اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

القنوت في التراويح

السؤالأصبح اليوم مما لا ينفك عنه قيام رمضان وصلاة التراويح: القنوت فيها، فغالب المساجد تقنت وتدعو في الوتر بعد أن يكملوا تراويح كل ليلة، فما حكم هذا القنوت؟ وما كيفيته ؟ وهل هناك صيغةٌ محددة وأدعية معينة يدعو بها الناس في قنوت التراويح؟ ومتى يبدأ القنوت من أول الشهر أم من وسطه أم فقط في العشر الأواخر؟ أفيدونا نفع الله بكم الأمة وحفظ بكم الملّة.

آمين.. ومسألة القنوت في صلاة التراويح يحسن الإجابة فيها من أربعة جوانب:

الجانب الأول: في مشروعيته:

فالقنوت في قيام رمضان مشروع من وجوه كثيرة:

منها: أن القنوت فعلٌ حسن، وذكر لله تعالى ودعاءٌ (1).

ومنها: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها » (2). فإنْ كان في المكتوبة لا حرج ففي النافلة أرفع للحرج.

ومنها: أن فعل القنوت في التراويح وقيام رمضان مما أُثِر عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فقد سمع داود بن الحصين الأعرج رحمهما الله يقول : « ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان » (3).

والأعرج عبد الرحمن بن هرمز المدني رحمة الله تعالى عليه أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين بالمدينة، مما دلّ أنّ فعلهم كان هو العمل بالمدينة(4).

وقال عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله في خروجه مع أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في ليالي رمضان والناس في قيام رمضان: « فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: (اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ). ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال رحمه الله: وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إنّ عذابك لمن عاديت ملحق). ثم يكبر ويهوى ساجداً» (5).

ومشروعية القنوت هو الذي عليه جمهور العلماء، وبه قال الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة(6).

غير أن مالكاً رحمه الله قال في المدونة: « ليس عليه العمل، ولا أرى أن يُعمل به، ولا يقنت في رمضان لا في أوله ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلاً»(7).

وقد وجّه الحافظ ابن عبد البر قول مالك فقال: وهذا معناه عندي أنه ليس سنةً مسنونةً فيواظب عليها في القنوت، ولكنه مباحٌ فعلُه اقتداءً بالسلف في ذلك لمن شاء. قال: وروى أهل المدينة عنه أنه كان يقول: يقنت الإمام في النصف من رمضان ويؤمن من خلفه(8).

الجانب الثاني: في موضعه:

والقنوت في قيام رمضان موضعه الوتر بعد الرفع من الركوع، وكان هذا هو الذي عليه السلف من الصحابة والتابعين وأهل المدينة ، كما قال ابن حبيب: وقد كان يقنت الناس في قيام رمضان بعد رفع الإمام رأسه من صلاة الوتر بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول في النصف الأخير من رمضان يجهر الإمام بكلامه ودعائه في القنوت وينصت من خلفه، إلا أنهم يؤمنون على دعائه كلما وقف(9).

ولذلك؛ ذهب الحنفية إلى أن القنوت في وتر القيام(10).

ومالك كان يرى القنوت في الوتر ، ثم ترك ذلك.

وقال الشافعي فيما روى عنه الزعفراني: يقنت في الوتر في النصف من رمضان(11).

وذهب أحمد إلى أنه قبل الركوع.

قال حنبل: سمعت أحمد يقول: «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (12).

الجانب الثالث: في زمانه:

فهل يقنت المصلون في التراويح من أول الشهر وفي كل الليالي؟ أم في النصف من رمضان؟.

رضي الله عنهم فالذي عليه الجمهور من علماء الأمة أن القنوت في النصف الآخر من رمضان، وهو قول مالك في رواية والشافعي وأحمد وإسحاق، ورُويَ عن عليّ وأبي بن كعب وابن عمر وابن سيرين والثوري والزهري والحسن وابن جريج وعطاء ويحيى بن وثاب ، وهو الذي حُكي عن حال الصحابة والتابعين في عهد عمر .

واستدلّ الجمهور بما رواه الطبري عن الحسن أنه قال: « أمر عمرُ أُبيَّ بتن كعب يصلي بالناس، فكان إذا مضى النصف الأول واستقبلوا النصف الآخر ليلة ست عشرة ؛ قنتوا فدعوا على الكفرة ».

