التهنئة هي التبشير بالخير وأسبابه، فلا بأس أن يهنّئ المسلم إخوانه بقدوم شهر رمضان، وهو شهر الخير ومضاعفة الأجر، فيه ما فيه من الخير كما ورد في الأخبار.
ومما يدل على جواز التهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك جملة أدلة، منها:
1ـ تبشير النبي ﷺ أصحابه بمجيء الشهر المبارك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ يبشر أصحابه: ( قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه يفتح فيه أبواب الجنة ويغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم )(1) .
وفي اللطائف لابن رجب:« قال بعض العلماء: هذا الحديث أصلٌ في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان ».
قال ابن رجب مقرّاً بهذا مؤيداً له: « كيف لا يبشَّر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟ كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان »(2).
وقال صاحب مرقاة المفاتيح :«هو أصل في التهنئة المتعارفة في أول الشهور بالمباركة»(3).
2ـ واستدل السيوطي رحمه الله بحديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: « خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: ( يا أيها الناس! قد أظلّكم شهرٌ عظيم، شهرٌ مبارك، شهرٌ فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدَّى فريضة فيه كان كمن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: ليس كلّنا نجد ما يفطر الصائم!! فقال : (يعطي الله هذا الثواب من فطّر صائماً على تمرةٍ أو شربةِ ماءٍ أو مذقةِ لبنٍ، وهو شهرٌ أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النار) الحديث» (4).
ونقل السيوطي عن ابن رجب أنه قال: « هذا الحديث أصلٌ في التهنئة بشهر رمضان»(5).
3ـ ومما يدل على جواز ذلك، ما فعله سيد الأولين والآخرين ﷺ مع أبي المنذر أبي بن كعب رضي الله عنه من تهنئته ببلوغ علمٍ ما، وإدراك فهمٍ ما، فعن أبى بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : « يا أبا المنذر! أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ ». قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال « يا أبا المنذر! أتدري أيّ آية من كتاب الله معك أعظم؟ ». قال: قلت الله لا إله إلا هو الحيّ القيوم. قال: فضرب في صدري وقال « والله ليهنك العلم أبا المنذر »(6).
فكونه رُزق فهماً وأدرك علماً استحقّ التهنئة عليه، فإذا أدرك شهر الخير والرحمة شهر رمضان، فلا أقلّ من أن يهنّا.
4ـ ومما يدلّ على جواز التهنئة بقدوم الشهر عادة السلف الصالح من الصحابة أنهم كانوا يهنّئون بعضهم في كل خير يصيبهم من النعم الدينية والدنيوية.
ومن التهنئة بالنعم الدنيوية:
أ ـ التهنئة بالبرء والشفاء ، وقد روى ثابت عن مسلم بن يسار أنه قال: «كان أحدهم إذا برأ قيل له : ليهنك الطهر » (7).
ومن التهنئة بالنعم الدينية:
أ ـ التهنئة بالعيد: قال الإمام أحمد رحمه الله: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد : تقبل الله منا ومنك . وقال حرب: سئل أحمد رحمه الله عن قول الناس في العيدين تقبل الله ومنكم، قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة. قيل: وواثلة بن الأسقع ؟ قال: نعم. قيل: فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد؟ قال: لا.
وذكر ابن عقيل في تهنئة العيد أحاديث ، منها: أن محمد بن زياد قال : كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنك . وقال أحمد : إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد .
وقال علي بن ثابت : سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة ، وقال : لم يزل يعرف هذا بالمدينة (8).
ب ـ التهنئة بالتوية: كما في الصحيحين وغيرهما في قصة الثلاثة الذين خلفوا ” هلال بن أمية ومرارة بن ربيعة وكعب بن مالك ، حين تاب الله عليهم، فبادر الصحابة رضوان الله عليهم بتهنئتهم بتوبة الله له، وبتهنئة النبي ﷺ لهم بذلك.
يقول كعبٌ رضي الله عنه: « فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرساً، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني؛ نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنّوني بالتوبة، يقولون: “لتهنّك توبة الله عليك”. قال كعب رضي الله عنه: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنّاني..لا أنساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور : (أبشر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك).. » الخبر(9).
والشاهد تهنئة الصحابة لكعب بقولهم: “لتهنّك توبة الله عليك”.
وتوبة الله تعالى للمؤمن نعمة دينية، فثبت جواز التهنئة للمسلم بالنعمة الدينية، وبلوغ رمضان من ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله: « وفيه دليل على استحباب تهنئة مَن تجدَّدت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل، ومصافحته، فهذه سُنَّة مستحَبة، وهو جائز لمن تجددت له نِعمةٌ دنيوية، وأن الأَوْلى أن يقال له: لِيهنك ما أعطاك الله، وما مَنَّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام، فإن فيه تولية النعمة ربَّها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها.»(10).
5ـ وفي التهنئة بمقدم هذا الشهر الفضيل خير كبير ومنفعة شرعية عظيمة، إذ في التهنئة تذكيرٌ بنعمة الله على المسلم، وتحفيزٌ له أن يبادر بمقابلة فضل الله عليه وكرمه ومنِّه بالإحسان في الطاعة والقيام بحق الشهر ومستحقه من الصيام والقيام.
وبهذا يكون أقلّ أحوال التهنئة الداعية إلى هذا الخير والمحققة لتلك المنفعة؛ الجواز، إنْ لم يكن الاستحباب.
فلا وجهَ لجعل التهنئة بقدوم شهر رمضان من البِدَعِ، والله الهادي للحق والصواب.