أولاً : في هذا الزمان قلّ من يجهل طلوع الفجر أو غروب الشمس، لأن الناس قد ضبطوا هذه الأوقات بطريق الحساب والساعات ، فيُعلم طلوع الفجر وغروب الشمس بالساعة ولا يحتاج ذلك إلى تبيّن الفجر بظهور بياضه عن سواد الليل . ولذلك لا يكون ذلك عذراً إلا لمن لا يمتلك ساعة . وهذا لا يتصور إلا في بعض قرى البادية ، وبعض أهل هذه القرى ممن لا يستخدمون الساعات ونحوها . وعليه:
[1] فمن أكل من هؤلاء السحور بعد الفجر وهو جاهل بطلوعه عليه أن يمسك ذلك اليوم ولا يفطر . وهل عليه قضاء أو لا ؟ ذهب العلماء إلى قولين:
القول الأول: يجب عليه القضاء ، وهو قول الجمهور ، قياساً على أنه لو غُمَّ هلال رمضان فأصبح مفطراً ثم تبيّن أن ذلك اليوم الأول من رمضان؛ وجب عليه القضاء بالاتفاق فكذلك هذا (1).
القول الثاني: يتمّ صومه ، ولا قضاء عليه . وهو قول جماعة من التابعين وغيرهم : عروة بن الزبير ، ومجاهد ، والحسن وإسحاق بن راهوية، ورواية عن عمر بن الخطاب ، وهو قول لأحمد بن حنبل. مستدلين بالقرآن والسنة :
فمن القرآن استدلوا بقوله تعالى (2) وقد أخطأ في تبيّن الفجر فأكل.
ومن السنة قوله ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)(3) .
أما من جامع امرأته وقد طلع الفجر وهو جاهل بطلوعه:
فإن العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : أن عليه القضاء والكفارة ، وهو قول الحنابلة والظاهرية وابن الماجشون من المالكية .
المذهب الثاني : أن عليه القضاء فقط ، لأنه أفسد صوم يومه خطأ ولم يتعمد. وهو قول مالك والليث والأوزاعي .
المذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة ، وهو قول الأكثرين: الحنفية، والشافعية ، وإسحاق بن راهوية ، وأبو ثور ، ومن التابعين الحسن ومجاهد والنخعي وغيرهم(4) .
وهذا هو الراجح : جمعاً بين النصوص ، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ قد عمّما وضع المؤاخذة عن المخطئ في قوله تعالى ، وقوله تعالى
(5) وقوله ﷺ: ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ). فلما أمر النبي ﷺ الأعرابي الذي واقع زوجته في نهار رمضان بالكفارة ، عرفنا أنه جماع لا خطأ فيه ولا نسيان ، وبالجمع بينها نعلم أن ما كان على خطأ لا قضاء فيه ولا كفارة، لأن الخطأ لا مؤاخذة فيه ، وما كان على خلافه كان فيه الكفارة. والله تعالى أعلم ..