رسالةٌ في تأصيل مفهوم التدبّر وبيان فضله وحكمه وثمراته ومعيناته، جاءت في أربعة فصول: الأول في حقيقة التدبّر ومفهومه، وفيه خمسة مباحث؛ والثاني في مقام التدبّر وحكمه؛ والثالث في ثمرات التدبّر وفوائده؛ والرابع في معينات التدبّر وأدواته، وفيه مبحثان: معينات التدبّر الأربعة (إحسان الاستماع، والتغنّي وتحسين القراءة، والترتيل، والترداد والتكرار)، وأدواته الخمس (التفهّم، والتفكّر، والتذكّر، والتأمّل، والاعتبار).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ص: ٢٩]
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عِوَجًا، قيّمًا لينذر بأسًا شديدًا من لدنه، ويبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرًا حسنًا، ماكثين فيه أبدًا. الحمد لله الذي أنزل القرآن مباركًا ليدّبّروا آياته وليتذكّر أولو الألباب، وصلى الله وبارك على من أُنزل إليه الكتاب بالحق مصدّقًا لما بين يديه وهدىً وبشرىً للمؤمنين، ليُحقّ بكلماته الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون، اللهمّ فصلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين يذكرون ما يُتلى في بيوتهم من آيات الله والحكمة، وعلى أصحابه الغرّ الميامين الذين تعلّموا الإيمان والقرآن فازدادوا به إيمانًا، وعلى من اتّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين.
أما بعد:
فالقرآن هو حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظلّه العميم، وصراطه المستقيم، وحجّته الكبرى، ومحجّته الوضحى، هو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زلّ وهوى. فضائل القرآن لا تُستقصى في ألف قِران. حجّة الله وعهده ووعده، يعلم به الله الجاهل، ويعمل به العاقل، وينتبه به الساهي، ويتذكّر به اللاهي، بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، وجلاء الأمور. من فضائله أنه يُقرأ دائبًا، ويُكتب ويُملّ فلا يمَلّ. ما أهون الدنيا على من جعل القرآن إمامه، وتصوّر الموت أمامه. طوبى لمن جعل القرآن مصباح قلبه، ومفتاح لبّه. من خلق القرآن حفظ ترتيبه، وحسّن ترتيله1.
فتدبّر القرآن هو غاية التنزيل، وحكمة الترتيل، ومحقّق البركة بتلاوة الكتاب الجليل، والمحقّق للاتّباع والاتّعاظ، والمحصّل للتخلّق بأخلاقه والتأدّب بآدابه.
ولـمّا كان رسول الله ﷺ أوّل المسلمين في التلاوة، وإمام المرتّلين في التدبّر، وسيّد العلماء في الفهم وتحصيل مراد الربّ جلّ وعلا من كلامه؛ كان خُلُقه القرآن كما عايشه معه أصحابه رضوان الله عليهم، وتشبّعوا به من صحبته ورفقته الكريمة، وكما وصفَته سيّدتنا عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها، حين سألها سعد بن هشام بن عامر قائلاً: «يا أمّ المؤمنين! أخبريني بخُلُق رسول الله ﷺ». فقالت رضي الله عنها: «كان خُلُقه القرآن، أما تقرأ القرآن؟ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]»2.
ولقد قصدت بهذه المباحثة والمدارسة لهذا العلم العظيم وهذا الفن الجليل!! أنْ أُعلي الهمّة في التعرّف على قضايا التدبّر ومسائله، وأنْ أشغل همّي في مدارسة مباحث علم التدبّر استمتاعًا وانتفاعًا، وأدير رحى عقلي في التفكّر والتفهّم للخطاب الإلهي لعباده كافّة وللمؤمنين منهم خاصّة، وللعالِمين فيهم على الوجه الأخصّ، لأستنفذ بصيرتي لاجتلاء المعاني بغوّاصات الفهم من أعماق النصوص، وأُجلّي بصري لاجتناء حِكَم التنزيل المبثوثة في رياض الكتاب الكريم.
وقد بدأتُ أوائل النظر ومبادئ التطلّع، ودار رحى التعقّل أولى دوراته، وبدأت الهمّة في الاعتلاء، والبصيرة في الاجتلاء، والبصر في الاجتناء، بهذه الفصول والمباحث التي هي:
فصلٌ أول: في حقيقة التدبّر ومفهومه، واشتمل على خمسة مباحث:
وفصلٌ ثانٍ: في مقام التدبّر وحكمه، واشتمل على مبحثين: الأول في مقام التدبّر وفضله، والثاني في أهمية التدبّر والحاجة إليه وحكمه.
وفصلٌ ثالث: في ثمرات التدبّر وفوائده، وفقراته قامت على: ما قيل في فوائده وثمراته، ومنثورات من الفوائد والثمرات.
وفصلٌ رابع: في معينات التدبّر وأدواته، وقام على مبحثين: الأول في معينات التدبّر، وقد أتى بأهمّ المعينات على التدبّر المحقّقة للاستمتاع بتلاوته وبتفهّمه والنظر فيه، والموصلة إلى فهم كلام الله من ترتيله، وهي أربعة معينات: إحسان الاستماع، والتغنّي وتحسين القراءة، والترتيل، والترداد والتكرار. والمبحث الثاني: في أدوات التدبّر، وهي خمس أدوات: التفهّم، والتفكّر، والتذكّر، والتأمّل، والاعتبار.
هذا؛ والله تعالى أسأله أن يتقبّله، وأن يجعله مقبولاً منتفعًا به، فيا ليتنا كنّا نافعين لأمّتنا، حافظين لملّتنا، خادمين لشرعنا وكتابنا، ولسنّة نبيّنا صلى الله عليه وسلم.
اللهمّ اجعل عملنا كلّه صالحًا.. واجعله لوجهك خالصًا.. ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا.. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
راجي عفو الله ومغفرته
أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن
الحواشي:
(١) مقتبس من: سحر البلاغة وسر البراعة، لأبي منصور الثعالبي، ص ١١.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم ٢٤٦٥، وقال الأرناؤوط: “حديث صحيح” (ج٦ ص٩١).