المسألة فيها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون من دُعِيَ إلى وليمة أو دعوة طعام ، صائماً صياماً واجباً، كقضاء رمضان، وصيام كفارة، وصيام نذر، ففي هذه الحالة لم يختلف الفقهاء أنه لا يجوز للصائم صياماً واجباً أن يقطع صيامه ويفطر مع الناس، لأنّ إجابة الدعوة مندوبة مستحبة، وصيامه صيام واجبٌ، والواجب لا يُترك لمستحب.
ثم اختلفوا بعد ذلك؛ هل يلبّي دعوة الداعي ويذهب إلى مكان الوليمة دون أن يأكل معهم، ويخبر صاحب الدعوة أنه صائم ويعتذر له ويدعو له؟! وعامة الفقهاء يرون أن يجيب ويلبّي، ولكن عند بعضهم ذلك واجبٌ عليه، وعند الآخرين مندوبٌ وليس بواجب، وبعضهم فرّق بين دعوة وليمة العرس وبين غيرها.
أ ـ فذهب الحنابلة إلى أنه واجبٌ عليه أن يلبّي دعوته ويجيب، قال في المغني: «إنْ كان المدعو صائماً صوماً واجباً؛ أجاب ولم يفطر؛ لأنّ الفطر غير جائز؛ فإنّ الصوم واجب، والأكل غير واجب<(1). وهو ما ذهب إليه الظاهرية(2).
ودليلهم حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «إذا دُعِيَ أحدًكم فليُجبْ، فإن كان صائماً فليصل، وإن كان مفطراً فليطعم»(3). فحملوا الأمر ” فليجب” على الوجوب، والصيام على الصوم الواجب.
ب ـ وذهب الشافعية إلى وجوب إجابة الدعوة في الوليمة ( وليمة العرس) دون غيرها، قال الشيرازي في المهذب: « ومن دُعي إلى وليمة وجب عليه الإجابة<(4). مستدلاً بحديث ابن عمر رضي الله عنهما :«إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها<(5). مع أنهم اختلفوا في أمره ﷺ ( فلياتها) فحمله بعضهم على الوجوب العيني، وبعضهم على الوجوب الكفائي، وبعضهم على الندب(6).
ب ـ ويرى المالكية ومن وافقهم إلى أنّه سنة، ولا يجب عليه أن يجيب الدعوة ويلبي الداعي، وقد حملوا الأمر في الأحاديث الآمرة بإجابة الدعوة على السنية وإنْ كانت إجابة دعوة العرس آكد، وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن إجابة الدعوة واجبٌ وجوب سنة لا وجوب فرض(7).
وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنّ ظاهر ما عليه الفقهاء أنّ من دُعِيَ إلى دعوة طعام سواء أكانت وليمة عرس أو غيرها (8)، أن يجيب الدعوة ولو كان صائماً صياماً واجباً، فيحضر الدعوة إنْ لم تكن فيها منكرات، فيكون قد التزم أمر نبيه ﷺ بإجابة الدعوة، وطيّب خاطر أخيه، وجبر قلبه، وأكرم داعيه، وكل ذلك من أدب الأخوة والجوار، ثم يدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير وينصرف دون أن يفطر. وبهذا يكون قد جمع بين الخيرين، وأخذ بالحسنيين.
أما الحالة الثانية: وهي أن يكون من دُعي إلى وليمة أو دعوة صائماً صيام تطوع لا فرض، فهذا إجابة الدعوة في حقه آكد، لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك »(9).. وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النبي ﷺ قال: « إذا دُعيتم إلى كراع فأجيبوا »(10). وحديث نافع رحمه الله قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله ﷺ: « أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها ». قال نافع: وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم(11).
أما حكمه إذا لبّى الدعوة وحضرها هل يفطر ليأكل فيها؛ ويقطع صيامه؛ فإن الفقهاء لم يختلفوا في عدم وجوب الأكل للصائم المتطوع، كما نقل ذلك الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم، قال: « أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل<(12)
أما جواز ذلك أو استحبابه فقد ذهب الفقهاء إلى الأقوال الآتية:
القول الأول: جواز الفطر لإجابة الدعوة وعذر الضيافة، وهو قول أبي عبدالله الرازي الحنفي وغيره من الحنفية، وقد جاء في تحفة الملوك في مبيحات الفطر في النوافل: « ويباح الفطر في التطوع بعذر الضيافة ونحوها» (13). واستدلوا بأن المتطوع بالصيام جاز له الفطر بغير عذر، فإن كان الفطر جائزاً له فلإجابة الدعوة من باب أَوْلَى، وذلك لحديث أم هانئ أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله! أما إني كنت صائمة! فقال رسول الله ﷺ: ( الصائم المتطوع أمير نفسه ـ وفي رواية: أمين نفسه ـ إنْ شاء صام وإن شاء أفطر)(14).
وقد قيّد الحنفية جواز الفطر في الدعوة بأسباب أهمها:
1ـ إذا كانت الدعوة قبل الزوال، أما بعد الزوال فلا يفطر.
2ـ إذا كان صاحب الدعوة يتأذّى ، يفطر، وإن كان يرضى بمجرد حضوره ولا يتأذى بترك الأكل لا يفطر، بشرط أن تكون الدعوة قبل الزوال.
3ـ إذا كانت الدعوة من أحد الأبوين لحق الوالدين لأن في ترك الإفطار عقوق الوالدين أو أحدهما، ولو كانت الدعوة بعد الزوال.
