في جواز اعتكاف المرأة في البيت خلاف بين الفقهاء(1).
ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصحّ الاعتكاف إلا في المسجد، فلا يجوز في البيت، لا للرجل ولا للمرأة.
واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله تعالى. فنصّ على مكان الاعتكاف، ومن لطيف ما يستدل به من الآية أن الله تعالى نهاهن عن المباشرة والجماع في حال الاعتكاف في المسجد، مع أنه لا يتصور أن يباشر أحدهم أو أن يجامع في المسجد، فدلّ ذلك أن الاعتكاف قربة خصت بالمساجد.
ومن السنة أنّ النبي ﷺ لم يثبت في صحيح ولا حسن ولا غيره أنه اعتكف في غير المسجد، وأنّ نساءه كن يعتكفن معه، فلم يأذن لإحداهن أن تعتكف في غير المسجد، فإنّ أزواج النبي ﷺ استأذنه في الاعتكاف في المسجد(2).
وقد نقل بعض أئمة العلم الإجماع على ذلك فقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره : ” أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى (3).
وقال الحافظ الإمام ابن عبد البر في الاستذكار: ” وأجمعوا أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله تعالى تعالى (4).
وهذا الإجماع باعتبار أن المذهب الثاني ـ آتي الذكر ـ لا يخرج عن مدلول المساجد، فهو صحيح بهذا الاعتبار. وقد شذّ ابن لبابة رحمه الله فقال بجواز وصحة الاعتكاف في غير المسجد(5).
وذهب الحنفية وسفيان الثوري والشافعي في القديم كما حكاه الخراسانيون وبعض العراقيين من الشافعية(6): إلى أنّ المرأة يجوز لها أن تعتكف في أي مسجد ويجوز لها أن تعتكف في بيتها في المكان المخصص لصلاتها فيه ويصح اعتكافها، بل لها ذلك أفضل، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: ” للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإنْ شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيّها، ومسجد حيّها أفضل لها من المسجد الأعظم” (7).
ودليلهم على صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها:
1ـ أنّ قوله تعالى عام في كل المساجد، فيعمّ مسجد الجماعة والمسجد الجامع والمساجد الثلاثة وكذلك مسجد البيت، لأنه في معنى المسجد، إذ المسجد هو مكان الصلاة وموضعها، فالموضع التي تخصصه المرأة في بيتها لصلواتها يكون مسجداً.
2ـ أن الشرع أعطى مسجد بيتها حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف، لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، حتى كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في مسجد حيّها،(8) وقد قال ﷺ: «صَلاَةُ الْمَرْأَةِ فِى بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى حُجْرَتِهَا وَصَلاَتُهَا فِى مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهَا فِى بَيْتِهَا »(9).
والراجح فيما نرى: أنّ كل قول من القولين له وجْهٌ شرعي يقبل الأخذ به، وعليه؛ نرى أنّ اعتكافها في المسجد أو في مصلاها في بيتها يكون بحسب الحال.
ـ ففي حالة أن يكون معها زوجها؛ فالاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.
ـ وفي حالة أن يكون في المسجد موضعٌ مخصص كمصلى للنساء منفصل بجدار أو بستار ومعها جماعة نساء؛ فالأفضل أن تعتكف في المسجد كذلك.
ـ وفي حالة أن لا يوجد مصلَّى خاص بالنساء، ولا فاصل يفصل الرجال عنهن، ولا يكون معها نساء أخريات؛ فالأفضل أن تعتكف في مصلّى بيتها.
ـ وفي الحالة التي ذكرتْ الأخت الكريمة أنها تخشى إفساد اعتكافها بالمخالطة وكثرة المؤانسة وتقليل فرص التعبد والذكر والتلاوة، مع اجتهادها في اجتنابهن وعدم المخالطة بهن، يكون الأفضل في حقها وفي حق مثلها أن تعتكف في مصلَّى بيتها.
ـ وفي حالة أن لا يأذن لها زوجها بالخروج إلى المسجد والاعتكاف فيه؛ ويَسمح لها بالاعتكاف في مصلَّى بيتها، خيرٌ لها أن تعتكف فيه بدل أن لا تعتكف بتاتاً. والله تعالى أعلم.