اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

الأكل والشرب ناسياً

السؤالصائمٌ مرَّ على مسافر يأكل الغداء ، فدعاه ، فأكل معه وشرب، ثم تذكر أنه كان صائماً ، وأنه أكل وشرب ناسياً. فما حكمه ؟

للعلماء فيه قولان :

القول الأول : للمالكية : قالوا : إذا أكل أو شرب بنسيان فسد صومه ووجب عليه القضاء.

وقال بقول مالك: الليث بن سعد وربيعة بن أبي عبد الرحمن وابن علية، مستدلين بجملة أدلة، منها (1):

1ـ الاستدلال بالحقيقة: وهو أن الإمساك ركن الصوم، ومن أكل أو شرب لم يكن ممسكاً، لأن صورة الصوم قد عدمت، وحقيقته بالأكل قد ذهبت، والشيء لا بقاء له مع ذهاب حقيقته، كالحدث يبطلُ الطهارة سهواً جاء أو عمداً.

2ـ الاستدلال بالقياس: وهو ثلاثة أقيسة:

الأول: قياس مساوٍ: وهو أنه بترك الإمساك وتناول المفطر ناسياً؛ أشبه ناسي الركعة من الصلاة ـ وهي ركن فيها ـ فإنه يأتي بها، فيقاس عليه من أكل أو شرب ناسياً، فإنه يكون قد أفطر فيأتي بهذا اليوم قضاء.

والقياس الثاني: قياس أولوي: وهو أن القضاء يجب على المريض بقوله تعالى ( فمن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)، فإذا وجب القضاء على المريض مع كونه أعذر من الناسي؛ وجب على الناسي بطريق الأولى.

القياس الثالث: القياس على الخطأ وهو ما رواه بشر بن قيس أنهم كانوا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأتي بسويق قال: فأصبنا منه، وحسبنا أنّ الشمس قد غابت، فقال المؤذن: قد طلعت الشمس،فقال عمر: “فاقضوا يوماً مكانه”(2). والمخطئ والناسي في القياس واحد.

ولكن ابن رشد الحفيد ـ وهو من أئمة المالكيةـ قال : “إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف، إنما القضاء عند الأكثر واجب بأمر متجدد” أ.هـ(3) .

القول الثاني: للجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم، وقال به الحسن بن حي والثوي وابن أبي ذئب والأوزاعي وأبو ثور وأهل الظاهر، أن من أكل أو شرب ناسياً في رمضان أنّ صومه صحيح لم يفسد، فلا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة. وهو قول عليّ وابن عمر وأبي هريرة من الصحابة ، وبه قال عطاء وطاووس وإبراهيم والحسن من التابعين رحمهم الله تعالى(4).

وقد استدلوا :

1ـ بحديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه)(5) .

2ـ وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً: (من أفطر في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة )(6).

3 ـ وبحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً: (من أكل في شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه)(7).

4ـ ما أخرجه الإمام أحمد عن مولاة لبعض الصحابيات أنها كانت عند النبي ﷺ فأتي بقصعة من ثريد فأكلت منها ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: ” الآن بعد ما شبعت!” فقال لها النبي ﷺ: ( أتمي صومك، فإنما هو رزق ساقه الله إليك)(8).

5 ـ كما استدلوا بقوله تعالى: آية كريمة(9)، قال : قد فعلت ، وبقوله ﷺ: (وضع عن أمتي الخطأ والنسيان).

وقد أجاب المالكية عن الحديث الأول: بأنه جاء لرفع الحرج عن المفطر نسياناً، ونفي الإثم عنه، وسقوط مؤاخذته، وهو أمر بإتمام صوم ذلك اليوم ، وهو أمر بإمساك بقية اليوم ، لا بعدم القضاء، فلا يعارض إيجاب القضاء عليه(10).

وقد سأل الوليد بن مسلم رحمه الله مالكاً عن ذلك، قال: سألت مالك بن أنس رحمه الله عن حديث النبي ﷺ: (من أكل وهو صائم وهو ناسٍ فليتم صومه، فإنما هو رزق ساقه الله إليه). فقال مالك رحمه الله: «الحديث صحيح، ولكن عنى به النبي ﷺ النافلة لا الفريضة، أَمَا سمعت إلى قول النبي ﷺ: ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان). فكلّ من ترك شيئاً من هذا ناسياً فعليه القضاء، وإنما الحديث في التطوع لا في الفريضة»(11).

