هذه المسألة من جنس المسألة السابقة ، فإن أهل المدن والحضر يستخدمون الساعات لضبط الأوقات فلا عذر لهم إن أفطروا للغيم أو بمجرد الظن . أما أهل البوادي والقرى البعيدة ممن لا يزالون يضبطون المواقيت بالشمس والظل والشفق وسواد الليل وبياض النهار ، فهؤلاء هم أصحاب هذه المسألة . وقد ذهب العلماء فيه إلى قولين :
القول الأول : أنه يجب القضاء . وهو قول الجمهور .
القول الثاني : أنه يتم صومه ، ولا شيء عليه ، لا قضاء ولا شيء، وهذا قول أحمد في رواية عنه ، وإسحاق بن راهوية ، والحسن البصري ومجاهد(1) .
وقد وقعت هذه المسألة في عهد الرسول ﷺ وفي عهد عمر وفي عهد معاوية .
أما ما حدث في عهد الرسول ﷺ فهو ما أخرجه البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:(أفطرنا على عهد رسول الله يوم غيم ثم طلعت الشمس )(2) . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير” أنهم لم يؤمروا بالقضاء”(3).
قال ابن تيمية : “وهذا يدل على شيئين : على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب ، فإنهم فعلوا ذلك ، ولم يأمرهم به النبي ﷺ، والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. والثاني : لا يجب القضاء ، فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلم ينقل ذلك دلّ على أنه لم يأمرهم به” (4) .
وأما ما حدث في عهد عمر ، فهو ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما عن زيد بن وهب وغيره قال : كنت جالساً في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان في زمن عمر بن الخطاب ، فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة ، فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ، ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة . قال : فجعل الناس يقولون أنقضي يوماً مكانه ؟ فقال عمر: (والله لا نقضيه ما تجانفنا لإثم)(5).
وعند ابن أبي شيبة أن عمر رضي الله عنه قال:( من كان أفطر فليصم يوماً مكانه)(6).
والأول موافق لخبر أسماء .
وأما ما حدث في عهد معاوية ؛ فهو ما أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد بن فطن عن أبيه أنه كان عند معاوية في رمضان ، فأفطروا ، ثم طلعت الشمس ، فأمرهم أن يقضوا(7) .
والصحيح: أنه لا قضاء عليهم ولا شيء . والدليل عليه من وجهين:
الوجه الأول : أن النبي ﷺ لم يأمر بالقضاء ، فدلّ على أن حكم هذه المسألة عدم وجوب القضاء .
الوجه الثاني : أن روايات القضاء عن عمر ومعاوية روايات في المصنف لعبد الرزاق وابن أبي شيبة ، ورواية عدم القضاء في صحيح البخاري ، ورواية البخاري مقدمة ، كما أن حكم النبي وفعله يقضي على قول غيره ، ولا يقدم مذهب صحابي على حكم رسول الله ﷺ وفعله . والحمد لله …
هذا في حالة أنهم اعتقدوا غروب الشمس ، أما إذا كانوا شاكّين من غروب الشمس ، فأفطروا ، واستبان لهم أن الشمس لم تغرب . في هذه الحالة وجب عليهم القضاء ، لأنهم لم يتبينوا ، لأن الأصل بقاء النهار، والصائم مأمور أن يتم صومه إلى الليل كما قال تعالى (8) وهو لم يتم الصيام إلى الليل، فيقضي . والله تعالى أعلم..