اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

الاعتــكاف عـــن الميّـت

السؤالوالدي نذر أن يعكتف في مسجدنا في الحي، ثم لم يعتكف حتى مات، فهل يجوز لي أن أعتكف نيابة عنه لأوفي له بنذره؟.

اختلف العلماء في قضاء الاعتكاف الواجب بالنذر عن الميت على أربعة أقوال:

القول الأول: أنه يجوز القضاء عن الميت، والذي يقضي عنه هو وليه، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة، ورواية عن الإمام الشافعي، والليث بن سعد، وأبي ثور، والحسن بن حي، وإسحاق بن راهويه، وهو قول طاووس والحكم، وقول ابن عباس وعائشة رضوان الله تعالى عليهم (1).

القول الثاني: أنه لا يصحّ أن يعتكف عنه غيره، لا وليه ولا أجنبي عنه، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية في مشهور المذهب ونصوص الشافعي، وقول محكي عن الحنابلة، وهؤلاء منهم من أمر بالإطعام عنه لو أوصى بذلك ، ومنهم من أوجب الإطعام عنه وإنْ لم يوصِ بذلك(2).

القول الثالث: أنه يجب على وليه القضاء عنه بنفسه أو باستئجار غيره، وهو قول الظاهرية، وقد قال ابن حزم رحمه الله في المحلى : ” ومن مات وعليه نذر اعتكاف قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه لا بد من ذلك”(3).

القول الرابع: الترتيب بين الإطعام والقضاء، وكلاهما جائز، والأَوْلَى الإطعام، فإن لم يجدْ؛ اعتكف عنه. وهذا قول سفيان الثوري والأوزاعي رحمهما الله تعالى.

قال الثوري رحمه الله: ” الإطعام عنه أحبّ إليّ من أن يعتكف عنه”.

وقال الأوزاعي رحمه الله: ” يعتكف عنه وليه إذا لم يجد ما يطعم”(4).

والراجح هو القول بصحة القضاء عن الميت وجواز ذلك، لظهور أدلتهم وقوتها، ومن الأدلة الظاهرة على ذلك:

1ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ سعد بن عبادة رضي الله عنه سأل رسول الله ﷺ : ” إنّ أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه؟ فقال ﷺ: ( أقضه عنها )(5). وهو عام في كل نذر طاعة.

2ـ حديث الصحيحين أنّ رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: ” يا رسول الله! أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي ﷺ : ( لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟) قال: نعم. فقال ﷺ : (فدين الله أحق أن يقضى)(6) .

وحديث البخاري أن امرأة جاءت إليه ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال ﷺ: (حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دينٌ ألست قاضيه؟) قالت : نعم. فقال ﷺ: ( فاقضوا الله، فالله أحق بالوفاء)(7).

والدلالة على جواز القضاء عن الميت من وجهين:

الوجه الأول: قوله ﷺ في الخبر الأول: ( فدين الله أحق بالقضاء ) وقوله في الخبر الثاني ( فالله أحق بالوفاء) دليل على أنّ حقوق الله من العبادات الواجبة تُقضَى، ودين الله عام في سائر الحج والصوم والاعتكاف.

الوجه الثاني: أنه لا فرق بين قضاء الصوم عن الميت ـ كما في الحديث الأول ـ وقضاء الحج عنه ـ كما في الحديث الثاني ـ وبين قضاء الاعتكاف، لأنها جميعاً من العبادات العينية، فلزم قياس الاعتكاف على الصوم والحج في قضائه عن الميت.

3ـ حديث عائشة أن النبي ﷺ قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) (8).

وهذا صريح في صحة قضاء الوليّ عن الميت الصيام الواجب، فيقاس عليه قضاء الاعتكاف الواجب عنه لكونهما عبادة عينية. ويؤكد صحة إلحاق الاعتكاف ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: ” هذا في النذر” (9).

4ـ ما روي عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أُمَّهُ نَذَرَتْ أَنْ تَعْتَكِفَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَعْتَكِفْ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ” اعْتَكِفْ عَنْ أُمِّك” (10).

5ـ ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات(11).

أما ما روي عن ابن عباس وابن عمر : ” لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد”(12) فهو مخالف للصريح الصحيح من قول النبي ﷺ: ( ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه). ولأن ابن عباس قد روي عنه أن مذهبه وما أفتى به صحة قضاء الاعتكاف عن الميت. وكذلك حديث عائشة في سنن البيهقي الكبرى(13): ( لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم) لأنه ضعيف جداً لا يحتج بمثله أبداً(14). ولأنه مخالف لما روي عنها أنها اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.

والله تعالى أعلم.

الحواشي

  1. راجع: المغني مع الشرح الكبير، ج3 ص 93 – 94، كشاف القناع، ج2 ص 335 – 336، الإنصاف للمرداوي، ج3 ص 339 ـ 340، المجموع شرح المهذب للنووي، ج6 ص 394، المحلى بالآثار لابن حزم، ج3 ص 433، المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 93 – 94.
  2. راجع: بدائع الصنائع ج2 ص 118، المدونة الكبى ج1 ص 338، المجموع شرح المهذب ج6 ص 394، الإنصاف للمرداوي ج3 ص 339.
  3. المحلى بالآثار لابن حزم، ج3 ص 432 الفقرة رقم 635.
  4. راجع قولهما في المحلى ج3 ص 433.
  5. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2461 ومسلم في صحيحه برقم 1638.
  6. البخاري في صحيحه برقم 1953، ومسلم برقم 2750 .
  7. أخرجه البخاري برقم 1852، وبرقم 6699، و7315.
  8. أخرجه البخاري برقم 1952، ومسلم برقم 2748، وأبو داود برقم 2402.
  9. سنن أبي داود، ج2 ص 289 .
  10. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم 9787.
  11. المصنف لابن أبي شيبة ج3 ص 94، برقم 9788. وفيه عامر بن مصعب وقد وثقه ابن حبان راجع التقريب ج1 ص 389.
  12. أخرجه مالك في الموطأ، برقم 669، عن ابن عمر رضي الله عنهما، والسنن الكبرى للنسائي برقم 2930، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
  13. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 8021.
  14. راجع فتح الباري ج4 ص 194.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d9%80%d9%80%d9%83%d8%a7%d9%81-%d8%b9%d9%80%d9%80%d9%80%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%8a%d9%91%d9%80%d8%aa/ — azubair.net