المقصود بالحساب الذي يثبت به دخول شهر رمضان؛ ما يُعرف بالحساب الفلكي، وهو علم معروف للفقهاء من العصور الإسلامية الأُولى، واليوم له خبراء وعلماء مختصون، وقد بلغ الحساب الفلكي مبلغاً عظيماً في الدقّة حتى صار في غالبه قطعياً، مما جعل احتمال الخطأ في حسابه يصل إلى ما لا يعتبر خطأً فنسبة الخطأ في تقديراته100,000 / 1 (واحد إلى مائة ألف) في الثانية. ولا يُعلم بين علماء الشريعة من أنكر الحساب، فلا خلاف في وكونه علماً من العلوم المعتبرة، وإنما الخلاف بينهم في اعتماده طريقاً شرعياً لإثبات دخول الشهر وخروجه.
وبالطبع ليس المقصود بالحساب؛ علم التنجيم الذي يرفضه الشرع ويذمه العلماء، وإنما المقصود بالحساب؛ الحساب الفلكي المنبثق من علم الفلك القائم على الأسس الرياضية العلمية القطعية، وقد اعترف أئمتنا وشهدوا لهذا الحساب بالاعتبار والصحة، فهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول معترفاً بصحة علم الحساب: “لا ريب أن النجوم نوعان: حساب، وأحكام، فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاتها، ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علمٌ صحيحٌ لا ريب فيه”(1).
أما بخصوص اعتبار أو اعتماد الحساب الفلكي طريقاً من طرق إثبات الأهلة لا سيما في دخول شهر رمضان وشهر شوال؛ فللعلماء في ذلك ـ قدامَى ومعاصرين ـ أربعة مواقف، على النحو الآتي:
الْموقف الأول: هو موقف من يمنع اعتبار الحساب مطلقاً، وهم الجمهور من قدامى الفقهاء ومتأخريهم. فذهب هؤلاء إلى أنّ الحساب لا يثبت به دخول شهر رمضان ولا خروجه أبداً، وأنّ الذي يثبت به ذلك هو “فقط” الرؤية البصرية. وقد نصر هذا الموقف الإمام النووي والحافظ ابن حجر وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، رحمهم الله تعالى (2).
الْموقف الثاني: هو موقف من يعتبر الحساب مطلقاً، وهم فئة من العلماء المعاصرين، كالشيخ مصطفى الزرقا، وطنطاوي جوهري، وهو الموقف الظاهر للشيخ أحمد محمد شاكر، وغيرهم. وهؤلاء ذهبوا إلى أنّ الحساب يمكن أن يقوم مقام الرؤية البصرية في إثبات الشهر مطلقاً، سواء غُمَّ علينا أو لم يغم، وسواء يمكن رؤيته أم لم يمكن رؤيته، ويؤخذ بالحساب مطلقاً في نفي الرؤية واستحالته، وفي إثبات إمكان الرؤية وغير ذلك مما يمكن الأخذ بالحساب فيه.
الْموقف الثالث: وهو موقف من اعتبر الحساب على العموم، ولكن في إثبات هلال رمضان أو شوال به قالوا: يعتبر الأخذ بالحساب بالنسبة لأهل الحساب وحدهم، فيجب على الحاسب الأخذ بحسابه في إثبات دخول شهر رمضان، فيصوم لنفسه وجوباً.
وهذا الرأي هو الذي أخذ به أبو العباس بن سريج من أئمة الشافعية وحكاه عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، وهو مذهب جماعة من أئمة الشافعية: القفّال، والقاضي أبي الطيب رحمهم الله وغيرهم(3).
الْموقف الرابع: وهو موقف من يعتبر الحساب على العموم، ولكن في إثبات شهر رمضان أو شوال به يأخذون بالحساب في حالة النفي دون حالة الإثبات، وهو مذهب أكثر من يرى اعتبار الحساب من السابقين والمعاصرين، وهو ما أخذت به بعض المجامع الفقهية وبعض مجالس الإفتاء(4).
