك ولنلحقن بأمير المؤمنين » فقال معاوية: « أيها الرجل أنت وما سمعت ».

وفي رواية: أن عبادة رضي الله عنه قال: « لا أساكنك بأرض أنت بها » ورحل إلى المدينة فقال له عمر رضي الله عنه: «ما أقدمك؟» فأخبره، فقال عمر: « ارجع إلى مكانك، قبح الله أرضاً لست فيها، ولا أمثالك »، وكتب إلى معاوية: « لا إمارة لك عليه»(69).

فأنكر عبادة صنيع معاوية رضي الله عنهم وكان أمير الشام، و عبادة بدريّ عقبيّ أحد نقباء الأنصار وكان بايع رسول الله ﷺعلى أن لا يخاف في الله لومة لائم، كما قول قتادة رحمه الله (70). ووافق أمير المؤمنين عمر عبادة رضي الله عنهما في إنكاره، فمنعوا هذا التصرف الحكومي القاضي بأكل الربا.

وهذا التصرف أخفّ في درجات الربا من الإقراض الربويّ المباشر. فثبت المطلوب.

وهذا الحديث كما قال ابن عبد البر رحمه الله: « هو الأصل الذي عوَّل عليه العلماء في باب الربا ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز» (71).

[2] وكذلك أنكر أبو الدرداء رضي الله عنه على معاوية رضوان الله عليه: لأن معاوية رضي الله عنه باع سِقَايةً من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها. فقال أبو الدرداء: « سمعت رسول الله ﷺ، ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل». فقال له معاوية: « ما أرى بمثل هذا بأساً». فقال أبو الدرداء: « من يعذرني من معاوية؟. أنا أخبره عن رسول الله ﷺ، ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها». ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فذكر ذلك له. فكتب عمر بن الخطاب، إلى معاوية: « أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل وزنا بوزن »(72).

وهذا تصرّف أميرٍ من أمراء الدولة، وإن كان أخفّ من الإقراض الرّبويّ، إذ هو ربا فضل وذاك ربا نساء، وها قد جاء القرار الرئاسي من أمير المؤمنين إمام الدولة لوالٍ من ولاة الأقاليم بالمنع من هذا التصرف الربويّ.

[3] ومن ذلك؛ أنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب إلى عماله: « أن لا يشتروا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ولا الحنطة بالحنطة إلا مثلاً بمثل، ولا الشعير بالشعير إلا مثلاً بمثل، ولا التمر بالتمر إلا مثلاً بمثل».

قال أبو عمر بن عبد البر: « على هذا مذهب الصحابة والتابعين وجماعة فقهاء المسلمين فلا وجه للإكثار فيه » (73).

وهذا سلوك دولة ونظام وقانون ومرسوم رئاسي يُلزِم الأمراء والولاة والمسؤولين في الدولة بالامتناع عن كل تصرّفٍ يفضي إلى الربا، إقراضاً كان أو صرفاً.

[4] ومن ذلك: ما أخرجه مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أنه قال: « خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في جيش إلى العراق، فلما قَفَلا مَرَّا على أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهّل، ثم قال: « لو أقدر لكما على أمر أنفعكما فيه ». ثم قال: « بلى، هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون لكما الربح». فقالا: وددنا. ففعل. فكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال. فلمّا قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: « أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ ». قالا: لا. فقال عمر رضي الله عنه: « ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما. أديا المال وربحه ». فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله، فقال: « ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين! هذا لو نقص المال أو هلك لضمناه». فقال عمر: أدياه. فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: « يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضاً ». فقال عمر: « قد جعلته قراضاً ». فأخذ عمر رضي الله عنه رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال »(74).

