أولاً: ينبغي أن يعلم أصحاب الأعذار العاجزون عن الصيام بسبب المرض أو غيره؛ أنه لا حرج عليهم في الفطر طالما منعهم عن الصيام العذر، وكثيرٌ منهم يتمنّى لو كان صحيحاً فيصوم مع الناس، فهؤلاء معذورون في الشرع.
ثانياً: إنّ رسول الله ﷺبأبي هو وأمّي، بشّر أهل الأعذار من أمّته برحمة الرب الرحيم، فأخبرنا أنّ من منعه العذر من العبادة أو الطاعة فكأنما فعلها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: « إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ ». وفي رواية: « إِلاَّ شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ »(1)، وعن أبي موسى رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال:« إذا مرض العبد، أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً »(2)، وفي الأدب المفرد بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يمرض إلا كُتب له مثل ما كان يعمل وهو صحيح)(3). وفيه أيضاً بإسناد حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: ( ما من مسلم ابتلاه الله في جسده إلا كُتب له ما كان يعمل في صحته ما كان مريضاً)(4). وفي موطأ مالك وسنن أبي داود وغيرهما عن عائشة أن النبي ﷺ قال: « مَا مِنِ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلاَةٌ بِلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ إِلاَّ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلاَتِهِ وَكَانَ نَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةً»(5).وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ غير مرة ولا مرتين يقول: « إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلاً صَالِحًا، فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ، أَوْ سَفَرٌ؛ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ »(6).
وقد أكثرت من هذه الأحاديث تبشيراً لأصحاب الأعذار برحمة الله تعالى، وليطمئن المعذور الذي يحب أن يصوم ولكن حبسه عن الصوم العذر والمرض.
وعلى هذا؛ يكون المعنى: المسلم الذي منعه العذر عن الصيام وهو يحب أن يصوم لولا العذر؛ فهذا يُكتب له من أجر الصوم مثل ما كان سيعمل وهو صحيح مقيم، كما أخبر بذلك البشير الحبيب ﷺ.
والذي يتخرّج على ذلك؛ أنّ هذا المعذور يعمل مع الصائمين كل شيء إلا أنه يأكل ويشرب، وينبغي أن يغتنم أيام وليالي الشهر الفضيل، فيكثر من سائر الطاعات والعبادات والنوافل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يضيّع شيئاً من ذلك، ويجب أن يعلم أنّ العذر إنْ منعه من الصيام فلا يمنعه من اغتنام خير شهر الصيام، فيقوم كما يقوم الناس، ويتلو كما يتلو الناس، ويتصدق كما يتصدق الناس، ويصلي معهم التراويح كذلك.
وعليه: فيصحّ أن يصلي التراويح مع الناس ولو استطاع أن لا يتخلف عن التراويح فليفعل، وإن لم يستطع فِعْلَها جماعة؛ فليؤدها لوحده في البيت أو جماعة
مع أهل بيته. يتقبل الله منا جميعاً ويغفر لنا.
والحمد لله رب العالمين.