وهؤلاء مع أنهم يرون وجوب الأخذ بالرؤية؛ إلاّ أنهم جعلوا شرط العمل بالرؤية عدم نفي الحساب الفلكي القطعي إمكانية الرؤية، فإذا نفى هذا الحساب إمكان الرؤية فلا يعتدّ بشهادة الرؤية.
ومن أصحاب هذا القول من الفقهاء المعروفين: الإمام ابن دقيق العيد، والإمام تقي الدين السبكي، والشيخ محمد بن عبد الوهاب المراكشي، وجماهير المعاصرين القائلين بالحساب.
ومن العلماء المعاصرين: أحمد محمد شاكر، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، ومصطفى الزرقا. ومن شيوخ الأزهر: الشيخ المراغي، والمطيعي مفتي الديار المصرية في زمانه، وجاد الحق علي جاد الحق، وهو رأي الشيخ علي الطنطاوي، ومحمد سلامة جبر، والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم (5).
والرَّاجح: من مواقف العلماء من الحساب وإثبات الشهر به، موقف من توسّط منهم، فذهب إلى الأخذ بالحساب في حالة النفي على سبيل القطع واليقين، فترد شهادة الرؤية به، أمّا إذا قضى الحساب بإمكان الرؤية فعندئذ يؤخذ بالرؤية، ويعتمد ثبوت الشهر بالرؤية؛ فإنْ رؤي الهلال صام الناس، وإنْ لم يُرَ الهلالُ لم يصوموا.
وإنما رجّحنا هذا الرأي لوجوه كثيرة هي ما يلي:
الوجه الأول:
قوله تعالى (6) فيه اعتبار الحساب، فإنّ ﴿ شَهِدَ ﴾ في الآية؛ فيه معنى الشهود العلمي، بطريق الحساب، لأنه إمّا من شهد يشهد شهوداً، من الحضور والإقامة؛ وإمّا من شَهِدَ يشهد مشاهدة شهادة، والشهادة إنما تكون بطريق العلم، كما في قوله تعالى
(7).و﴿ شَهِدَ ﴾ هنا مرادٌ به العلم والحكم والبيان.
فشهد الله والملائكة وأولو العلم ، بمعنى: علم الله والملائكة وأولو العلم، فشهد تكون بمعنى علم(8)، والعلم بدخول الشهر قد يكون بالإخبار وقد يكون بحساب المنازل، لأن القمر له منازل محددّة يمكن تقدير الشهر بها كما قال تعالى (9). فدلّ أن الحساب يمكن أن يعرف به دخول الشهر ويجب به الصوم.
واعتبار علم الحساب وتصحيحه قال به غير واحد من أئمتنا، فنرى الإمام المرغيناني الحنفي رحمه الله يقول: ” إنّ علم النجوم قسمان: أحدهما الحسابيّ وهو حقّ ةقد نطق به الكتاب، قال تعالى ( الشمس والقمر بحسبان).. بل إنّ كثيراً من الآيات ترغب في علم الهيئة لمعرفة حساب الشهور والسنين من منازل القمر..”(10).
كما نرى الإمام الغزالي رحمه الله يقول: ” علم النجوم الذي يُعرف به سير الكواكب والشمس والقمر ، وكذلك علم الهيئة ، لن يكذبه الشرع، بل يهتدي به إلى معرفة السنين والشهور وأوقات الصيام والحج ومواقيت الصلاة، فإنكار هذا قصورٌ وجهلٌ”(11).
ونجد كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعتبره حيث يقول: “لا ريب أن النجوم نوعان: حسابٌ وأحكامٌ، فأما الحساب فهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب، وصفاتها، ومقادير حركاتها، وما يتبع ذلك، فهذا في الأصل علمٌ صحيح لا ريب فيه”(12).
