اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

الاختلاف في بداية شهر رمضان

السؤالدائماً في كل سنة يختلف الناس في بداية شهر رمضان وكذلك في العيد، وهذا طبعاً يؤرق كثيراً من المسلمين ويجعلهم لا يثقون بصومهم ولا بفطرهم، وبعضهم يظنّ أنّ العلماء يختلفون فيما بينهم كثيراً من أجل أن يختلفوا لا غير، لأنهم يرون أنّ الصحيح أنْ لا يختلفوا في مثل رمضان وشوال، فما رأيكم؟ وما سبب هذا الخلاف الذي غالباً ما يقع سنوياً فيصوم بلد يوماً ويصوم بلدٌ آخر في يوم آخر؟.

اسمح لي أخي السائل أنْ أفصّل في جواب هذا السؤال شيئاً ما لأهميته ولأن الجواب يحتاج بالفعل إلى بعض التفصيل، فنقول بتوفيق الله تعالى:

أولاً: إنّ من المعلوم عند الفقهاء أنه لا يجب صيام رمضان إلاّ إذا ثبت دخول الشهر الكريم، وقد حكى ابن عبد البر رحمه الله عن جمهور أهل العلم أنّ” الأصل أنّه لا يصام رمضان إلاّ بيقين من خروج شعبان، كما لا يقضى بخروج رمضان إلاّ بيقين ” (1).

إذَنْ وحتى يصوم الناس رمضان لا بدّ من التيقن بدخول رمضان وخروج شعبان، وهذا ما يفعله علماء المسلمين في كل بلد، يجتهدون ويتحرون الشهر بطرق تحريه ليثبتوا خروج شعبان ودخول رمضان.

ثانياً: إنّ اختلاف الناس في بداية الصوم ونهايته مقرٌّ غير منكر و ليس فيه شئ يؤاخذ به فريق منهم، فهو مقرٌّ منذ عهد الصحابة من سلف الأمة الأخيار والقرون الخيرة عليهم رضوان الله تعالى، فعن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: ” فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهلّ عليّ هلال رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس رضي الله عنهما: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته ليلة الجمعة؟ فقلتُ: رآه الناس فصاموا وصام معاوية. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه. فقلتُ: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” (2).

وقوله: “هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ” يدلّ على أنّ الصحابة رضوان الله عليهم وبأمر النبي ﷺ كانوا يقرّون الاختلاف في بداية الصوم ونهايته دون إنكار بعضهم على بعض، أو تعنيف بعضهم لبعض، مما يؤكّد أنّ أمر اختلاف بدايات الصوم بين الدول اليوم شئ لا يقلق ولا يخيف بل هو اختلاف سائغ مشروع ولا يدخل في مظاهر الفرقة والتنازع الممقوت والمذموم.

ثالثــاً: مما يجب أن نعلمه ونعرفه في هذه المسألة: أنّ الاختلاف في بدايات الصيام بين الدول مبنيٌّ على ما يُعرف باختلاف المطالع، ولا خلاف بين العلماء في حقيقة اختلاف المطالع في نفسها، والخلاف بينهم إنما هو في اعتبار اختلاف المطالع لا في نفس اختلاف المطالع وحقيقته، ثم اتفقوا أيضاً على اعتبار اختلاف المطالع بين الأندلس وخراسان(3).

ومع أنّ المشهور في مذهب الجمهور عدم اعتبار المطالع، وأنه إذا ثبت الهلال في بلد لزم الجميع، فإنّ من الفقهاء من قال باعتبار اختلاف المطالع وجواز الأخذ به والعمل بموجبه، كبعض الحنفية، وبعض المالكية كالإمام القرافي وابن الماجشون، فيكون الصوم عندهم برؤية البلد وإن خالفت رؤية بلد آخر، إلاّ إذا أمر الإمام الأعظم [الحاكم ] بالصوم برؤية غير البلد ـ كما يرى ابن الماجشون ـ.

