اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

اعتــكاف المـــرأة فـي البيــت

السؤالأنا فتاة لم أتزوج بعد، وتربيت على ألا أخرج إلا في الأمور الضرورية والمهمة، وكذلك لا أحب أن أخالط البنات ولا مجتمع النساء كثيراً، وأرغب بشدة في الاعتكاف، ولكني أرى أني لو اعتكفت في المسجد مع مجموعة البنات والنساء سيكثر الأنس والتحادث وسيضيع كثير من الوقت ولن أتمكن من الاختلاء بربي، وكذلك أخشى أن يظهر مني شيء وغير ذلك من الأسباب، وسمعت أنه يجوز الاعتكاف في البيت، فهل يمكنني أن أعتكف في البيت؟.

في جواز اعتكاف المرأة في البيت خلاف بين الفقهاء(1).

ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصحّ الاعتكاف إلا في المسجد، فلا يجوز في البيت، لا للرجل ولا للمرأة.

واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة.

فمن الكتاب قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين. فنصّ على مكان الاعتكاف، ومن لطيف ما يستدل به من الآية أن الله تعالى نهاهن عن المباشرة والجماع في حال الاعتكاف في المسجد، مع أنه لا يتصور أن يباشر أحدهم أو أن يجامع في المسجد، فدلّ ذلك أن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد.

ومن السنة أنّ النبي ﷺ لم يثبت في صحيح ولا حسن ولا غيره أنه اعتكف في غير المسجد، وأنّ نساءه كن يعتكفن معه، فلم يأذن لإحداهن أن تعتكف في غير المسجد، فإنّ أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد(2).

وقد نقل بعض أئمة العلم الإجماع على ذلك فقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره : ” أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (3).

وقال الحافظ الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ” وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (4).

وهذا الإجماع باعتبار أن المذهب الثاني ـ آتي الذكر ـ لا يخرج عن مدلول المساجد، فهو صحيح بهذا الاعتبار. وقد شذّ ابن لبابة رحمه الله فقال بجواز وصحة الاعتكاف في غير المسجد(5).

وذهب الحنفية وسفيان الثوري والشافعي في القديم كما حكاه الخراسانيون وبعض العراقيين من الشافعية(6): إلى أنّ المرأة يجوز لها أن تعتكف في أي مسجد ويجوز لها أن تعتكف في بيتها في المكان المخصص لصلاتها فيه ويصح اعتكافها، بل لها ذلك أفضل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: ” للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإنْ شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيّها، ومسجد حيّها أفضل لها من المسجد الأعظم” (7).

ودليلهم على صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها:

1ـ أنّ قوله تعالى آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين عام في كل المساجد، فيعمّ مسجد الجماعة والمسجد الجامع والمساجد الثلاثة وكذلك مسجد البيت، لأنه في معنى المسجد، إذ المسجد هو مكان الصلاة وموضعها، فالموضع التي تخصصه المرأة في بيتها لصلواتها يكون مسجداً.

2ـ أن الشرع أعطى مسجد بيتها حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف، لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد حيّها،(8) وقد قال ﷺ: «صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى بَيْتِهَا »(9).

والراجح فيما نرى: أنّ كل قول من القولين له وجْهٌ شرعي يقبل الأخذ به، وعليه؛ نرى أنّ اعتكافها في المسجد أو في مصلاها في بيتها يكون بحسب الحال.

ـ ففي حالة أن يكون معها زوجها؛ فالاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.

ـ وفي حالة أن يكون في المسجد موضعٌ مخصص كمصلى للنساء منفصل بجدار أو بستار ومعها جماعة نساء؛ فالأفضل أن تعتكف في المسجد كذلك.

ـ وفي حالة أن لا يوجد مصلَّى خاص بالنساء، ولا فاصل يفصل الرجال عنهن، ولا يكون معها نساء أخريات؛ فالأفضل أن تعتكف في مصلّى بيتها.

ـ وفي الحالة التي ذكرتْ الأخت الكريمة أنها تخشى إفساد اعتكافها بالمخالطة وكثرة المؤانسة وتقليل فرص التعبد والذكر والتلاوة، مع اجتهادها في اجتنابهن وعدم المخالطة بهن، يكون الأفضل في حقها وفي حق مثلها أن تعتكف في مصلَّى بيتها.

ـ وفي حالة أن لا يأذن لها زوجها بالخروج إلى المسجد والاعتكاف فيه؛ ويَسمح لها بالاعتكاف في مصلَّى بيتها، خيرٌ لها أن تعتكف فيه بدل أن لا تعتكف بتاتاً. والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع: بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 203، المغني لابن قدامة ، ج3 ص 130، المجموع شرح المهذب ج6 ص 471 – 473 .
  2. سبق تخريج أخبار استئذان أمهات المؤمنين رضي الله عنهن رسول الله ♀ في الاعتكاف.
  3. تفسير القرطبي، ج2 ص 216 .
  4. الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 273 ، الفقرة 14816.
  5. راجع: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد، ج2 ص 203 ، المقدمات الممهدات لابن رشد الجد، ج1 ص 256. والقوانين الفقهية لابن جزي الكلبي، ص 134.
  6. راجع: بدائع الصنائع ج2 ص 113، بداية المجتهد ج2 ص 203 ، المجموع شرح المهذب ج6 ص 472 . شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر الطحاوي، ج12 ص 138 – 142 .
  7. بدائع الصنائع، ج2 ص 113 .
  8. راجع، بدائع الصنائع ج2 ص 113 .
  9. أخرجه أبو داود برقم 570 ، وابن خزيمة في صحيحه برقم 1688 وصححه الألباني، ومسند البزار برقم 2060.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d9%80%d9%80%d9%83%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%80%d9%80%d9%80%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d9%81%d9%80%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%aa/ — azubair.net