الوجه الثاني:
قوله تعالى (13). وفيه اعتبار الحساب، والشاهد من الآية : قوله تعالى
. ووجه الدلالة أنه تعالى قدر القمر منازل ليكون ذلك طريقاً لمعرفة السنين، وطريقاً لحساب الشهر، وذلك من وجهين:
أولهما: أنّ اللام في ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾ سببية، والمعنى: ليكون تقدير المنازل سبباً وطريقاً لمعرفة السنين والحساب.
وثانيهما: أنّ السنين تقابل الشهور، والعدد يقابل الحساب، فدلّت الآية أن السنين عددية، فإذا كانت السنة عددية فالشهر يمكن أن يكون حسابياً،فيكون المعنى: لتعلموا بالعد السنين، ولتعلموا بالحساب الشهور، فكانت معرفة الشهر ودخوله وخروجه بطريق الحساب وجهاً شرعياً.
وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع أنه يمنع من الأخذ بالحساب فيقول: ” سُنّة الروم والسريانيين والقبط ونحوهم من الصابئين والمشركين أنْ يجعلوا السنة طبيعية والشهر عددياً ، أما سُنَّة المسلمين؛ فأنْ يكون الشهر طبيعياً والسنة عددية فالسنين عددية ، وما قابل العدد الحساب ، وما يقابل السَّنة الشهر ، فإذا كانت السنة عددية ، فالشهر حسابي ، ولعله المقصود من الآية”(14).
الوجه الثالث:
إنّه لا تعارض بين اعتبار الحساب وحديث: ( صوموا لرؤيته) لأن الشارع علّق الرؤية بالهلال لا بالرائين، فقال: ( صوموا لرؤيته) ولم يقل (صوموا لرؤيتكم)، ولهذا يجب أن يكون الهلال ممكن الرؤية حتى تتم الرؤية، وهذا هو دور الحساب، فصار الحساب في الحقيقة وسيلة من وسائل الرؤية وطريقاً من طرقها، لا أمراً مضاداً للرؤية أو مناقضاً لها.
الوجه الرابع:
إنّ الرؤية كما تكون بصرية فقد تكون علمية.
أما الرؤية البصرية فلا إشكال فيها البتة ولا تحتاج إلى بيان.
أما الرؤية العلمية؛ فهي معتبرة واردة في الشرع، فقد جاءت آيات القرآن في أكثر من ثلاثين آية شاهدة بها مشيرة لها في كثير منها، ومن ذلك:
ـ قوله تعالى (15) أي ألم تعلم، لأنه ﷺ لم ير ذلك وإنما أُخبر فعلم به.
ـ وقوله تعالى (16) أي ألم تعلم، لأنه لم يكن في عهد عادٍ.
ـ وهكذا قوله تعالى (17). وقوله تعالى
(18).
بل قد تكون الرؤية رؤية علمية في مجال الفلك والطبيعة على خصوصها، كما في قوله عزّ وجلّ (19). قال الشوكاني رحمه الله: ” هذه الرؤية إمّا بصرية، والمراد بها: ألم تبصر إلى صنع ربك، أو ألم تبصر إلى الظل كيف مدّه ربك؟ وإمّا قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد . قال الزجاج: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ألم تعلم”(20).
أقول: إننا نرى مدّ الظلّ رؤية بصرية، ولكننا لا نرى بصرياً كيف مدّ الله تعالى هذا الظلّ، فهذه لا بدّ أن تكون برؤية علمية، بل إن الله عزّ وجلّ ينبّه إلى أنّه قد تكون الشمس دليلاً لهذه الرؤية العلمية، وبالتالي فلا يمنع أن يكون القمر ومنازله دليلاً على إمكان الحساب.
ـ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى (21).
فهذه أيضاً رؤية علمية، فإننا لم نر بصرياً كيف يزجي الله السحاب وكيف يؤلف بينه، مع أننا نرى الودق “المطر” يخرج من خلال السحاب، وهذه رؤية بصرية، فجمعت الآية بين الرؤية العلمية والرؤية البصرية.
