رسالةٌ في ضبط الإفتاء وتجويد صناعة الفتوى وتطويرها بما يحقِّق مقاصدها، أصلُها محاضرةٌ قُدِّمت بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم بولاية الجزيرة بدار هيئة علماء السودان، بتنظيم مركز الإفتاء بالجامعة في ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ. قامت على فصلين: الأول في الفتوى مفهومِها ومنزلتِها وخطرِها، والثاني في ضوابط الإفتاء — العلميةِ التأهيلية، والخُلُقيةِ الذاتية، والمنهجيةِ السلوكية.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله فاتحِ أبواب المقال، ومانحِ أسباب النوال، ومُلهِمِ جوابِ الفُتْيا والسؤال.. نحمده سبحانه حمداً يستغرق البُكَرَ والآصال، ويستوعب الأماكن والأزمان ويُضيء الأطلال.. نحمده، والتوفيقُ لحمده من نِعَمِه، ونشكره، والشكرُ كفيلٌ بالمزيد من فضله وكرمه، ونستغفره ونتوب إليه من ذنوبنا التي توجب زوال نِعَمِه وحلولَ نِقَمِه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله وخِيرتَه من خلقه وحجَّته على عباده، رفع الله شأن هذه الأمّة، وجعله شهابَها الذي يُزيل عنها من دُجى الإشكال كلَّ ظُلْمة، يجلي بفتياه ظُلَمَ المسائل المُدلهمّة، ويبيِّن الصواب ويكشف من أمرها كلَّ غُمّة.
أمَّا بعدُ:
فإننا نعيش في عصر الانفتاح والتواصل المفتوح، كلُّ شيءٍ فيه مسموح.. البطولةُ والإيجابيةُ والمواكبة!! أنْ تحشُر أنفك في كلِّ شأن، وتُبديَ رأيك في كلِّ موضوع، وتحكُمَ عاجلاً على كلِّ قضية، وتُفتيَ في كلِّ نازلةٍ وإنْ لم تكن من أهل الفُتيا..
في هذا الزمان:
هذا الزمان الذي لا حُرمةَ لمقدَّسٍ ولا حُرمةَ لدين، فحُقَّ لنا البكاء:
يا زماناً بكى عليه الوفاءُ • وقلا عيشَه الأُلى الأتقياءُ
ماجَ في عهدك الرَّدى والبلايا • وتجنَّى على السَّنا الظلماءُ
هذا الزمان هو الذي وصفه نبيُّنا ﷺ وتحقَّقت نبوءته فيه عليه الصلاة والسلام، فيما أخبر عنه أبو الدرداء رضي الله عنه قال: «كنّا مع رسول الله ﷺ فشخَص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوانُ يُختلَسُ العلمُ من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء»..
وهذي السنون لعلَّها هي تلك التي وصفها النبي ﷺ بالسنوات الخدَّاعات، وتنبَّأ بها محذِّراً أمّته مما يكون فيها، فقال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «سيأتي على الناس سنواتٌ خدَّاعاتٌ، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمَن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيبِضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلَّم في أمر العامّة».
في هذا العصر والزمان العجيب تكون الحاجةُ إلى ضبط الإفتاء والتشديدِ في ضبطه، وتجويدِ صناعة الفتوى وتطويرها بما يحقِّق مقاصدها — أمراً لازماً وواجباً متعيِّناً على أهل المعرفة المنتبهين للواقع، القارئين لمآلاته في الدعوة والأمّة.
من أجل ذلك كانت هذه الرسالة التي قامت على فصلين:
لك الحمد ربّي ولك الشكر سبحانك أنْ وفَّقتني لهذا العمل، فأسألك اللهمَّ باسمك الأعظم الذي ما سُئلتَ به إلا أعطيت أن تجعل هذا الكتاب لقارئيه نافعاً، وللمفتين مرشداً، ولأهل العلم مُسعِداً، ولطلاب العلم مرجعاً مَعيناً ومُعيناً.. اللهمَّ سدِّد قلمي، وصوِّب رأيي، وصحِّح فكري، وأرشدني إلى ما ينفع المسلمين علماً ودعوةً.. اللهمَّ آمين.
راجي الرضا والقبول من ربه
عبد الله الزبير عبد الرحمن
الفيحاء شرق النيل — ١٩ / ٧ / ٢٠١٨م
من تعريف الكتاب: أصلُ هذا الكتاب محاضرةٌ قُدِّمت بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم بولاية الجزيرة وسط السودان، بدار هيئة علماء السودان، بتنظيم مركز الإفتاء بالجامعة بتاريخ ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩هـ، وحضرها ثلّةٌ فاضلةٌ من فقهاء البلاد وعلمائها المشاركين في لجان الفتوى وهيئات الإفتاء بولايات الجزيرة وسنّار والنيل الأبيض، وأعضاءِ لجان الفتوى بجامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم وجامعة الإمام المهدي وجامعة سنّار وغيرها، فطلب الحاضرون إخراجها في رسالة.