[1] ذهب أكثر أهل العلم من السلف الصالح والمذاهب الفقهية المشهورة إلى أنّ قضاء رمضان يجوز متتابعاً ويجوز متفرقاً ولكن القضاء متتابعاً أحسن، وهو قول الأئمة الأربعة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وسفيان الثوري والأوزاعي، ومن التابعين: الحسن البصري وسعيد بن المسيب وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة والشعبي وأبي قلابة ومجاهد وغيرهم. وسبقهم إلى ذلك جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم ومنهم: علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة ، ومعاذ بن جبل وغيرهم.(1).
[2] وقال الظاهرية : يجب أن يقضيها متتابعة ويجزئه القضاء متفرقاً إن لم يفعله متتابعاً (2)، وحكي عن بعض السلف من الصحابة والتابعين منهم: ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والنخعي(3).
[3] وحكي عن الطحاوي أنه قال:”التتابع والتفريق سواء، ولا فضيلة في التتابع”(4).
والراجـح :
ما ذهب إليه الجمهور ، فقضاء رمضان يجوز أن يكون متتابعاً ويجوز أن يكون متفرقاً، فلا يأثم من قضى ما عليه من رمضان متفرقاً ، ولكن يستحب لمن أراد القضاء أن يقضي ما عليه متتابعاً وذلك للأدلة الآتية:
[1] ظاهر قوله تعالى: (5).والدلالة على جواز التتابع والتفرق في موضعين من الآية الكريمة:
الموضع الأول: في قوله عز وجل: وهذا مطلق غير مقيّد بتتابع أو غيره، فجاز التفرق كما يجوز التتابع.
الموضع الثاني: في قوله سبحانه: ومقتضى اليسر أن يقضي من عليه القضاء بما هو أيسر عليه، فمن رأى أن اليسر له أن يفرق القضاء، فله ذلك .
ومن جميل ما روي في هذا المعنى قول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، فقد قال في قضاء رمضان: ” إنّ الله لم يرخّص لكم في فطره وهو يريد أن يشقّ عليكم في قضائه “(6).
[2] ما روي عن النبي ﷺ في ذلك، فعن صالح بن كيسان قال: قيل: يا رسول الله! رجل كان عليه قضاء من رمضان فقضى يوماً أو يومين منقطعين أيجزيء عنه؟ فقال رسول الله ﷺ:( أرأيت لو كان عليه دين فقضاه درهما ودرهمين حتى يقضي دينه أترون ذمته برئت؟ قالوا: نعم. قال: يقضي عنه ) وعن محمد بن المنكدر قال بلغني ثم أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال:(ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو أو يغفر)(7).
[3] أنه قول جماهير الصحابة رضوان الله عليهم ، ومن نسب إليه القول بوجوب التتابع فإنه لم يثبت ذلك.
فعليٌّ رضي الله عنه روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد أخرج البيهقي في سننه عن عليّ أنه كان لا يرى به متفرقاً بأساً(8).
وابن عمر رضي الله عنهما روي عنه القول بجواز التفريق كما روي عنه القول بالتتابع، فقد روي عنه قوله: ” إن سافر فإن شاء فرّق وإن شاء تابع”(9).
والنسبة إلى عائشة غير محققة ، لأنهم إنما نسبوا القول بوجوب التتابع إليها لقولها: ” نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات ، فسقطت متتابعات” (10).فهذا الخبر لا يثبت ولا يصح ، ولو صح؛ فإنها ذكرت أن التتابع قد نُسخ وسقط، فلم يعد مطلوباً.
وعلى هذا فالراجح أن الأمر على السعة بسعة رحمته تعالى ومقتضى تيسيره على أهل الصيام أداءً أو قضاءً ، فله الحمد والمنّة الرحيم الرحمان.