رسالةٌ إلى كل مسلمةٍ تتطلّع إلى مراقي الجِنان، وإلى كل زوجةٍ ترجو أن تكون مفتاح خيرٍ وبِرٍّ وصلاحٍ لمن شاركها الحياة. أصلُها محاضرةٌ عامّة، ومادّتها مستقاةٌ من واقع الحال لا من بطون الكتب وحدها — في بناء بيت الزوجية على السَّكن والمودة والرحمة.
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، فبنعمته تتمُّ الصالحات، وبكرمه تنهال على العبد البركات، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الثناء الحسن.
والصلاة والسلام على من ابتعثه ربُّه رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه رسالةٌ أوجِّهها — عموماً — إلى كل مسلمةٍ تتطلَّع إلى مراقي الجِنان في الآخرة، تسعى إليها وهي مؤمنة، وترجو أن تكون سفيرة المسلمين والمسلمات في كل موطنٍ وموضعٍ تكون فيه؛ زوجةً، أو أمّاً، أو أختاً، أو عمّةً، أو خالةً، أو عاملةً، أو ربّة بيت.
وأوجِّهها — على وجه الخصوص — إلى كل زوجةٍ مسلمة، تبتغي الجمع الحميد بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وترجو أن تكون مفتاح خيرٍ وبِرٍّ وصلاحٍ لمن شاركها الحياة، الذي اختارها من دون نساء العالمين لتكون له زوجةً حبيبةً لقلبه، وسكناً لنفسه، ومتاعاً لعمره، ثم أمّاً لولده؛ لتبذل كل ما عندها من أسبابٍ وفنونٍ لإسعاده، ولبناء بيت الزوجية على تقوى من الله ورضوان، وتؤسِّسه على الرحمة والحنان والحبِّ والأمان، وتقيمه على السَّكن والمودّة، وتديره بقواعد الرضا لزوجها، فينشأ الأولاد على الاستقرار النفسي والاستقامة الخُلُقية، حاملين همومَ الأمّة، متبنِّين لها بهمّةٍ عليّة، فتسعد الأمّة بهم وتُحفظ الملّة.
ولقد استقيتُ مادة هذه الرسالة — أولاً — من واقع حال زوجاتي، ولم تكن مادةً نظريةً بحتةً جُمعت من بطون الكتب؛ بل كان أهمَّ مصادرها أحوالُهنَّ معي وأوصافُهنَّ وسلوكُهنَّ، ثم ما يبذلن من جهدٍ أقدِّره وأكبره لا لإدخال السعادة بل لإبقاء السعادة في بيتنا، فقد دخلت السعادة فيه يوم دخولهنَّ فيه، وجزاؤهنَّ على المولى الكريم الذي وهب الصلاح وساق السعادة بهنَّ.
وأصلُ هذه الرسالة محاضرةٌ عامّة قدَّمتها لحشدٍ نسائيٍّ بدعوةٍ كريمة من حلقات الحميراء بمدينة أم درمان غربي الخرطوم، فطلب مادتها مركز المودة لنشرها تعميماً للفائدة.
واللهَ تعالى أسألُه أن يمنَّ علينا جميعاً بسعادة الحياة الزوجية وصلاح الذرية، وأن يحقِّق لكل زوجٍ مسلمٍ صالحٍ وَعْدَ الربِّ الكريم لنبيِّه الكريم زكريا عليه السلام: وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ (١).
اللهمَّ اجعل عملنا كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئاً، وصلّى الله وسلّم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد الله الزبير عبد الرحمن الفَيحاء — شرق النيل