كتابٌ في فقه الاحتساب السياسي، جاء في خمسة فصولٍ ومقدمةٍ وخاتمة: تحديدُ المصطلحات وعلاقةُ الاحتساب بالمناصحة والمعارضة · مقامُه وأهميتُه ودفعُ الشبهات عنه · قضاياه وما يدخل فيه وما لا يدخل · ضوابطُه ووسائلُه الدعوية والرسمية والأهلية والإعلامية والثقافية · إشكالياتُ الانحراف فيه بين الغلوِّ والتفريط. مع تطبيقاتٍ ونماذجَ من التاريخ والسيرة لكلِّ مسألةٍ نظرية. أصلُه ورقةٌ علمية قُدِّمت في مؤتمر الاحتساب بالخرطوم ٢٨–٢٩ ربيع الأول ١٤٣٧هـ.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[آل عمران: ١٠٤]
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله.
نحمد الله الآمرَ بالعدل والإحسان وإيتاءِ ذي القربى، والناهيَ عن الفحشاء والمنكر والبغي، موعظةً وتذكرة. مصلِّين مسلِّمين على من قام في الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، سيدنا محمد ﷺ، اللهمَّ فصلِّ عليه وسلِّم، وعلى آل بيته الطاهرين وصحابته الغرِّ الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعدُ:
فهذه فصولٌ مهمةٌ في شأنٍ عظيمٍ من شؤون الأمّة، هو فيما نحسب من فرائض الساعة وقضايا العصر، وله خصوصيته من حيث اتصالُه بالحُكّام وولاة الأمر من ناحية، ومن حيث الطرائقُ والكيفيّات التي يُؤدَّى بها من ناحيةٍ أخرى، وما يستتبع ذلك من تجلّيات دوره وأثره في إصلاح الشأن العام، والتعاونِ على الاستقامة على جادّة الحق، والاستمساكِ بنهج الشرع، لِواذاً من الزيغ والانحراف، والتماساً لسبل النجاة بهما.
لذا؛ استنهضتُ الهمّة وعقدتُ العزم حين طلب إليَّ إخوةٌ لي كرامٌ لا أجد بُدّاً من الامتثال لأمرهم، والإجابةِ لطلبهم توثيقاً لعُرى المحبة في الله بيننا، فاتفقنا على أن نخصَّ هذا الموضوع بالتأليف ونُفرده بالتصنيف، فازددتُ عزماً على ألّا أدَّخر جهداً ولا وُسعاً في تبيان فقهه، وإشاعةِ علمه، تطلُّعاً إلى ما يجلبه للأمّة من المصالح والمنافع أو يدفع عنها من المفاسد والمضارّ.
فرأيتُ بعد استقراءٍ وتتبُّعٍ لمسائله، وتصوُّرٍ لمباحثه، وما سيؤول إليه في تفاصيله؛ أن يكون جامعاً لخمسة فصولٍ ومقدمةٍ وخاتمة:
ولقد قصدتُ أنْ أُسعِف كلَّ مسألةٍ نظريةٍ بتطبيقاتٍ ونماذجَ للاحتساب السياسي فيها من التاريخ والسيرة، ليكون الاقتداء، ويحصل الاتّباع، ويسهل التطبيق لمريدي الاحتساب في عصرنا وغيره. كما أنِّي بذلتُ جهداً — أسأل الله أن يقبله — في الحكم على الأحاديث والمرويّات، خاصةً المرفوعةَ إلى النبي ﷺ، مع العَوْد إلى مصادرها ومظانِّها الحديثية الموثوقة.
وإنِّي لأرجو أن يتحقَّق المرادُ من تأليف هذا الكتاب، ومن بذل هذا الفقه للفئات التي تحتاجه: من الولاة والمشتغلين بالسياسة، ومن العلماء والدعاة الواجبِ عليهم أن يقوموا بهذا الاحتساب، ومن أرباب الحرص على سيادة الإسلام وظهور أحكامه، ومن الرعيّة التي تناصح ولاتها وتتقاسم وإيّاهم مسؤولية إصلاح الشأن العام ما استطاعت.
وكتبه الراجي مغفرةَ مولاه
عبد الله الزبير عبد الرحمن صالح
الخرطوم — شرق النيل — مدينة الفيحاء
جمادى الأولى ١٤٣٨هـ / فبراير ٢٠١٧م
منشأ الكتاب: ورقةٌ علميةٌ قُدِّمت في مؤتمرٍ للاحتساب بالخرطوم في الفترة ٢٨–٢٩ ربيع الأول ١٤٣٧هـ، الموافق ٨–٩ يناير ٢٠١٦م، بتكليفٍ من منظِّميه، فنالت إعجاب السادة العلماء المؤتمِرين، فطلبوا استكمالها وتوسيعها تعميماً للنفع والفائدة.