وكما ترى فهذا القرض حكومي، ولم يكن عن حاجة، وإنما كان قرضاً تجارياً استثمارياً لا استهلاكياً، حيث أسلفهما بقصد التجارة، والغرض منه أن يربحا. فلو كان الإقراض الحكومي بالربا جائزاً، لجعله أبو موسى قرضاً ربوياً وأخذ عليه الفائدة، ولوافقه عمر فأخذه منهما ربا، ولأقرّه علماء الصحابة من جلسائه على ذلك، ولكن لما كان لا يصحّ أن تقرض الدولة بالربا، جعله أبو موسى قرضاً حسناً، وجعله أصحاب عمر تمويلاً إسلامياً فقلبوه من القرض إلى القراض.

[5] وهذه هند بنت عتبة رضي الله عنها قامت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف تتجر فيها وتضمنها، فأقرضها، فخرجت فيها إلى بلاد كلب، فاشترت وباعت.. فلما أتت المدينة وباعت؛ شكت الوضيعة، فقال لها عمر: « لو كان مالي لتركته لك، ولكنه مال المسلمين » (75).

فترى أن أمير المؤمنين أقرضها من بيت المال، فكان إقراضاً من الدولة، ولكن لا بالربا، بل كان قرضاً حسناً، لها رأس المال من غير فائدة بأي نسبة، فلو كان الإقراض الحكومي يجوز بالربا للجهات التجارية والصناعية والزراعية؛ لفعل عمر ذلك، وهو الحريص على مال الدولة.

[6] بل رَأَى أئمة الدين أنّ الحكومة واجب عليها منع الربا بكل أنواعه، ولو لجأ وليّ أمرها ورئيسها إلى قتل الأنفس وإزهاق الأرواح وإعمال السلاح في المرابين..

قال ابن عباس ر رضي الله عنهما: « من كان مقيما على الربا لا ينزع منه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه »(76).

وقال الحسن البصري وابن سيرين: « إنهم قد آذنوا بحرب من الله ورسوله ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح »(77).

وقال قتادة: « أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجا أينما ثقفوا »(78).

وقال ابن خويز منداد: « ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالا جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال: ﴿فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ [البقرة: ٢٧٩] »(79).

فهؤلاء الأئمة الكبار من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان يوجبون على الدولة وإمامها مقاتلة أهل الربا، وإعلان الحرب جهاداً على أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالا؛ فكيف يجب على الدولة منع الربا والترابي والمقاتلة من أجل ذلك؛ ثم يجوز لها أن تُرابي ؟؟!. فهذا في العادات عيب وعَوارٌ، وعند الأكابر عارٌ، وفي علية القوم شنارٌ..

المبحث الخامس: التجارب القائمة للإقراض الحكومي

هناك تجارب قائمة للإقراض الحكومي للمؤسسات والجهات الإنتاجية والاستثمارية المختلفة داخل الدولة وعلى نطاق الدول العالمية والإقليمية.

من هذه التجارب:

أولاً: مؤسسات دولية تقرض الدول خاصة النامية لمقابلة مشروعات التنمية والحاجات الأخرى، كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي..

فهذه المؤسسات تُقرض الدول النامية بفوائد أثقلت كاهلها بالربا، فتزيدها فقراً إلى فقرها، ولا رأى الناس لهذه القروض الربوية أثراً نافعاً، لا تنمية حقيقية، ولا إنعاش للاقتصاد الوطني، ولا رفاهية لشعوبها، بل أرهقتها من أمرها عسراً، فتزداد ضنكاً ومشقة وعوزاً ، كلما أقرضتها هذه المؤسسات؛ كلما ازدادت طلباً للقروض، فيعيش اقتصادها أسيراً للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي، فلا تخرج أبداً من كونها دولة نامية، لتراكم الديون الخارجية بفوائدها المركبة المتزايدة أضعافاً مضاعفة.