وعن الأحاديث الأخرى بجوابين(12):

الجواب الأول: أنّ الحديث محمول على صوم التطوع، أما صوم الفريضة فلا، لأنه بأكله أو شربه ولو ناسياً قد أتى بضدّ ركنه “الإمساك”، ولا يبقى إمساك مع عدم الإمساك في الصوم أبداً.

الجواب الثاني: بما أنّ هذه هي القاعدة لا تبطل بخبر الواحد، والأصل عندهم أنّ خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعمل به.

ومع أنّ استدلال المالكية قويّ وما احتجوا به صحيحٌ؛ إلاّ أن مذهب الجمهور أقوى وأرجح لوجهين، هما:

الوجه الأول: أنّ المعتبر في الأمور الشرعية اعتبار الشرع لا حقيقة الأمر في نفسه، وطالما جاءت النصوص فاعتبرت الأكل أو الشرب نسياناً لا يفسد الصوم؛ فهذا عليه المعتمد.

ثانياً: النصّ الصريح الذي حكم على الآكل والشارب نسياناً أنه لا قضاء عليهما، وهي:

1ـ حديث أبي هريرة وفيه: ( فلا قضاء عليه ولا كفارة ).

2ـ حديث أبي سعيد الخدري وفيه: ( فلا قضاء عليه ).

3ـ حديث ابن سيرين وفيه : ( أتم صومك ولا شيء عليك) وهو الخبر الذي رواه ابن عبد البر بسنده عن رجل قال: يا رسول الله! إني أكلت وشربت ناسياً في رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ: ( الله أطعمك وسقاك أتمّ صومك ولا شيء عليك)(13).

وكلها نصٌّ في محل النزاع ، وتصريح بصحة صوم من أكل أو شرب ناسياً، وأنه لا قضاء عليه، تصريحاً لا يقدم عليه قياس ولا تأويل .

وقد رجّح من أئمة المالكية مذهب الجمهور الإمام ابن رشد الحفيد، بما أشعر من تضعيف إيجاب القضاء بالقياس، والإمام القرطبي المفسّر في أحكامه الذي قال بعد ذكر احتجاج المالكية: ” هذا ما احتج به علماؤنا وهو صحيح، لولا ما صحّ عن الشارع ما ذكرناه، وقد جاء بالنصّ الصريح…. ثم قال: فزال الاحتمال، وارتفع الإشكال، والحمد لله ذي الجلال والكمال”(14).

الحواشي

  1. راجع: المدونة برواية سحنون، ج1 ص 289-291، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 186 وما بعدها، المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي لابن العربي، ج3 ص 247، بداية المجتهد ج2 ص 182، تبيين المسالك ج2 ص 162-163، الفقه المالكي وأدلته الحبيب بن طاهرن ج2 ص 90، مدونة الفقه المالكي وأدلته للغرياني، ج1 ص 648.
  2. راجع الخبر في : المدونة، برواية سحنون، ج1 ص 290ـ 291، ومثله عن ابن وهب وغيره في مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص 23-25.
  3. بداية المجتهد 2/182 .
  4. راجع الاستذكار، لابن عبد البر، ج10 ص 186 وما بعدها.
  5. أخرجه الشيخان: البخاري في الصيام برقم 1933، ومسلم في الصيام برقم 2709.
  6. أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني وصححه ابن حجر في بلوغ المرام بشرح سبل السلام 2/660 ، وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
  7. حسنه ابن حجر في الفتح 4/186 وقال : “يصلح للاحتجاج” .
  8. أخرجه أحمد في المسند برم 27114، وعبد بن حميد في مسنده برقم 1590، وقد ضعفه شعيب الأرناؤوط في مسند أحمد ج6 ص 367، ولم يذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج4 ص 157، له تصحيحاً ولا تضعيفاً.
  9. (1) البقرة : 286.
  10. راجع: المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي لابن العربي، ج3ص 247، الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 90، مدونة الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 648.
  11. مختصر تاريخ دمشق، لابن منظور الأفريقي، ج1 ص 416.
  12. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ج3 ص 200-201، المسالك لابن العربي، ج4 ص 223، عارضة الأحوذي، ج3 ص 247، الفقه المالكي وأدلته ج2 ص 91.
  13. الاستذكار برقم 14496، ج10 ص188.
  14. تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج3 ص 201. وبداية المجتهد الموضع السابق.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%83%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%a8-%d9%86%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%8b/ — azubair.net