[1] من تصوّر من العلماء مشقة القضاء وكونه معلّقاً على الظروف بعد أيام رمضان ، والمسافر لا يشق عليه الصوم مع السفر ، فيمكنه أن يصوم بلا مشقة تحتاج إلى الرخصة ، قرّر أن الأفضل لمثل هذا المسافر الصوم لا الفطر، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية واستدلوا بقوله ، وبقوله ﷺ: ( إنّ أفطرت فهو رخصة، وإنْ صمت فهو أفضل )(1).
[2] ومن نظر إلى مقصود الشارع في التخفيف والتيسير في أحكام الصيام، ووجود الحكمة البالغة ـ بلا شك ـ في تعليق الرخصة بالسفر دون تقييد بمشقة أو عدمها، قرّر أن الأفضل للمسافر الفطر لا الصوم، وهو مذهب الحنابلة وابن الماجشون من المالكية واختاره ابن تيمية، ومحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما .
[3] ومن نظر إلى خفاء الحكمة وظهور الرخصة ، قرّر أن الأفضل هو الأيسر والأسهل عليه ، فإن كان الفطر أسهل عليه مع القضاء ، كان الفطر له أفضل ، وإنْ كان الصوم أسهل عنده من القضاء كان أفضل، وقد جعلوا ـ والله أعلم ـ ذكر إرادة التيسير عقب الترخيص للمريض والمسافر سبباً للرخصة وعلة لها ، فما وافق التيسير كان أولى ، وهو قول مجاهد وعمر بن عبد العزيز ورجّحه ابن المنذر ونسبه القرطبي إلى جلّ مذهب مالك.(2).
وهو الراجح :
أولاً: لأن الشارع قصد إلى التيسير على الصائمين فرخّص لهم في الفطر بسبب السفر، كما رخّص لهم بسبب المرض ، وقد يكون على كثيرين القضاء بعد رمضان أشق عليه من الفطر في السفر ، خاصة سفر بطائرة أو باخرة ، أو بص مكيّف مريح ، وهذا هو المقصود بالرخصة (مراعاة التيسير ) فما كان أيسر كان أفضل ، ومن تلا الآية بتدبّر انشرح صدره لهذا الرأي وقد قال تعالى (3)وهو تعقيب يدلّ على المراد بوضوح.
ثانياً : كانت السنة الجارية في أسفار النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنه أنهم كانوا لا ينكرون على من صام فيها ولا على من أفطر فيها ، فدلّ أن المقياس شخصيٌّ ، ولا يكون إلاّ تقدير الأيسر له والأسهل عليه .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : ” صام رسول الله ﷺ وأفطر ـ أي في أسفار رمضان ـ من شاء صام ومن شاء أفطر ” .
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ” غزونا مع رسول الله ﷺ لست عشرة مضت من رمضان ، فمنّا من صام ، ومنّا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم “.. وفي رواية: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فما يعاب على الصائم صومه، ولا على المفطر إفطاره ” .. وفي رواية: ” يرون أنّ من وجد قوة فصام، فإن ذلك حسن، ويرون أنّ من وجد ضعفاً فأفطر ، فإن ذلك حسنٌ “.
وقال أنس رضي الله عنه، وقد سئل عن صوم رمضان في السفر فقال: “سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم ” .
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : ” سافرنا مع رسول الله ﷺ، فيصوم الصائم ويفطر المفطر ، فلا يعيب بعضهم على بعض ” (4).
ثالثاً : أن النبي ﷺ خيّر المسافر بين الصوم والفطر ، والتخيير يجعل المقياس في المخيّر شخصياً ، ويكون هو الأيسر، ويستبعد أن يختار شخصٌ غير الأيسر وقد خُيِّر بين أمرين ، وكان رسولنا الحبيب ﷺ إذا خيِّر بين أمرين اختار أيسرهما إنْ لم يكن إثماً ، كما صحّ عنه ﷺ. وكذلك كل عاقل يفعل . وفي الصحيح عن عائشة قالت : ” سأل حمزة ابن عمرو الأسلمي رسول الله ﷺ عن الصيام في السفر فقال : ( إنْ شئت فصم، وإنْ شئت فأفطر)(5).
هذا وقد شذّ الظاهرية فأوجبوا الأخذ بالرخصة وذهبوا إلى تحريم الصوم في السفر(6) أخذاً بظاهر حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) وحديث (أولئك العصاة)(7). ولا يصلح أحدهما في تحريم الصوم في السفر، لأنهما خاصّان بحالة من شقّ عليه الصوم ، وكره الرخصة . أما حديث (ليس البر أن تصوموا في السفر) قاله ﷺ حينما رأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه ، فقال : ( ماله ؟) قالوا : رجل صائم . فقال: ( ليس البر أن تصوموا في السفر ) .. وأما حديث ( أولئك العصاة ) إنما قاله ﷺ حينما شقّ الصوم على الناس وقيل له : إنّ الناس قد شقّ عليهم الصيام ، وإنما ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب ، فقيل له : إن بعض الناس قد صام . فقال ( أولئك العصاة أولئك العصاة ) كما في صحيح مسلم . وواضح جداً أن هؤلاء العصاة رفضوا رخصة رسول الله ﷺ وكرهوا فعله وأصروا على الصوم مع ما يشقّ عليهم، فكانوا فعلاً عصاة .
لذلك الراجح : التخيير للمسافر إنْ شاء أفطر وإنْ شاء أمسك وصام، بما يراه هو أيسر عليه وأسهل له . والله تعالى أعلم ..