وعليه: فإنّ قوله ﷺ: (صوموا لرؤيته) يراد به: الرؤية البصرية قطعاً بإجماع الناس، وقد يراد به كذلك الرؤية العلمية التي تكون بطريق الحساب الفلكي العلمي القطعي.
لذلك؛ كان الأَوْلَى تحقيق الرؤيتين ( البصرية والعلمية): بإثبات إمكان الرؤية البصرية بالعلم والحساب، ثم إثبات الهلال بالرؤية البصرية، على أنّ الحساب وسيلة علمية للرؤية التي جاءت الأحاديث آمرة بها، فكان الأخذ بالحساب لمعرفة إمكان الرؤية وعدمها إعمالاً للنصوص الآمرة بالرؤية على وجهها وتحقيق شرطها، فلا يكون تعارض بينها وبين الأخذ بالحساب، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما 🙁 لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له ) (22)، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّىَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)(23). وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الآخر: ( إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا ..) (24). وحديث ابن عمر الآخر: ( إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا) وعقد الإبهام في الثالثة(25).
الوجه الخامس:
إنّ أدلة المانعين من الأخذ بالحساب مطلقاً يمكن مناقشتها بما يندفع بها المنع، فأقوى دليل لمانعي اعتبار الحساب مطلقاً هو استدلالهم بحديث ابن عمر رضي الله عنهما من قول النبي ﷺ: ( إنَّا أمَّة أميَّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا). ووجه الدلالة من الحديث: أنّ النبي ﷺ نفى أن تكون الأمّة حاسبة، مصرحاً فيه أن أمته لا تحسب وهو قوله: (لا نكتب ولا نحسب)، وهذا دليل على إلغاء اعتبار الحساب في إثبات الشهر.
ويجاب عنه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنّ الأمية صفة نقص لا صفة كمال، ولا تكون إلاّ عذراً، ولهذا اتخذ النبي ﷺ وسائل عديدة ـ كما هو مشهور في السيرة ـ لتعليم أمته القراءة والكتابة. وصفة النقص لا يطلب استدامتها، مما يدلّ على أنّ الحديث حديث عين وحال، أي أن عين الأمة في زمانه ﷺ وحالهم في وقته أنها أمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، ويجب تغيير هذا الحال ، فإذا تغيّر الحال تغيّر الحكم. وقد تغيّر الحال فصارت الأمة تكتب وتحسب ، فلا مانع ـ إذنْ ـ بعد تغيّر الحال من اعتبار الحساب.
الوجه الثاني: أنّ الحديث إذا كان بظاهره دالاً على إلغاء اعتبار الحساب، فهو ـ إذنْ ـ دالٌّ على إلغاء اعتبار الكتابة أيضاً، لأنه نصَّ على أنّ الأمّة أمّيّةٌ لا تكتب ولا تحسب، وهذا لا يجوز أن يقول به أحد، لأنّ النبي ﷺ اتخذ من الوسائل ما يجعل أفراد الأمة يتعلمون الكتابة.
الوجه الثالث: أنّ الحديث تفسير وتعليل لبيان الإجمال الواقع في حديث: ( فإنْ غمَّ عليكم فاقدروا له).
والمعنى فاقدروا له لأنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. فيكون من البيان بيان ما ينبغي أن يكون إذا صرنا نكتب ونحسب، ليدلّ على اعتبار الحساب إذا انتشر علم الحساب واطمأن الناس له.