بل تستغل هذه المؤسسات أوضاع هذه الدول المقترضة المدينة فتتدخل الدول المستكبرة المسيطرة عليها في شؤون تلك الدول النامية فتوجِّه أمرها وتدير شأنها وتضيّق عليها في هُويتها وتتسلط على اقتصادها وتسطو على خيراتها بحجة الديون وجدولتها ومعالجتها وغير ذلك من حيل التدخل والتسلل إلى سدة أمرها والإمساك بقياد قياداتها وصناعة العملاء لإدخال الخبال في إدارة الأمة ورجاء العنت في شعوب الأمة، محققين قول الله تعالى فيهم ﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118].. وقوله عز وجل ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا﴾ [آل عمران: 120].

ولكن هذه المؤسسات الإقراضية وإنْ كان إقراضها داخل في معنى إقراض الدولة؛ إلا أنه لا يعنيها حكم هذا الإقراض، لأنها غير إسلامية المنشأ والفكرة والغرض.

ثانياً: مؤسسات إقليمية تقوم بالإقراض الرسمي بالربا لدول الإقليم، إما الإقليم الجعرافي كالبنك الإفريقي للتنمية، وبنك الآسيوي للتنمية، وإما الإقليم العربي والإسلامي، مثل الصناديق العربية، والبنك الإسلامي للتنمية. وهي جميعها تقوم بإقراض الدول المشاركة لمشروعاتها التنموية، وكلها تابعة لحكومات الدول العربية أو الإسلامية..

فأما البنك الإسلامي للتنمية؛ فهو بنك إسلامي يخضع في نظامه وتمويلاته وقروضه على موافقة أحكام الشرع ومبادئه، وهو يأخذ رسوم خدمة القرض تمثل التكلفة الإدارية الفعلية لعلميات الإقراض، ولا يفرض فائدة على قروضها للدول المساهمة في البنك.

وأما الصناديق العربية، ومنها ما هو إقليمي ومنها ما يكون خاصاً بدولة عربية، فلا نعلم صندوقاً واحداً منها يقوم على الصيغ الإسلامية، أو تراعي الأحكام الشرعية، ولعلها جميعاً قائمة على نظام الإقراض الربويّ المحرم للدول المساهمة فيها، ولا تقبل تعديلاً أو تصحيحاً..

فهل يصلح أن يرفع عنها الحرج بتخريج جواز الربا لها بقول الحنفية: «لا ربا بين المتفاوضين، ولا ربا بين الشريكين شركة عنان؟»(80).

والجواب: لا يصلح:

أ ـ لأنّ هذه الصندوق ما أنشئت للاتجار في المال المجمّع فيها والاسترباح بها، بل لمساعدة الدول المساهمة والمشتركة فيها، وشركة المفاوضة والعنان شركات تجارية بقصد الربح.

ب ـ ولأنّها طالما لم ترد الاسترباح؛ فهي في حقيقتها صناديق خيرية تعاونية، وما كان كذلك؛ يجب أن يكون ما تقوم به موافقاً للشرع ولما قـــــــــال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2].

غير أنّ الإقراض بالربا تعاونٌ لا على البر والتقوى، بل على الإثم والعدوان.

فلا يجوز أن تقرض هذه الصناديق العربية الدول والحكومات المشتركة معها ولا غيرها إقراضاً ربوياً.

ثالثاً: وصورة ثالثة، وهي أن المؤسسات التمويلية الحكومية في الدولة الواحدة، كالبنوك والصناديق وغيرها، في كثير من دول المسلمين، وهي على قسمين:

قسمٌ منها تقوم بالإقراض الرّبويّ للجهات والمؤسسات، فهذه المؤسسات يجب أن تتحول من الإقراض الربويّ إلى التمويل السالم من الربا..

والقسم الثاني: تقوم بالإقراض، ولكن لا بالربا، إلا بسبب الجهل أو الغفلة؛ فإذا نُبّهت انتبهت، وإذا نُصحت انتصحت، وإذا أُفتِيَ لها صححت.

ومن ذلك، المصارف الحكومية في الدولة والبنوك المركزية فيها، فإنها عندنا ملتزمة بالشرع تستفتي وتصحح، وفي يوم الأربعاء الماضي وقّعنا فتوى للبنك المركزي الذي يسأل كيف يُقرض وزارة المالية وحكومة السودان، وهل له أن يأخذ عمولة على القرض؟.

