الاعتكاف في أصل اللغة من الإقبال على الخير ملازمةً ومواظبةً، وبالتاء (اعتكف) إقبالٌ على الخير، بينما بالنون (انعكف) إقبالٌ على الشرّ، فنقله الشرع إلى معنى إيماني تعبدي جميل هو أنه يعني لزوم المسجد واللبث فيه قربةً وطاعةً لله عز وجل.
وكان معروفاً كصورة من صور التدين من قبل بعثة النبي ﷺ وقبل نزول القرآن الكريم وشرائع الإسلام، وقد أمر الله تعالى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بتهيئة بيته الحرام للعاكفين مع الطائفين والمصلين فقال جل شأنه (1) وفي الصحيح خبر نذر عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاعتكاف في الجاهلية، وسؤاله رسول الله ﷺ عن حكم ذلك، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يفي بنذره، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ : ” كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” فقَالَ النبي : ( فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)(2).
والتزمه النبي ﷺ سنة من سنن الصيام في كل رمضان تكميلاً لمقاصد الصوم العظيمة.
فأجمع العلماء على مشروعية الاعتكاف وأنه من أعمال الخير ونوافله الجليلة(3).
فقال الحنفية: هو واجب بالنذر، وسنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، ومستحب في غير رمضان من الأزمنة(4).
وقد وافقهم على تأكيد سنيته أبو الحسن بن بطال من المالكية حيث يقول في شرحه لخبر: « كان رسول الله ﷺ يعتكف فى كل رمضان » قال رحمه الله : “فهذا يدل على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبى ﷺ فينبغى للمؤمنين الاقتداء فى ذلك بنبيهم”(5).
وقال المالكية: هو نافلة من نوافل الخير ، وقربةٌ مرغّب فيها للرجال والنساء لا سيما في العشر الأواخر من رمضان(6).
وقال الشافعية: ” هو مستحب في الأصل، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من رمضان” (7).
وقال الحنابلة: ” هو سنة ..لا نعلم خلافاً في استحبابه” (8).
وقد استدلوا جميعاً بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب قوله (9)، وقوله تعالى
.(10)
ووجه الدلالة على مشروعيته وسنيته من الآيتين؛:
أـ أنّ الله تعالى في الآية الأولى أمر بتهيئة البيت الحرام لهؤلاء المعتكفين، وفي هذا تعظيم له وتكريم لأهله، وفيه ما فيه من اعتباره طاعة وقربة عظيمة يحبها الله تعالى.
ب ـ وأنّه تعالى في الآية الأخرى أضاف الاعتكاف إلى بيوته، فدلّ على عظمته ، ثم نهى عن الوطأ المباح لأجله، فدلّ على أنّ التلبس به أعظم رعايةً حتى يُحرّم لأجله المباح، وعلى أنه فوق المباح فلو كان مجرد مباح جائز لما حُرّم لأجله ما هو مباح مثله، فكان أرفع من المباح، وأقلّ ذلك الاستحباب.
وأما دليل السنة؛: فهو مواظبته عليه الصلاة والسلام على الاعتكاف في حياته وفي خبر عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِه) (11).
هذا حكم الاعتكاف في الأصل، غير أنه قد يجب، وذلك في حالتين:
الحالة الأولى: إذا نذر شخص الاعتكاف، فيكون قد أجب على نفسه نذراً يجب عليه الوفاء به بالاتفاق.
والحالة الثانية: إذا نوى الاعتكاف مدة ودخل فيه، فيجب عليه ويلزمه، فإن قطعه فعليه قضاؤه، وهذا ما ذهب إليه المالكية رحمهم الله تعالى، مستدلين بحديث قضاء النبي ﷺ لاعتكافه، في الموطأ وغيره (12).
فَعَنْ عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ أَرَادَ الاِعْتِكَافَ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ « آلْبِرَّ تُرِدْنَ ». فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ فِى شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِى الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ»(13).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: « وفي هذا الحديث من الفقه: أنّ الاعتكاف يلزم مع النية بالدخول فيه، فإذا دخل الإنسان ثم قطعه لزمه قضاؤه» اهـ (14).
وقد يكون الاعتكاف مكروهاً، وذلك في حالة واحدة هي الدخول فيه لمن يُخاف عليه العجز عن الوفاء بحقه وشرطه، وهو مرويٌ عن الإمام مالك رحمه الله(15). وقد قال رحمه الله في المدونة: « لا أرى للذي لا يقوى أن يعتكف». وقد استدل بأن أبا بكر وعمر وعثمان من الصحابة لم يبلغه أنهم اعتكفوا، ولا أحداً من التابعين لا ابن المسيب ولا غيره، ولا أحداً ممن أدركه ممن يُقتدَى به إلا أبو بكر ابن عبد الرحمن. فلما سئل: لِمَ تُراهم تركوه؟ قال: أراه لشدة الاعتكاف عليهم، لأنّ ليلهُ ونهارهُ سواء، وجعل رحمه الله الاعتكاف من باب الوصال الذي كان يفعله النبي وينهى عنه(16).
وعلى هذا: فالاعتكاف تعتريه أحكام شرعية ثلاثة:
1ـ الوجوب في حالة النذر باتفاق، وفي حالة دخول المعتكف فيه بنية عند المالكية.
2ـ الندب والاستحباب، وهو الحكم الأصل.
3ـ الكراهة لمن لا يقوى على الاعتكاف ويُخشَى عليه أن لا يوفي بحقه وشرطه.
والله تعالى أعلم..