أولاً: البدعة لا تتحقق إلا إذا كانت في أمر عقديّ أو تعبّديّ منقطع عن أصل شرعي، والأصل الشرعي قد يكون دليلاً صريحاً، وقد يكون قياساً صحيحاً ، أو قد يكون تخريجاً مقبولاً على شبيهٍ أو نظير في الفقه، وقد يكون مما له وجهٌ شرعيٌّ أقر مثله أئمة الدين من العلماء المهديين.
والصيام الإفطار الجماعي في غير رمضان، له من الأصول والوجوه الشرعية التي تحررها وتخرجها من حظيرة البدعة الممنوعة إلى ساحة الأمور والأفعال المشروعة، ومن ذلك:
1ـ أنّ الصيام والإفطار الجماعي من قبيل الجماعة في النوافل، والاجتماع على فعل النوافل وأدائها جائزٌ..
فنوافل الحجّ لا تؤدّى إلا جماعةً لاتحاد المناسك وترتيبها في الوقت .
ونوافل الصلاة جاز أداؤها جماعة، وقد قال مالك رحمه الله: « لا بأس بصلاة النافلة في جماعة ليلا أو نهاراً » (1). وفي تهذيب المدونة للبراذعي: «وجائز صلاة النافلة في جماعة ليلاً أو نهاراً، ويجمعها الرجل بأهل بيته وغيرهم»(2).
واجتماع جماعة لقراءة القرآن يقرأ أحدهم يتلوه غيره فيتناوبون، لا بأس به (3). وفي صحيح مسلم في باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ : (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ) (4).
والاجتماع للذكر جائز بل مستحب، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج معاوية رضي الله عنه على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلّ عنه حديثاً منى، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ( ما أجلسكم؟ ). قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: ( آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ ). قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: ( أما إني لم أستحلفكم تهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ يباهي بكم الملائكة) (5).
ونوافل الصوم مثلها جاز الاجتماع فيها والتعاهد عليها.
2ـ ورد عن النبي ﷺ بفعله جواز الجماعة في النافلة.
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعامٍ صنعته، فأكل منه ثم قال: ( قوموا فأصلي لكم ). قال أنس بن مالك: «فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، فنضحته بماءٍ، فقام عليه رسول الله ﷺ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف »(6).
وعند ابن حبان، قال أنس رضي الله عنه : صلى بنا رسول الله ﷺ على بساطٍ، فأقامني عن يمينه، وقامت أم سليم وأم حرام خلفنا(7).
وعند أبي داود سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ دخل على أم حرام فأتوه بسمن وتمر فقال: (ردوا هذا في وعائه وهذا في سقائه، فإنى صائم). ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً، فقامت أم سليم وأم حرام خلفنا » (8).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ » (9).
قال البيهقي بعد أن روايته لهذا الخبر: « وقد روينا في قيام شهر رمضان عن عائشة وغيرها ما دلّ على جواز النافلة بالجماعة، وعن أبى ذر عن النبي ﷺ ما دلَّ على استحبابها. وعن ابن مسعود وحذيفة في قيامهما مع النبي ﷺ ما دلَّ على ذلك. وروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فعله ما دلَّ على ذلك وبالله التوفيق »(10).
فكلّ هذا من الأصول الدالّة على جواز الاجتماع على الطاعات والعبادات، ومنها الصيام والإفطار الجماعي.
ثانياً: غير أنّ هذا الجواز مشروط بشرطين:
الشرط الأول: أنْ لا يتخذوا ذلك عادةً راتبةً، بحيث لا يصومون هذه النوافل إلا جماعة، التزاماً وتخصيصاً للنافلة بالزمان والاجتماع، فهذا الترتيب يجعل النافلة كالفريضة أو السنة المؤكدة التي لا تؤدَّى إلاّ بالجماعة، كصلاة التراويح والعيدين وصلاة الكسوف ونحوها،وفي هذا تبديل وتغيير لها عن حقيقتها(11).
الشرط الثاني: أنْ لا تكون الجماعة المنتظمة لهذه النافلة كبيرة، كالتزام أهل بلدة كلهم، أو أهل حيّ جميعهم بذلك، فهذا يجعل النافلة شبيهة بالواجبات ملحقة بها، كما يفعل كثير من أهل البلاد الإسلامية في صيام الست من شوال ونحوه. إذ الأصل في النوافل التخفّي وعدم الإشهار، بخلاف العبادات الواجبة والسنن المؤكدة التي جعلت من الشعائر الظاهرة(12).
أقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطرأقضية زكاة الفطر
أقضية
زكاة الفطر
أقضية
زكاة الفطر