القول الثاني: استحباب الفطر للصائم تطوعاً لأنه يدخل السرور على من دعاه، وهو قول الحنابلة وأكثر الشافعية،
قال في الكافي: « إذا دعي الصائم لم تسقط الإجابة، فإذا حضر وكان الصوم واجباً لم يفطر، وإن كان تطوعاً استُحب له الفطر، ليسر أخاه ويجبر قلبه»(15). وذكر المرداوي أنه الصحيح من المذهب. وعلل الاستحباب في المغني بأن له الخروج من الصوم، فإذا كان في الأكل إجابة أخيه المسلم وإدخال السرور على قلبه، كان أولَى(16).
وقال الشيرازي في المهذب: « وإنْ كان تطوعاً فالمستحب أن يفطر لأنه يدخل السرور على من دعاه». ونسب الحافظ ابن حجر الاستحباب لأكثر الشافعية إنْ كان يشق على صاحب الطعام صومه وعدم أكله، وبذلك أيضاً قيّد النووي الاستحباب في شرحه لعبارة المهذب، مع أنّ الروياني وابن الفراء من الشافعية أطلقا استحباب الفطر لإجابة الدعوة(17). ونَصُّ الإمام الشافعي رحمه الله يؤيّد الاستحباب، وقد نقل البيهقي نصه أنه قال: « إن كان المدعو صائماً أجاب وبارك وانصرف، ولم يحتم عليه أن يأكل، وأحبُّ إلـيَّ لو فعل إن كان صومه غير واجب، إلا أن يأذن له رب الوليمة»اهـ (18).
ومن اللطائف في ذلك؛ ما ذُكر عن معروف الكرخي رحمه الله أنه أصبح صائماً، فمرّ بسقَّاء يقول: ” رحم الله من يشرب” فتقدَّم فشرب، فقيل له: ألم تك صائماً؟ فقال: بلى! ولكنِّي رجوت دعاءه ” (19).
القول الثالث: عدم استحباب الفطر للصائم تطوعاً ، بل المستحب أن يحضر الدعوة ويدعو لصاحب الدعوة بالبركة والخير ويبقى صائماً، وهو قول المالكية(20) وأبي حنيفة (21)، واستدلوا بالجمع بين حديث مسلم وغيره: « إذا دُعيَ أحدكم فليجب، فإنْ كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم »(22). وحديث: « إذا دُعِي أحدكم فليُجِبْ، فإن شاء طعم وإن شاء ترك»(23).
وهذا هو الراجح، للأسباب الآتية:
1ـ أنّ مالكاً جمع بين الأحاديث، والآخرون اختاروا ورجّحوا، والجمع أَوْلَى من غيره، لأن فيه إعمالاً للأدلة، وذاك فيه إبطال لبعضها.
2ـ أنّه لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الأكل للصائم إذا دُعيَ، مع الخلاف بينهم في لزوم التطوع بالشروع، وقد ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن المندوبات تلزم بالشروع(24)، فمن دخل في صيام تطوع فقد لزمه الإتمام، ولا يجوز له أن يفطر إلا لعذر. فالأكل ليس بواجب عند الجميع، بينما الصوم وجب بالشروع عند بعضهم، فكان أولى بالرعاية.
3ـ أنّ النصوص صريحة في إرشادها لمن كان صائماً وأجاب الدعوة ماذا يفعل، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق أن النبي ﷺ أمر الصائم بالدعاء لصاحب الدعوة ولم يأمره بالفطر، فقال ﷺ:« إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصلّ وإن كان مفطراً فليطعم ».. وفي حديث عبد الله رضي الله عنه لم يأمره بالأكل وأمره بالدعاء فقال ﷺ: ( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ، وَإنْ كَانَ صَائِمًا دَعَا بِالْبَرَكَةِ)(25).
أما خبر إبراهيم بن عبيد قال: صنع أبو سعيد الخدري رضي الله عنه طعاماً فدعا النبي ﷺ وأصحابه فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال له رسول الله ﷺ: ( صنع لك أخوك وتكلف لك أخوك أفطر وصم يوماً مكانه )(26). فلا يقوى لمعارضة حديث أبي هريرة الذي في الصحيح، إذ هو مرسل كما أن في سنده محمد بن أبي حميد وهو ضعيف لا يحتج به، بينما حديث أبي هريرة صحيح مسند.
4ـ أنّ حال سلفنا الصالح من الصحابة رضوان الله عليهم يؤكّد أن الصائم ـ ولو كان صيامه تطوعاً ـ الأَوْلَى له أن يحضر ويشارك ويبارك لهم الدعوة ويدعو لهم ثم ينصرف من غير أن يقطع صومه ويفطر لإجابة الدعوة..
1ـ عن ابن سيرين أن أباه دعا نفراً من أصحاب النبي ﷺ فأتاه فيهم أبي ابن كعب رضي الله عنه وأحسبه قال فبارك وانصرف.
2ـ وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: دعا أبي عبدَ الله بنَ عمر رضي الله عنهما فأتاه، فجلس، ووُضع الطعام، فمدَّ عبد الله بن عمر يده وقال: خذوا بسم الله، وقبض عبد الله يده وقال: إني صائم(27).
3ـ وعن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه أجاب عبدَ المغيرة وهو صائم فقال: « إني صائم، ولكني أحببت أن أجيب الداعي فأدعو بالبركة» (28).
4ـ وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: « إذا عرض على أحدكم الطعام وهو صائم فليقل : إني صائم » (29).
5ـ وأجاب سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الدعوة فدعا ولم يأكل(30).
فكان حال هؤلاء الأخيار من سلفنا الأبرار رضوان الله تعالى عليهم جميعاً أنْ لا يفطر الصائم لإجابة الدعوة، بل يحضر ويدعو ويطيّب الخواطر ثم ينصرف محافظاً على صيامه، فبان أنّ إتمام الصوم له أَوْلَـى. والحمد لله رب العالمين.