(الحقنة) المعروفة لدى أسلافنا الكرام رحمهم الله تعالى ورضي عنهم هي (الحقنة) الشرجية خاصة . قال القاضي عياض رحمه الله : “(الحقنة) هي ما يستعمله الإنسان لدوائه من أسفله”(1) . والآن توسع استعمال (الحقنة) للمداواة فاستخدمت في العضل وفي الوريد ، و(الحقنة) منها ما يؤخذ للتداوي، ومنها ما يؤخذ للتقوية ، ومنها ما يؤخذ للتغذية .
و(الحقن) المداوية والمقوية جميعها لا تفطر :
أولاً : لأن العلماء اشترطوا في المفطرات ثلاثة شروط يجب تحققها جميعاً هي:
الأول: أن يكون مما يمكن الاحتراز منه ، فإن لم يكن كالذباب وغبار الطريق ونحوهما فلا .
الثاني : أن يكون مما يغذي ، فإن كان مما لا يغذي فلا .
الثالث : أن يصل إلي الجوف من المنافذ المعتادة(2) .
و(الحقن) في هذا الزمان لا تصل إلى الجوف ، وإن وصلته لا تصل إليه من المنافذ المعتادة ، فهي غالباً إما أن تعطى في الجلد ، أو في العروق، أو في الأوردة . أما (الحقنة) الشرجية فقد جعلها كثير من الفقهاء مفطرة، كالحنفية والشافعية والحنابلة وبعض المالكية .
واختار ابن تيمية صحة الصوم مع (الحقنة) مطلقاً(3) .
ثانياً: تخريجاً على اشتراط الشافعية، فقد اشترطوا في الواصل إلى المعدة “كونه من منفذ مفتوح، فلا يضر وصول الدهن بتسرب المسام”(4).
و(الحقن) الوريدية والعِرقية والعضلية أشبه ما يكون تسرباً بالمسام، فلا تضر بالصيام .
ثالثاً : أجمع علماء العصر على أن (الحقن) المداوية والمقويّة لا تفطر(5). ونصّ على ذلك كل من: شيخ الأزهر: محمود شلتوت، والشيخ محمد سلامة جبر ، والشيخ علي الطنطاوي(6) .
ويظهر عدم الخلاف في ذلك من كلام النووي في المجموع حيث قال: “لو أوصل الدواء إلي داخل لحم الساق أو غرز فيه سكيناً أو غيرها فوصلت مخّه لم يفطر بلا خلاف ، لأنه لا يعد عضواً مجوفاً” أهـ (7).
[2] (الحقن) المغذية ، أي التي تكون بديلاً عن المغذيات بالفم(8 لم يتفق علماء العصر في جوازها، فكانوا على قولين :
القول الأول : أنها مفطرة ، لأنها مغذية كالأكل والشرب، وللحطاب من المالكية قول يفهم منه أنها تفطر حسب القاعدة التي وضعها فقد قال: “واختلف في الاحتقان بالمائعات، هل يقع به فطر أو لا يقع به؟ وأن لا يقع به أحسن ، لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة ، ولا إلى موضع يتصرف منه ما يغذي الجسم بحال”أ.هـ(9) . وقد ذهب إلى ترجيح كونها مفطرة الشيخ محمد الشيباني في تبيين المسالك(10) .
والقول الثاني : وهو ما ذهب إليه جمهور المعاصرين ممن تكلم في المسألة أنها كالحقن الأخرى ، غير مفطرة ، فيبقى الصوم صحيحاً وإن أخذ [الدِّرب أو الجلكوز ] . ووجه ذلك :
[1] أنها لا تدخل إلى الجوف من منفذ معتاد على قاعدة الفقهاء.
[2] وأنها لا تُذهب الجوع والعطش، ولا يحس من تناولها بالشبع والري، لأنه لا يدخل المعدة، وإن أحس بنشاط وانتعاش بعدها، وهذا الانتعاش أو النشاط لا يكفيان للإفطار بهما، وإلا لحكمنا على من اغتسل بماء بارد بالإفطار وفساد الصوم ، ومن تلفف بثوب مبلول فانتعش؛ ببطلان صومه، وهذا لا يكون(11)،وهذا هو الراجح المختار إن شاء الله تعالى.