الحجامة هي فصد قليل من الدم من على سطح الجلد باستخدام كأس زجاجي لتخفيف بعض الآلام والأوجاع والأمراض(1) . وهي والفصد بمعنى واحد.
وفي حجامة الصائم ذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم والمذاهب الفقهية المتبوعة إلى أنها لا تفسد الصوم ولا تفطر الصائم ، ومن احتجم وهو صائم صحّ صومه وبقي ولا شيء عليه لا قضاء ولا كفارة . وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : (أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم)(2).
ولهـذا :
كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يحتجم وهو صائم .
وكان الزبير بن العوام رضي الله عنه يحتجم وهو صائم ثم لا يفطر، قال عروة: “وما رأيته احتجم قط إلا وهو صائم”(3) .
وقال بكير عن أم علقمة : “كنا نحتجم عند عائشة فلا نُنهى”(4) .
وكان أنس يحتجم وهو صائم(5) .
وكره مالك وأبو حنيفة الحجامة إذا كانت تضعفه عن الصوم ، وهو ما روي عن أنس بن مالك .
وذهب الحنابلة وجماعة من أهل الحديث إلى أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم لحديث النبي ﷺ: ( أفطر الحاجم والمحجوم)(6). فمن احتجم صائماً فعليه القضاء .
وشذ عطاء عن جماعة العلماء فأوجب الكفارة في الاحتجام(7) .
والصحيح : مذهب الجمهور أنه لا يكره الاحتجام إلا إذا كان يضعف عن الصوم ، وأنه لا قضاء عليه ، لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيح أنه احتجم وهو صائم .
أما حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) فلم يأخذ الجمهور بظاهره لأسباب:
منها : أن الأصل في الصائم أنه لا يكون مفطراً إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض لها ، وهذا الحديث له معارض، وهو ما صحّ عند البخاري وغيره ؛ أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم .
ومنها : أن حديث ( أفطر الحاجم والمحجوم ) نسخه حديث ابن عباس ( احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم ) ، لأن الحديث الأول وقع عام الفتح، وحديث ابن عباس وقع في حجة الوداع لأن في بعض رواياته الصحيحة ( احتجم صائماً محرماً ) وابن عباس شهد معه حجة الوداع(8).
ولأنه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: ( رخّص رسول الله ﷺ في الحجامة للصائم)(9) .
ومنها : أن الظاهر مؤول بأن المراد بقوله : ( أفطر الحاجم والمحجوم ) أنهما أفطرا : أي فقدا ثواب الصوم ، وكسبا أثماً ، لأنهما كانا يغتابان في صومهما(10). والله تعالى أعلم ..