فأجابت الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية بالآتي: «يكون استلاف الحكومة من البنك المركزي بطريقتين:

أ / الاستلاف المباشر: في حالة استلاف الحكومة من بنك السودان المركزي مباشرة (الاقتراض ) يجوز لبنك السودان أن يتقاضى التكلفة الإدارية الفعلية للقرض، بشرط أن تكون مبلغاً مقطوعاً، ولا تكون نسبة مئوية ( 1% أو غيرها من إجمالي المبلغ المقتَرَض ).

ب / الاستلاف غير المباشر: ويكون بطريق التمويل الاستثماري فيجوز لبنك السودان المركزي أن يدخل مع الحكومة في تمويل استثماري بأيٍّ من صيغ التمويل الإسلامي، ولا مانع أن يحقق بنك السودان المركزي بذلك عائداً مادياً حسب ما يتفقان عليه » اهـ المراد نقله (81).

المبحث السادس: البدائل والخيارات الفقهية للإقراض الحكومي بالربا

وقد ثبت أنّ إقراض الدولة بالربا للجهات والمؤسسات الاستثمارية التجارية والصناعية والزراعية، والأفراد من ذوي الدخل المتواضع لتمليك بيوت وغيرها، لا يجوز، وحكمه التحريم ككلّ ربا؛ فلو ظهرت للناس حاجة إلى هذا السبيل لإقراض الجهات والأفراد من الدولة أو تمويلهم؛ يمكن البحث عن خيارات فقهية بديلة لهذا الإقراض الحكومي مما يباح في الشرع.

وفيما يلي عدد من الخيارات الفقهية والبدائل المشروعة:

[1] البديل الأول: الإقراض الحسن:

فلو قدرت الدولة جدوى الإقراض المباشر للمؤسسات التجارية والجهات الاستثمارية في البلاد، فهذا متاح للدولة طالما كانت قادرة على تقديم الأموال إقراضاً، ولما كانت قادرة فهي مليئة، وإذا كانت الدولة مليئة فقد يجب عليها تشجيع جهات الاستثمار والإنتاج لتثمير أموالها وتنميتها، وهذا الواجب يُـمْتَثَل بالمشروع الجائز، لا بالممنوع المحرّم، والقرض الجائز هو القرض الذي لا يرتّب فائدة ولا زيادة على أصله في سداده يثقل به كاهل المقترض، وهو القرض الحسن..

فكما أقرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب هند بنت عتبة رضي الله عنهما، فلتفعل الدولة مع المحتاجين للقروض الحكومية من الجهات والأفراد..

وكما أقرض ملك الحبشة النجاشي ذاك العربي، الذي أورد خبره الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفتح: أن رجلاً جاء إلى النجاشي فقال له: أسلفني ألف دينار إلى أجل. فقال: من الحميل بك ؟. قال: الله، فأعطاه الألف فضرب بها الرجل أي سافر بها في تجارة. وفي رواية: فركب الرجل البحر بالمال يتجر فيه (82).

فإن كان هذا النجاشي ملك الحبشة، وقبل أن يسلم؛ فأقل تقدير أن يكون رئيس دولة المسلمين خيراً منه في ذلك.

ويمكن للدولة تقوية الضمانات على المقترضين لضمان ردّ القرض، على ما صنع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في استقراض هندٍ رضي الله عنها، وقد حبس أبا سفيان حتى ردّت هندٌ المال لبيت المال، وقد قال عمر في ذلك: «لَوْ كَانَ مَالِي لَتَرَكْتُهُ لَكِ، وَلَكِنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ مَشُورَةٌ لَمْ يَغِبْ عَنْهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَحَبَسَهُ حتى أوفته»(83).

