دخول المرأة في التطوعات ونوافل العبادات بدون إذن الزوج بين التحريم والكراهة، والجمهور على أنه لا يجوز لها ذلك وأنه يحرم عليها، فليس للزوجة أن تصوم تطوعاً إلا بإذن زوجها، وليس لها أن تحج حج النافلة إلا بإذنه، وليس لها الاعتكاف إلا بإذنه، وذلك للوجوه والأدلة الشرعية الآتية:
1ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ( لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا بإذنه) (1). والاعتكاف مثل الصوم.
2ـ أنّ نساء النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف ما بادرن إليه إلا بعد الاستئذان من رسول الله زوجهن خير البشر ﷺ .
ففي الصحيحين عن عائشة قالت: ” كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ قَالَ: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ فَضَرَبَتْ قُبَّةً وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْغَدِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ فَقَالَ مَا هَذَا فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ فَقَالَ مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا آلْبِرُّ انْزِعُوهَا فَلاَ أَرَاهَا فَنُزِعَتْ فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ”(2).
وفي رواية: ” فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ” (3).
وفي رواية: ” فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ حَفْصَةُ فَأَذِنَ لَهَا، وَكَانَتْ زَيْنَبُ لَمْ تَكُنِ اسْتَأْذَنَتْهُ فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاسْتَأْذَنَتْ” (4).
وفي رواية لابن عبد البر رحمه الله في الاستذكار بسنده : ” ثم ساتأذنته زينب فأذن لها”(5).
ففي الروايات الأربع أن عائشة استأذنت، وأن حفصة طلبت من عائشة أن تستأذن لها فأذن لها، وفي الرواية الثالثة أن حفصة استأذنت بنفسها، وفي الرواية الرابعة أن زينب أيضاً استأذنت فأذن لهن. فدلّ أن المرأة لا تعتكف إلا بإذن زوجها.
3ـ لأنّ الاعتكاف وسائر التطوعات والنوافل من حقوق الله المندوبات، وإذن الزوج حقه، وقد قدم الشرع حق الآدمي على حق الله تعالى، لاسيما في المندوبات والنوافل.
4ـ ولأن الزوج بعقد الزواج ملك منافعها، والاعتكاف يفوِّتها ويمنع استفاءها، فكان لابد أن تستأذنه.
وعلى هذا فمن حق الزوج أن يمنع زوجته من دخول الاعتكاف، ولكن الأليق بكل زوج مسلم والموافق لمروءة الرجل؛ أن يأذن لها إذا رغبت في الاعتكاف ما لم يترتب على ذلك ضرر ظاهر، أو يؤدي اعتكافها إلى ضياع واجبات لا يقدر هو الوفاء بها ونحو ذلك، وخيرٌ له بلا ريب أن يقتدي برسول الله ﷺ الذي أذن لأزواجه حين استأذنه، ولما كره من اجتماعهن في المسجد معتكفات وتنافسهن على ذلك لم يأمرهن بالخروج وقطع الاعتكاف صلوات ربي وسلامه عليه.
ثم إذا أذن الرجل لزوجته بالاعتكاف لا يليق به أن يرجع عن إذنه لها إلا لحاجة ظاهرة مهمة، وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه ليس للزوج الرجوع عن إذنه وليس له إخراجها من محل الاعتكاف، بينما ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الرجوع من حقه وأن إخراجها بعد دخولها الاعتكاف كذلك من حقه(6). والأخذ بقول أبي حنيفة ومالك أحرى، فلا ينسى الأزواج الفضل بينهم، والتعاون على ما هو برٌّ وتقوى، وما فيه صلاح القلوب وطهارة النفوس، ولاشك الاعتكاف من أسباب ذلك ومحققاته.