ـ والمشهور للشافعية اعتبار اختلاف المطالع في القرب في حدود 72 ميلاً أو 133 كلم.

ـ والصنعاني صاحب سبل السلام يرى اعتبار اختلاف المطالع في البلاد المنفصلة، ولا عبرة باختلافها في البلاد القريبة والمتصلة بها من الجهات التي على سمتها، ” أي خطوط الطول” (4).

رابعـاً: جاءت الإشارة إلى اعتبار اختلاف المطالع وبالتالي اختلاف الناس في بداية رمضان ونهايته في القرآن الكريم في موضعين:

الموضع الأول: عند قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين والشهر ههنا هلاله، وهذا يعني أنه قد يشهد هلال الشهر أهل السودان ولا يشهده أهل موريتانيا، وقد يشهده الناس في بلاد المشرق ولا يشهدونه في بلدان المغرب، فمن شهد منهم الشهر مطالب بالصوم، وبدلالة مفهوم، “ومن لم يشهد منكم الشهر فليس مطالباً بالصوم” فيتسبّب ذلك في أنْ يتقدّم هؤلاء ويتأخر أولئك.

والموضع الثاني: وهو أصرح من الأول، عند قوله تعالىآية كريمة من كتاب سؤالات الصائمين ويلاحظ أن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت الناس ـ في عباداتهم خاصة وعاداتهم عامة ـ ، بينما جعلها ميقاتاً واحداً للحج، ومعنى ذلك: أنّ الهلال أهلة كثيرة في المواقيت كلها بما فيها مواقيت الصيام تتعدد وتتفاوت وتختلف باختلاف المطالع، ولكنه بالنسبة للحج ميقات واحد، وهذا موافق تماماً لواقع الحال في الأمة في تاريخها حيث إنهم مهما اختلفوا في بدايات شهر الصوم؛ فإنهم يتوحّدون يوم الحج الأكبر ويوم عرفة من غير اختلاف أو إبداء أدنَى تنازع، ولله الحمد والمنّة.

خامساً: مما يجب التنبيه إليه في شأن اختلاف الناس في إثبات شهر الصوم، أنّ في هذا الاختلاف منافع شرعية عظيمة، فإنّه به يطول شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّار، وتطول الأيام على أبواب الجنة المفتّحة وأبواب النار المغلّقة ببقاء شهر رمضان، كما تطول أيام التعطّل عن الإغواء بالشيطان، والاحتواء للشياطين ومردتها حتى يكثر مريدو التوبة والأوبة إلى الله، وحتى يكثر العائدون إلى ربهم، والفارّون إلى الله، فكلّ هذا الخير لو كان المطلع واحداً، وأيام الشهر في سائر الدنيا موحّدة لا تقبل التمدّد بتأخّر يوم بين مطلع ومطلع؛ لقلّ هذا الخير وانحصر، والله تعالى هو الرّحمن الرّحيم وسعت رحمته كل شئ، يمنّ على عباده من النفع والنفح ما يدفعهم به إلى جناته بكرمه وفضله، فليس شراً ـ إذنْ ـ أنْ يختلف الناس في أول الشهر فيبدأ هؤلاء اليوم ويبدأ أولئك غداً، ولا داعي للقلق بشأن ذلك أبداً.

الحواشي

  1. الاستذكار لابن عبد البر ، ج10 ص 19 .
  2. أخرجه الترمذي في كتاب الصيام، حديث رقم 963 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح.
  3. راجع حاشيه ابن عابدين ج2ص96، الاستزكار لابن البر ج10ص30
  4. يراجع: بدائع الصنائع ، للكاساني ، ج2 ص 79ـ80 ، الاستذكار لابن عبد البر ج10 ص 18 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ae%d8%aa%d9%84%d8%a7%d9%81-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%b4%d9%87%d8%b1-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86/ — azubair.net