وكما أقرض النجاشي على الثقة؛ أقرض عمر هنداً أيضاً على الثقة، ولكن النجاشي طلب الكفيل والضامن مسبقاً، وأخذ عمر رضي الله عنه الضامن عند العجز عن رد القرض.

وفي هذه الحالة، حين تقرر إمكان الإقراض بغير ربا؛ يجوز لها أن تأخذ رسماً مقابل خدمة الإقراض، يمثّل المصروفات والنفقات الفعلية التي تتكلفها الجهة الإدارية المقدّمة للقرض.

وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 13 ( 1/3) ونصّه:

«أولاً: يجوز أخذ أجور عن خدمات القروض على أن يكون ذلك في حدود النفقات الفعلية..

ثانياً: كل زيادة على الخدمات الفعلية محرمة، لأنها من الربا المحرم شرعاً »(84).

وبه جاء المعيار الشرعي لأيوفي: القرض، ونصه: « يجوز للمؤسسة المقرضة أن تأخذ على خدمات القروض ما يعادل مصروفاتها الفعلية المباشرة، ولا يجوز لها أخذ زيادة عليها، وكل زيادة على المصروفات الفعلية محرمة، ويجب أن تتوقى الدقة في تحديد المصروفات الفعلية بحيث لا يؤدي إلى زيادة تؤول إلى فائدة » (85).

وبه صدرت فتوى الهيئة العليا رقم (1/2023) وصها: « في حالة استلاف الحكومة من بنك السودان المركزي مباشرة (الاقتراض ) يجوز لبنك السودان أن يتقاضى التكلفة الإدارية الفعلية للقرض، بشرط أن تكون مبلغاً مقطوعاً، ولا تكون نسبة مئوية ( 1% أو غيرها من إجمالي المبلغ المقتَرَض ) ».

[2] البديل الثاني: المشاركة المتناقصة في المشروعات التنموية الكبرى:

وهذا خيار مشروع، يعيد للدولة أكثر مما يعيده له ربا القرض الحكومي.

فتدخل إدارة الاستثمار أو وزارة الاستثمار مع المؤسسات والمجموعات الاستثمارية الكبرى الخاصة بأسهم في مشروعات تنموية، بصيغة المشاركة المتناقصة، على أن تنتهي المشاركة بتملك الجهة أو المؤسسة أو الشركة للمشروع محل المشاركة، وفق الأحكام والضوابط والشروط الشرعية للمشاركة المتناقصة (86).

[3] البديل الثالث: الإجارة المنتهية بتمليك البيوت:

وهو خيار فقهيٌّ أقرّه مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والمعايير الشرعية لأيوفي المعيار رقم (9)، والهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية.

وهي الخيار الأنسب في تمليك البيوت، مع ضمان عدم تصرّف ذوي الحاجة ببيعها والتصرف فيها..

فتتملك الدولة ممثلة في وزارة الإسكان أو الاستثمار أو البنوك الحكومية مساكن، أو تنشيء البيوت، ثم تؤجرها لذوي الدخل المتواضع بأجرة ميسرة في حدود قدرتهم المالية، على أن تملّك لهم بعد مدة متفق عليها بعقد جديد، على صيغة الإجارة المنتهية بالتمليك وأحكامها الشرعية المقررة.

وهذه بعض الخيارات الفقهية والبدائل الشرعية، وكلها خيرٌ للدولة وأفضل لها من الإقراض الرّبوي، ويدر عليها أرباحاً لا فوائد، وتلك الأرباح أطيب وأبرك من الربا الموعود بالمحق وقد قطع الكبير المتعال بذلك فقال: ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰا۟ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ [البقرة: 276]. صدق الله العظيم.

.. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين ..

