أولاً: هذه المسألة في الجملة هي من مسألة أخذ الأجرة على الإمامة والأذان وسائر الطاعات، وقد منع منها الحنفية والحنابلة، وأجازها المالكية والشافعية.
واستدل المجوّزون بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: ( إنّ أحقّ ما أخذتم عليه كتاب الله )(1). وقالوا: هو عام في جواز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى بالتعليم وغيره. وبما جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال: ( ألقَى عليّ رسول الله ﷺ ألفاظ الأذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة )(2).
ووجه الدلالة أن النبي ﷺكافأه على الأذان، فدل على مشروعية أخذ الأجرة على الأذان والإمامة وغيرهما من الطاعات.
واستدلّ المانعون بحديث المثنى بن وائل قال: أتيت عبد الله بن بشر فمسح رأسي ووضعت يدي على ذراعه فسأله رجل عن أجر المعلم؟ ـ أي معلم القرآن ـ فقال: ” دخل علَى رسول الله ﷺ رجل متنكب قوساً فأعجبت النبي ﷺ فقال: (ما أجود قوسك! أشتريتها؟) قال: لا ولكن أهداها إليّ رجل أقرأت ابنه القرآن. قال: ( فتحب أن يقلدك الله قوساً من نار؟) قال: لا، قال:( فردها)(3). وبحديث أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: “علمت رجلاً القرآن، فأهدى إلي قوساً فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ( إن أخذتها أخذت قوساً من نار) فرددتها “(4).
فهذه أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.
ثانياً: أما بخصوص طلب حفاظ القرآن وأصحاب الصوت الحسن الأجر على إمامة المسلمين في التراويح في شهر رمضان ويشترطون هذا الأجر على ذلك؛ فأقل أحواله الكراهة:
أ ـ لما ورد من أدلة المنع التي استدل بها الحنفية والحنابلة في حرمة أخذ الأجر على الإمامة والأذان وغيرهما.
ب ـ موقف ابن عمر رضي الله عنهما من المؤذن الذي يأخذ الأجر على الأذان، فعن ابن عمر رضي الله عنهما لما قال له المؤذن: إني أحبك في الله. قال له ابن عمر: وإني أبغضك في الله. قال: ولم؟ قال: إنك تأخذ على أذانك أجراً”(5).
ج ـ موقف الضحاك بن قيس من القارئ الذي يأخذ الأجر على القرآن، فعن الضحاك بن قيس: أن رجلاً قال: إني لأحبك في الله، قال له: ولكني أبغضك في الله، قال: لم ؟ قال: إنك تبغي في أذانك، وتأخذ الأجر على كتاب الله”(6).
د ـ أنّ هذا الطلب والاشتراط استئكال بالقرآن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه نَعَى على أولئك الذين يستأكلون بالقرآن، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ” تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَسَلُوا بِهِ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَتَعَلَّمُهُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ، وَرَجُلٌ يَسْتَأْكِلُ بِهِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “(7).
ومرَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ رضي الله عنه عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأْ عَلَى قَوْمٍ ، فَلَمَّا قَرَأَ سَأَلَ ، فَقَالَ عِمْرَانُ : “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: ( مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ)(8). وقال عمر رضي الله عنه: ” اقَرَؤُوا الْقُرْآنَ وَاطْلُبُوا بِهِ مَا عِنْدَ الله قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَهُ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ”(9).
والذي يشترط على الناس الأجر ويبالغ في ذلك ويبادر بالطلب والاشتراط اجتمع فيه الأمران: التباهي بالقرآن، والاستئكال به.
هـ ـ أنّ صلاة هذا الرجل وإمامته حين يطالب بالأجرة ويصرّ عليها ويشترطها لإمامة الناس في التراويح ويقول: لا أصلّي بكم ولا أسمعكم كلام الله حتى تعطوني كذا وكذا؛ فصلاة هذا الرجل أصبحت للمال لا لله.
و ـ أنّ الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن رجل يقول لقومه: لا أصلي بكم صلاة التراويح حتى تعطوني كذا وكذا. قال: أعوذ بالله!! مَن يصلي وراء هذا؟!.
والمعنى واضحٌ بيّنٌ: مَنْ يُصلِّي وراء إنسانٍ يستشرف لأجر الدنيا دون أجر الآخرة؟! نسأل الله السلامة والعافية(10).
ولهذا كله؛ حين يطلب الناس حافظاً للقرآن ليصلي بهم التراويح فاللائق بحامل القرآن أن يلبّي الطلب حباً وكرامة، فإذا أعطوه أخذ من غير استشراف لما في أيديهم، والذي في صدره وقلبه ـ والله ـ أعظم من الذي يوضع في جيبه.
ثالثاً: المعلوم أن كثيراً من هؤلاء الحفاظ فقراء ومحتاجون للمال لإقامة ضرورياتهم وحاجياتهم، وكثير منهم من طلبة العلم، فليحرص المسلمون في كل بلد على كفالة هؤلاء الحفاظ ولا يحوجوهم لاستشراف ما في أيدي الناس، ويلجؤوهم إلى اشتراط الأجرة للصلاة بالناس التراويح بختمة.
رابعاً: والأولى من ذلك أن يقوم ولاة الأمر بواجبهم تجاه حفاظ القرآن والأئمة والمؤذنين فيقرروا لهم أرزاقهم من الدولة بما يقيم ضرورياتهم وحاجياتهم، ولا يضطروهم لطلب ما في أيدي الناس والتذلل لهم، فحقهم والله التكريم، ولا يكون ذلك إلا برفع رواتبهم بما يليق بصاحب القرآن تعظيماً وتكريماً للقرآن الذي هو رسالة رب العزة للأمة والبشرية، ولا كرامة لأمة لا تكرم رسالة ربها إليها، ومن إكرام القرآن إكرام حامل القرآن وتوقيره وصيانته من أن يهان أو يذل فيذل نفسه وما يحمله من القرآن مقابل دراهم معدودة.
والمبادرة برعاية أهل القرآن هو حال الأمراء من السلف، قال أبو إياس معاوية بن قرة رحمه الله: “كنت نازلاً على عمرو بن النعمان بن مقرن رحمه الله تعالى، فلما حضر رمضان جاءه رجلٌ بألفي درهم من قِبَل مصعب بن الزبير رحمه الله، فقال : “إن الأمير يقرؤك السلام، ويقول: “إنّا لم ندع قارئاً شريفاً إلا وقد وصل إليه منا معروف، فاستعن بهذين على نفقة شهرك هذا”، فقال عمرو: “اقرأ على الأمير السلام وقل له: إنا والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا”، ورده عليه(11)..