اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

اعتكاف العاملين والموظفين

السؤالأنا موظف في إحدى الشركات، وحاولت كثيراً أن آخذ إجازتي حتى أتمكن من الاعتكاف في العشر الأواخر، ولكني عجزت عن ذلك، وأرغب بشدة في الاعتكاف، دلوني جزاكم الله خيراً على طريقة شرعية أتمكن بها على الاعتكاف في رمضان؟.

الأصل الواجب أن يكون الاعتكاف في المسجد، وقد جعل أكثر الفقهاء المسجد من شروط صحة الاعتكاف على خلاف في المسجد الذي يصح فيه، وذلك لقوله آية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين (1)فنصّ على أن الاعتكاف يكون في المساجد.

ولذلك لا يصلح أن يعتكف الموظف في المكتب أو في مكان عمله عموماً، لأنه يكون مخالفاً بأمرين:

أولهما: أنه لن يكون قد اعتكف في المسجد ، فلم يحقق شرطه فلا يصح اعتكافه.

وثانيهما: أنه سيترك عمله في وقت دوامه الرسمي لغير مصلحة العمل وصاحب العمل، وهذا الوقت وأداء العمل فيه هو حقّ صاحب العمل، وهو من حقوق الآدميين، وحقوق الآدميين مقدّمة على حقوق الله، لأنّ حقوقهم على المشاحة، وحقوق الله على المسامحة، فيأثم بذلك وهو يبحث بالاعتكاف عن الثواب.

والذي ننصح به الإخوة العاملين والموظفين الذين يعجزون عن التفرغ للاعتكاف: أنه متى ما عاد من عمله جاز له أن يدخل في الاعتكاف في المسجد الذي يرغب فيه بنية يعقدها، لمدة يقدرها حسب ظروف عمله وظروفه كل ليلة من ليالي العشر، أو من صلاة العصر إلى طلوع الفجر، أو أكثر أو أقل، فإنّ بعض السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعتكفون الساعة والساعتين.

فعن عطاء بن أبي رباح رحمه الله أنّ يعلى بن أمية رضي الله عنه ـ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ـ كان يقعد في المسجد الساعة فينوي بها الاعتكاف(2).

وروى ابن جريج رحمه الله أن يعلى بن أمية رضي الله عنه كان يقول لصاحبه: ” انطلق بنا إلى المسجد فنعتكف فيه ساعة” (3).

وهذا الذي عليه الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة رحمهم الله تعالى:

ـ فهو قول محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وظاهر رواية الإمام أبي حنيفة وهو المفتى به في المذهب الحنفي كما ذكر صاحب الدر المختار فقال: ” وأقله نفلاً ساعة من ليل أو نهار عند محمد وهو ظاهر الرواية عن الإمام لبناء النفل على المسامحة وبه يفتى، والساعة في عرف الفقهاء جزء من الزمان لا جزء من أربعة وعشرين. “اهـ(4).

ـ وهو المنصوص عن الشافعي والأئمة وقد قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع يشرح قول المهذب: ” ويجوز أن يعتكف ما شاء من ساعة ويوم وشهر”. فقال النووي: ” وهو الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه يشترط لبث في المسجد وأنه يجوز الكثير منه والقليل حتى ساعة أو لحظة”(5).

ـ ومن أئمة الحنابلة قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: ” وإنْ كان اعتكافه مدة غير وقت الصلاة كليلة أو بعض يوم جاز..” (6).

وقال المرداوي رحمه الله في الإنصاف: ” فعلى المذهب: أقله ـ إذا كان تطوعاً أو نذراً مطلقاً ـ ما يسمَّى به معتكفاً لابثاً، قال في الفروع: وظاهره ولو لحظة، وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقله ساعة لا لحظة.”(7).

والمالكية وإن كانوا على خلاف ذلك إذ أقل الاعتكاف عندهم يومٌ وليلة، ولا يصح اعتكاف أقل من يوم، ولكن عندهم بديل يصلح أيضاً للعاملين والموظفين ومن في حكمهم ممن لا يقدر على الاعتكاف الأيام والليالي، وهو الجوار.

والجوار شبيه بالاعتكاف لأنه يكون بالإقامة في المسجد بنية العبادة، والفرق بين الجوار والاعتكاف عندهم أن الاعتكاف يلزمه فيه الصيام والجوار لا يلزمه الصيام(8)، فإن جلس في المسجد ما شاء له أن يجلس بنية الجوار؛ نال الأجر والثواب بفضل الله وكرمه.

فطالما كان اعتكافك أو جوارك في المسجد، وقد عقدت به النية؛ فالمدة التي تمكثها فيها سعة عند أهل الفقه، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين ويسّره لنا.

الحواشي

  1. سورة البقرة الآية187.
  2. حلية الأولياء لأبي نعيم، ج3 ص 312، وانظر: حياة الصحابة ج3 ص 94.
  3. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9745، ج3 ص 89 – 90.
  4. الدر المختار مع رد المحتار (حاشية ابن عابدين) ج2 ص 131. وانظر: الاختيار لتعليل المختار ج1 ص 177 وقد فرق الحنفية بين الاعتكاف الواجب فلا يجوز أقل من يوم، وبين النفل منه فيجوز ساعة من زمان، أي لحظة أو دقيقة أو أكثر، فلا حد لمدة اعتكاف النفل.
  5. المجموع شرح المهذب للإمام النووي، ج6 ص 479 – 480 .
  6. المغني مع الشرح الكبير ج3 ص 129.الفقرة 2152.
  7. الإنصاف، ج3 ص 359.
  8. راجع: مدونة الفقه المالكي وأدلته ، للغرياني، ج1 ص 660 – 661 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d9%83%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%84%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b8%d9%81%d9%8a%d9%86/ — azubair.net