وقال ابن جريج: « قلت لعطاء: القنوت في شهر رمضان؟ قال: أول من قنت فيه عمر. قلت: في النصف الآخر؟ قال: نعم ».

قال ابن عبد البر: «فبهذا احتجّ من أجاز القنوت في الوتر من قيام رمضان في النصف الآخر منه، لأنه عمن ذكرنا من جلّة الصحابة، وهو عملٌ ظاهرٌ بالمدينة في ذلك الزمان في رمضان، لم يأتِ عن أحدٍ منهم إنكاره »(13).

رضي الله عنهم ويظهر من كلام الحنفية أنهم يرون القنوت في رمضان كله، من أول الشهر إلى آخره، ولم يقيّدوه بالنصف الآخر ولا بالعشر الأواخر. وهو الذي قال به الأوزاعي رحمهم الله.

رضي الله عنهم وقد ذهب أبو ثور رحمه الله إلى أن القنوت في النصف الأول من رمضان(14).

والذي يحسن اليوم إقامة الأمر على ما كان عليه جماهير الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والدين من السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم، وهو ابتداء القنوت في التراويح من ليلة ست عشرة، ومن ابتدأه من أول الشهر أو اكتفى بالنصف الأول فلا يمنع، فلكلٍّ سلف صالح أخيار ، والحمد لله الذي جعل لنا الدين يسّراً ولم يجعل علينا فيه حرجاً.

الجانب الرابع: في كيفيته وصيغته:

فالقنوت دعاء يصح بما يصح به الدعاء في الجملة، والأصل في الدعاء رفع الأيدي فيه.

رضي الله عنهم وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله فيما سمعه منه حنبل كيف يكون القنوت في التراويح، فقال له «..إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع » (15). وكما وصف رحمه الله للفضل بن زياد حين سأله: «كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن؛ فارفع يديك قبل أن تركع، وأدع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام. قلت: بم أدعو ؟ قال: بما شئت. قال ابن زياد: ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائماً ويرفع يديه »(16).

رضي الله عنهم وفي كيفية القنوت في رمضان يرى أبو يوسف أن الإمام لا يجهر وأن المقتدي المأموم كذلك يقنت، ولا يكتفي بقنوت الإمام، لأنه دعاء ولأن الأفضل في الدعاء الإخفاء. بينما يذهب محمد بن الحسن إلى أن الإمام يجهر بالقنوت ويؤمِّن المأموم(17).

والذي ورد في كيفية القنوت بعهد عمر رضي الله عنه وبعده في الزمن الأول أن الإمام يجهر بدعائه في القنوت ةينصت مَنْ خلْفَه، يؤمنون على دعائه كلما وقف، كما قال ابن حبيب(18).

رضي الله عنهم أمّا صيغة القنوت فكل دعاء للمصلين وللمسلمين بجلب المنافع ودفع المضار، وبما يحفظ الملّة والأمة، والدعاء على الأعداء من الكفرة والمنافقين وأعداء الدين.

وقد كان من دعاء القنوت في التراويح على عهد الصحابة والتابعين لعن الكفار والأعداء، كما قال الأعرج رحمه الله: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.

وروى ابن وهب عن مالك في القنوت في رمضان: إنما يكون ذلك في النصف الآخر من الشهر وهو لعن الكفرة، يلعن الكفرة ويُؤَمِّنُ من خَلْفَهُ. ولا يكون ذلك إلا بعد أن يمر النصف من رمضان ويستقبل النصف الآخر.

ومن دعاء القنوت الدعاء على من استحق الدعاء عليهم كما قال مالك رحمه الله(19).