وهذا نفسه ما يقال في استدلالهم بالحال، وهو ما ذكره الأئمة: النووي وابن حجر والمازري رحمهم الله، على أنّ الحساب علمٌ نادرٌ لا يعرفه إلاّ خاصة من المسلمين، ولذلك لم يعلق الشرع عليه إثبات الشهر ولا صيامه ، وإنما علق على أمر ظاهر يمكن للجميع أن يتحروا به الهلال وهو الرؤية. وقالوا: ” إنّ الناس لو كلفوا بالحساب ضاق عليهم، لأنه لا يعرف الحساب إلاّ أفراد من الناس في البلدان الكبار، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم ” (26).
فيقال: الأئمة رحمهم الله تعالى إنما يذكرون ما كان حال الحساب في زمانهم، أما اليوم فقد انتشر علم الحساب وانضبط بحيث أصبح علماً معروفاً بقواعده وأصوله، وإنّ كثيراً من المسلمين الأخيار علماء متمكنون فيه عالِمون به، فلو أُعمل الحساب في رصد الأهلة لكان أضبط في تحقيق الرؤية وأسدد.
أما ما ذكره ابن تيمية رحمه الله مستدلاً للمنع: ” إنّ أرباب الحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية ضبطاً مستمراً ، وإنما يقربوا ذلك فيصيبون تارة ويخطئون تارة” (27).
فيقال: إنما نأخذ من الحساب ما كان قطعياً يقينياً بحيث يكون إمكان الرؤية مقطوعاً به فلا يتطرق إلى ذلك شك أو خطأ.
فاتضح أنه لا مانع من الأخذ بالحساب لمعرفة إمكان الرؤية من عدمه، مع التنبّه إلى أنه: ليس إمكان الرؤية رؤية، بل لا بدّ من التحري للرؤية، فإنْ رؤي عند ذلك فيثبت الشهر، وإنْ لم يُر فلا يثبت الشهر بمجرد قول علماء الحساب إمكان رؤية الهلال.
ومع ذلك؛ فإن جواز الأخذ بالحساب في إثبات شهر رمضان وشوال مشروط بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون إعمال الحساب في إمكان الرؤية ونفيه، فلا يثبت بالحساب وحده دخول الشهر دون الرؤية، فلا بدّ من الرؤية، ويكون دور الحساب ـ فقط ـ إثبات هل الرؤية ممكنة أم لا؟.
الشرط الثاني: أن يكون من نوع الحساب الفلكي القطعي اليقيني الذي لا يختلف فيه اثنان من علماء الفلك، وقد توسّع الناس في اعتبار كل ما يدعيه علماء الفلك أنه من الحساب الذي يثبت به الرصد للأهلة، إلا أن الفقهاء انتبهوا لذلك، فبحثوا معهم إلى أن توصلوا إلى أن ما يعتمد من الحساب الفلكي في شأن الأهلة أمور ثلاثة فقط لا غير:
الأمر الأول: حدوث الاقتران للقمر، وساعة ذلك الاقتران.
الأمر الثاني: بقاء القمر بعد غروب شمس التاسع والعشرين من شعبان بالنسبة لرمضان، والتاسع والعشرين من رمضان بالنسبة لشوال.
الأمر الثالث: درجته في الأفق.
فإن قطع الحساب بعدم حدوث اقتران، فلا تقبل الشهادة بالرؤية، لأن القمر لا يولد أصلاً إلا بالاقتران.
وإنْ قطع الحساب بغروب القمر قبل غروب الشمس يوم التحري فلا تقبل شهادة بالرؤية، لأن الهلال لا يوجد وقت الترائي والتحري في الفضاء أصلاً.
وإن قطع الحساب أنّ القمر في درجة أو أقلّ من درجة في الأفق؛ فلا تُقبل الشهادة، لأنّ الدرجة وما دونها تستحيل معها الرؤية للهلال باتفاق أهل المعرفة، وهو الذي قطع به بعض الفقهاء كابن تيمية رحمه الله(28).
أما ما دون ذلك مما يذكره أهل الفلك من السطوع والزاوية ومدة المكوث فلا يعتّد بشيء منها.والله تعالى أعلم..