الخرطوم

ليلة الجمعة 27جمادى الآخر1444هـ

الهوامش

  1. التوقيف بمهمات التعريف، محمد عبد الرحيم المناوي، تحقيق محمد رضوان الداية، ج1 ص580.
  2. حاشية ابن عابدين، ج4 ص 171.
  3. الشرح الصغير على أقرب المسالك، ج3 ص 291. وعرفه أبو الحسن في كفاية الطالب الرباني(ج3 ص 16) بأنه: “دفع المال على وجه القربة لله تعالى لينتفع به آخذه ثم يرد له مثله أو عينه”.
  4. نهاية المحتاج ج4 ص 219.
  5. كشاف القناع للبهوتي، ج2 ص 298، والمجموع شرح المهذب، للنووي، ج13 ص 215.
  6. المحلى بالآثار لابن حزم ، ج6 ص 247 المسألة رقم 1191
  7. راجع: عقد القرض في الشريعة الإسلامية، د. نزيه حماد، ص 9.
  8. راجع: المطلع على ألفاظ المقنع، لأبي الفضل البعلي، ص 295، وشمس العلوم للحميري، ج8 ص 5461.
  9. ينظر: نهاية المحتاج للرملي، ج4 ص 223.
  10. الموافقات للشاطبي ، ج5 ص 194 – 195 بتصرف يسير.
  11. الموافقات الموضع السابق ، ج5 ص 195.
  12. الفروق للقرافي، ج4 ص 1104،.
  13. أسنى المطالب في شرح روض الطالب، للأنصاري، ج2 ص 141، وينظر: الغاية في اختصار النهاية، العز بن عبد السلام، ج3 ص 332.
  14. راجع: نهاية المحتاج، ج4 ص 223، وتحفة المحتاج، ج5 ص 39، وانظر: عقد القرض في الشريعة الإسلامية، د. نزيه حماد، ص 15.
  15. المبدع في شرح المقنع، برهان الدين بن مفلح، ج4 ص 194، مطالب أولي النهى، ج3 ص 237، كشاف القناع، جج3 ص 312، حاشية الروض المربع، للنجدي، ج5 ص 36.
  16. الشرح الممتع على زاد المستقنع، للعثيمين، ج9 ص 94 – 95 .
  17. من حديث البراء رضي الله عنه: « مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةَ وَرِقٍ أَوْ مَنِيحَةَ لَبَنٍ أَوْ أَهْدَى زِقَاقًا كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ»، وقد أخرجه أحمد في المسند برقم 18665، والترمذي برقم 1957، والبيهقي في شعب الإيمان برقم 3113، والطبراني في الأوسط برقم 2590، وابن أبي شيبة في المصنف برقم 22232، وعبد الرزاقف في المصنف برقم 2431، وصححه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح، وصحح الأرناؤوط إسناد أحمد (30/610).
  18. اعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، ج3 ص 81 – 82.
  19. سبق تخريجه قبل قليل.
  20. أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، برقم 3286، 3288، والطبراني في المعجم الأوسط برقم 6719.
  21. أخرجه مالك في الموطأ ص 658، و البيهقي في السنن الكبرى برقم 10995، و ابن حبان في صحيحه برقم 4321، والترمذي برقم 1234، و أحمد برقم 6671بألفاظ مختلفة.
  22. انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني، ج5 ص 452، وينظر إعلاء السنن للتهانوي، ج13 ص 500.
  23. أخرجه الحارث في مسنده برقم 437،
  24. أخرجه البيهقي في السنن الصغرى، ج2 ص 273برقم 1971.
  25. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 20676.
  26. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 20671.
  27. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 3814، والبيهقي في السنن الكبرى برقم10926.
  28. فهو أول من نادى بهذا الرأي، وقيل: أخذه من عالم غربي في باريس اسمه لو كورور ، راجع: قضايا فقهية معاصرة ، د. محمد سعيد رمضان البوطي، القسم الأول ص 68، الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي ، ج5 ص 3750، عقد القرض ومشكلة الفائدة، د. محمد سيد الجزائري، ص336.