وكان من دعاء الأئمة في قنوت التراويح في عهد عمر رضي الله عنه ما ذكره عبد الرحمن بن عبد القاري خازن بيت مال المسلمين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنّ عمر رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان فخرج وهو معه، فطاف بالمسجد، وأهل المسجد أوزاعٌ متفرقونٌ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: « والله إني أظن لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل ». ثم عزم عمر على ذلك، وأمر أبي بن كعب رضي الله عنه أن يقوم لهم في رمضان، فخرج عمر عليهم والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: « نعم البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون » – يريد آخر الليل – فكان الناس يقومون أوله، وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: ( اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرعب وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق ) ثم يصلي على النبي ﷺ ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثم يستغفر للمؤمنين. قال: « وكان يقول إذا فرغ من لعنة الكفرة وصلاته على النبي ﷺ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجدّ، إن عذابك لمن عاديت ملحق) ثم يكبر ويهوي ساجداً » (20).

وهذا كله على التخيير والإباحة لا يلزم منه شيء، فمن شاء دعا به ومن شاء دعا بغيره.

ولكن الذي نراه في عصرنا ونشاهده في زماننا من فعل أئمة التراويح من المبالغة في الإطالة في دعاء القنوت كل ليلة ومن المبالغة الزائدة في ليلة الختم، ومن المبالغة في التسجيع وتصنع الأدعية على الألفاظ المسجعة والمترادفة وغير ذلك فهذا مما لا ينبغي، والغالب أنّ هذه الإطالة والمبالغة في تصنيع الأدعية وتطويلها وتمطيطها أنها تُدخل المشقة على المصلين وتثقل على الجماعة ، وربما أدخل الكسل على بعضهم بما يدعوهم إلى التخلّف عن جماعة التراويح في المساجد خوف هذه الإطالة وما يترتب عليها من المشقة. وخير الأمور أوساطها ، وما كان عليه سلف الأمة أوْلَى والاقتداء بحالهم وفعالهم أحرى وأحبّ، والله يتولى الصالحين.

أقضية الاعتكافأقضية الاعتكافأقضية الاعتكافأقضية الاعتكاف

أقضية الاعتكاف

أقضية الاعتكاف

الحواشي

  1. المحلى لابن حزم، ج3 ص 61.
  2. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى برقم 3216، الدارقطني برقم 1687والطبراني في المعجم الأوسط برقم 9450، وابن حزم في المحلى بسنده ج3 ص 55 فقرة 459. وهذا الإسناد لا بأس به.
  3. أخرجه مالك في الموطأ برقم 253، والبيهقي في السنن الكبرى برقم 4809، وفي شعب الإيمان برقم 3001.
  4. انظر: الاستذكار لابن عبد البر ، ج5 ص 172 فقرة 6353.
  5. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم 1100،
  6. انظر: الاختيار لتعليل المختار، للموصلي، ج1 ص 93، الاستذكار لابن عبد البر ، ج5 ص 172 وما بعدها، اختصار المدونة لابن أبي زيد، ج1 ص 355، التبصرة للخمي، ج2 ص 825 ـ 826، الحاوي الكبير للماوردي، ج2ص 663، المغني لابن قدامة ، ج1 ص 838 فقرة 1101.
  7. المدونة الكبرى ج1 ص 326 – 327، باب قنوت رمضان ووتره، وانظر: اختصار المدونة لابن أبي زيد القيرواني، ج1 ص 355.
  8. الاستذكار ، ج5 ص 174 فقرات: 6356، 6357، 6358.
  9. التبصرة ، للخمي ، ج2 ص 825 – 826.
  10. الاختيار لتعليل المختار ، ج1 ص 93.
  11. راجع القولين في الاستذكار ، ج5 ص 174، 176.فقرة 6357، 6369.
  12. المغني لابن قدامة ، ج1 ص 838، فقرة 1101.
  13. راجعها في الاستذكار، ج5 ص 176 فقرة 6373، 6374.
  14. راجعها في: الاختيار لتعليل المختار ، ج1 ص 93، الاستذكار ، ج5 ص 177.
  15. المغني لابن قدامة ، ج1 ص 838، فقرة 1101.
  16. المغني لابن قدامة ، ج1 ص 838. الفقرة 1101.
  17. الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 93.
  18. التبصرة للخمي، ج2 ص825 – 826، النوادر والزيادات ج1 ص 192.
  19. الاستذكار، ج5 ص 165 وما بعدها، حديث رقم 224.
  20. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، برقم 1100، وقال الألباني(ج2 ص 155): إسناده صحيح .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%86%d9%88%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%ad/ — azubair.net