هذه المسألة من نوازل العصر، وقد ذهب فيه علماء الشرع إلى قولين:
القول الأول: أنه لا يضرّ الصائم المريض بحساسية الربو “الأزمة الصدرية” استعمال البخاخ أثناء الصيام، ولا يفسد ذلك صومه، ويستمر في صومه ولا شيء عليه.
وهو الذي ذهب إليه مجلس الإفتاء الشرعي في السودان، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وبه قال الشيخ القرضاوي، وهو قول ابن باز وابن عثيمين وغيرهم(1)..
وأصدر مجلس الإفتاء الشرعي في السودان في جلسته بتاريخ 11/3/1995م فتوى في أمر استعمال البخاخ للصائم المريض بالأزمة ونصها: ” لا مانع شرعاً من استعمال البخاخة للصائم لأنها لا تعد طعاماً ولا شراباً “.
والقول الثاني: أنه مفطر، وعلى من احتاج إلى استعماله القضاء: وهذا ما ذهب إليه الشيخ الغرياني مفتي ليبيا في كتابه( مدونة الفقه المالكي)، وغيره(2). وحجتهم في فساد الصوم باستعمال البخاخ:
1ـ أن هواء البخاخ لا يختلف عن بخار القدر في إفساد الصوم، لأن بخار القدر منعشٌ ومغذٍّ، وهذه الصفة متحققة في بخاخ الربو.
2ـ أن مادة دواء البخاخ مركبة من أجزاء خاصة غير أجزاء الهواء المعتاد، وهو دواء منه ما هو سائل ومنه ما هو غاز، وتناول ما هو سائل يفطر، ولا يختلف الدواء في حقيقته ، فكان مفطراً.
3ـ أنّ شيئاً من مكونات هذا الدواء يصل إلى المعدة بمنفذ معتاد، فكان مفطراً.
إلا أنّ الشيخ الغرياني مع رأيه هذا؛ ذهب إلى أنه لا قضاء على من يستعمله بصفة دائمة. تخريجاً على قول بعض المالكية في العطشان إذا بلغ العطش به مبلغاً شديداً؛ أنّ له أنْ يشرب ولا قضاء عليه (3).
فاتفق مع القول الأول القاضي بعدم تأثير استعمال البخاخ أثناء الصيام على الصائم.
وعليه: فإن الراجح هو القول بجواز استعمال البخاخ لمرضى حساسية الربو أثناء صيامهم في نهار رمضان، ولا قضاء عليهم، بل يبقى صيامهم دون فساد.
والدليل على صحة صومهم وعدم الإفطار بالبخاخ أمورٌ:
الأول: أن الأصل صحة الصيام وبقاؤه حتى يرد دليل على فساده، ولا دليل على فساد من استعمل البخاخ عند حاجته أو اضطراره.
الأمر الثاني: أنّ حجة من رأى فساد الصوم باستعمال البخاخ هو وصول شيء من رذاذ البخاخ إلى المعدة. وهذا مشكوك فيه، غير متفق عليه بين الأطباء أهل الشأن والمعرفة بذلك، فلا يزيل يقين الصوم.
الأمر الثالث: حتى لو وصل شيء منه إلى جوف المعدة، فإنه يسير معفو عنه لا يضر صوم الصائم لأمرين:
أولهما: أنه أقل من الذي يصل إلى الجوف من بقية المضمضة باتفاق أهل المعرفة، فالبخاخ مقدار المحلول فيه (10 ملليرات) تكفي لـ مائتي بخة. وعليه فالبخة الواحدة مقدارها جزء من عشرين (1/20 من الملليتر الواحد)عامته تذهب إلى الرئة والشعب الهوائية والقصبة الهوائية، ثم جزء من هذا قد يصل إلى المعدة. ومثل هذا لا يفطر.
ثانيهما: أنه أقل من بقايا السواك الذي يصل إلى المعدة، والرسول ﷺ كان يستاك وهو صائم ما لا يحصى من المرَّات، كما حدّث عامر بن ربيعة رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري عنه قال: ” رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي، أو أعد” (4).
فإذا لم يحصل الفطر بسبب السواك والمضمضة ؛ فمن باب أولى لا يحصل برذاذ البخاخ.
الأمر الرابع: أنه لا يشبه الأكل والشرب، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الأكل والشرب، ولا يذهب جوعاً ولا عطشاً. فلا يكون مفسداً للصوم
وعلى هذا: فصحيحٌ أن يصوم مريض الأزمة (حساسية الربو) ويواصل في صومه، وإن احتاج إلى استخدام البخاخ ..
ولكن مع ذلك: يحسن له أن يصبر إلى الغروب مراعاة للخلاف وخروجاً منه، إنْ لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو ازدياد الربو، أو المعاناة والمشقة. والله تعالى أعلم ..