  29. راجع: الفقه الإسلامي وأدلته د. وهبة الزحيلي، ج5 ص 3751، التدابير الواقية من الربا، د. فضل إلهي، ص 71 وما بعدها، الجامع في أصول الربا، د. رفيق المصري، ص 260 وما بعدها، شبهات معاصرة لاستحلال الربا، د. محمد الشباني، ص 56 – 59.
  30. حياة محمد ﷺ، د. محمد حسين هيكل، ص 71.
  31. أرجه أبو داود، برقم 1905، وابن ماجة برقم 3074، والنسائي في السنن الكبرى برقم 3987.
  32. تفسير الطبري، ج6 ص 23، برقم 6258 ـ 6259
  33. ينظر: الفقه الإسلامي وأدلته، الزحيلي، الموضع السابق. والتدابير الواقية من الربا، فضل إلهي، ص 74.
  34. أخرجه أحمد في المسند برقم 20695، وابن ماجة برقم 3055، وأبو داود برقم 3334، والترمذي برقم 3087.
  35. موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة، أ.د. أحمد علي السالوس، ص 102 – 103.
  36. راجع قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 10 ( 10/2) في كتاب قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي ، ص 61 – 62. ومجلة المجمع ، العدد الثاني ج2 ص 736.
  37. المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، المعيار رقم (19) القرض، ص 405، الفقرة 4/1.
  38. المغني لابن قدامة ، ج4 ص 240، فقرة 3263.
  39. المغني لابن قدامة الموضع السابق نفسه.
  40. تفسير القرطبي ، ج3 ص 241.
  41. الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان، ج3 ص 1668 الفقرة رقم 3264.
  42. الاستذكار لابن عبد البر ، ج21 ص 49 ، فقرة رقم 30365.
  43. راجع كتاب: في ضرورات الدولة تأصيلاً وتنزيلاً، للباحث، ص70 وما بعدها.
  44. المرجع السابق ، ص 88 – 89 .
  45. فتوى مجلس الإفتاء الشرعي السودان لوكيل ديوان النائب العام في 19/3/1984م. وانظر: ضرورات الدولة ، ص 139 – 141.
  46. كتاب فتاوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية السودان ، ج1 ص 11 الفتوى رقم (3/1993م) .
  47. ضمن كتاب: فتوى وتوصيات ندوة تمويل مشروعات الدولة بالقروض، ص 23 – 25.
  48. فتاوى الشيخ شلتوت، ص 354 – 355.
  49. ذكره ابن نجيم في البحر الرائق وفي الأشباه والنظائر، فقال: ” وفي القنية والبغية: يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح”. البحر الرائق ج6 ص 137، والأشباه والنظائر ص 92.
  50. كتاب: فتزوى وتوصيات ندوة تمويل مشروعات الدولة بالقروض، ص 9 – 14.
  51. موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة، علي السالوس، ص 412.
  52. أخرجه أبو يعلى في مسنده 1569، وفي إسناده أبو حرة الرقاشي وثقه الحافظ وأبو داود. وعلي بن زيد روى له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .
  53. أخرجه أحمد برقم 20659، والترمذي برقم 3087، وأبو داود برقم 3334، وابن ماجة برقم 3055.
  54. تفسير البغوي ، ج1 ص 506.
  55. تفسير البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج2 ص 38.
  56. تفسير أبي السعود، إرشاد العقل السليم إلى مزايات الكتاب الكريم، ج2 ص 84.
  57. أخرجه مالك في الموطأ، برقم 2512، والدارقطني في سننه برقم 2979، والبيهقي في السنن الصغير برقم 1972، وفي السنن الكبرى برقم 10936.
  58. أخرجه مالك في الموطأ، برقم 2513.
  59. تفسير القرطبي ، ج3 ص 241.
  60. تفسير الطبري ، ج6 ص 11 – 12. وراجع لزيادة البيان تلخيص الحافظ في الفتح (4/314) كلام الطبري، فقال: “قال الطبري: إنما خص الآكل بالذكر لأن الذين نزلت فيهم الآيات المذكورة كانت طعمتهم من الربا وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل به سواء أكل منه أم لا”.
  61. أخرجه مسلم في صحيحه برقم 1598، و 1597، عن جابر وابن مسعود رضي الله عنهما، والبخاري في صحيحه برقم 5962، والحارث في مسنده برقم 438، كلاهما عن أبي جحيفة رضي الله عنه ، والترمذي برقم 1206، وأبو داود، برقم 3333، وابن ماجة برقم 2277، الثلاثة عن ابن مسعود رضي الله عنه ، والبزار في مسنده برقم 821، عن عليّ رضي الله عنه .
  62. انظر: موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة ، أ.د. علي السالوس، ص 170- 171، الجامع في أصول الربا، د. رفيق المصري، ص 202 – 205، مشكلة الاستثمار في البنوك الإسلامية وكيف عالجها الإسلام، د. صلاح الصاوي، ص 552 – 553، عقد القرض ومشكلة الفائدة ، د. محمد سيد الجزائري، ص 351- -353، فصول في فقه البيوع، د. عبد الله الزبير، ص 117.
  63. المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لبرهان الدين بن مازة، ج7 ص 210.
  64. المبسوط للسرخسي، ج14 ص 60.
  65. الإرشاد إلى سبيل الرشاد، لأبي علي الهاشمي، تحقيق التركي، ص 231.
  66. أخرجه أحمد في المسند برقم ، وأبو داود برقم 3530، وابن ماجة برقم 2291،2292.وقال في الزوائد (2/768 – 769): إسناده صحيح ورجاله ثقات على شرط البخاري.
  67. الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين، ج8 ص 457.
  68. الأسئلة والأجوبة الفقهية، لعبد العزيز السلمان، ج7 ص 50 .
  69. مصنف ابن أبي شيبة ، برقم 22484، السنن المأثورة للشافعي، برقم 230، مستخرج أبي عوانة برقم 5395، السنن الكبرى للبيهقي برقم 10481، التمهيد لابن عبد البر، ج4 ص 81 – 86
  70. التمهيد ، ج4 ص 82.
  71. التمهيد نفسه ، ج4 ص 83.
  72. أخرجه مالك في الموطأ برقم 2336، والشافعي في مسنده برقم 1390، والنسائي في السنن برقم 4572، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 10494.
  73. التمهيد لابن عبد البر، ج4 ص 84 .
  74. أخرجه مالك في الموطأ ، برقم 2534، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 11605، وفي السنن الصغير برقم 2148.
  75. الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ج2 ص 438. وتاريخ الطبري ، ج4 ص 221.
  76. تفسير الطبري، ج6 ص 25 برقم 6261، وتفسير ابن أبي حاتم، ج2 ص 550 برقم 2919،
  77. تفسير ابن أبي حاتم، ج2 ص 550 برقم 2921.
  78. المحرر الوجيز لابن عطية، ج1 ص 374.
  79. تفسير القرطبي ، ج3 ص364.
  80. انظر: تبيين الحقائق، ج4 ص 97، والنهر الفائق، ج3 ص 480، ومجمع الأنهر، ج2 ص 89، والفتاوى الهندية، ج3 ص 121.
  81. فتوى الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية رقم (1/2023) بشأن التعرفة المصرفية لبنك السودان المركزي الصادرة بتاريخ 18/6/1444هـ ـ 11 يناير 2023م.
  82. فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، باب الكفالة في القرض والديون، ج4 ص 471.
  83. تاريخ الطبري، ج4 ص 221.
  84. كتاب قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ص 69. ومجلة المجمع الدولي العدد الثاني ج2 ص 527، والعدد الثالث ج1 ص 77.
  85. كتاب المعايير الشرعية، المعيار رقم (19) القرض، ص 406، الفقرة 9/1.
  86. يمكن مراجعة قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم 136 (2/15) بشأن المشاركة المتناقصة وضوابطها الشرعية.
https://azubair.net/bahth/iqrad-aldawla-bilriba/ — azubair.net