اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

حكـم صـلاة التـراويح

السؤالبعض الناس في شهر رمضان يهتم بصلاة التراويح أكثر من الصلوات الخمس، ويهمل بعض الأوقات من الصلوات المكتوبة ويتساهل في البعض الآخر فيدخل الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء مثلاً، وأحياناً يتكاسل عن صلاة الفجر؛ ومع ذلك تجده يهتم بشدة بأداء صلاة التراويح مع الجماعة في المسجد، فأرجو أن تبيّن لنا حكم صلاة التراويح، وهل هي أهم من الصلوات الخمس؟.

صلاة التراويح هي الصلاة التي تؤدَّى في ليالي شهر رمضان المعظم من كل عام بعد صلاة العشاء، فهي قيام رمضان الذي سنّه المصطفى الحبيب ﷺ، وإنما سميت بالتراويح للترويحة التي تكون بعد كل أربع ركعات استراحة من طول القيام والركوع والسجود، وكان أول من فعلها هو نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم جمع الخليفةُ الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فيها على إمام واحد.

وصلاة التراويح أجمعت الأمة على مشروعيتها وأنها سنة.

قال النووي رحمه الله:” صلاة التراويح سنة بإجماع العلماء(1).

وقال الطحاوي: ” التراويح سنة بإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأمة، منكرها مبتدعٌ ضالٌّ مردود الشهادة.(2).

وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أنّها سنّة، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: ” كان رسول الله ﷺ يُرغّب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه)(3). فها هو أبو هريرة رضي الله عنه يصرّح أن النبي ﷺ كان يرغّب في أدائها ولم يفرضها على الأمة، فدلّ أنها سنة وليست فرضاً.

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل أول ليلة من رمضان يصلي المغرب ثم يقول: ( اجلسوا ثم مشَى بخطبة خفيفة، يقول: أما بعد، فإنّ هذا الشهر كُتب عليكم صيامه ولم يُكتب عليكم قيامه، فمن استطاع منكم أن يقوم فليقم، فإنها نوافل الخير .. “الخبر(4). وهو صريح في حكم صلاة التراويح وأنها سنّة وليست فرضاً.

قال أبو يوسف رحمه الله: (( سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر؟ فقال : التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرّصه عمر رضي الله عنه من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه وعهد من رسول الله ﷺ، ولقد سنّ عمر رضي الله عنه هذا وجمع الناس على أبيّ بن كعب رضي الله عنه فصلاّها جماعة والصحابة متوافرون: منهم عثمان وعلي وابن مسعود والعباس وابنه وطلحة والزبير ومعاذ وأبيّ وغيرهم من المهاجرين والأنصار، وما رد عليه واحد منهم، بل ساعدوه ووافقوه وأمروا بذلك ))(5).

وعلى هذا: فإنّ الذي يهتم بصلاة التراويح أكثر من اهتمامه بالصلوات المفروضة قدّم الاعتناء بالمسنون على الاعتناء بالمفروض، وهذا بلا ريب مسيءٌ، والواجب عليه وعلينا جميعاً أن نهتم بالواجبات والمفروضات أكثر من اهتمامنا بالمندوبات والمسنونات، ولا يعني هذا أن نهمل أو نتساهل في صلاة التراويح وغيرها من الصلوات غير المفروضة! وإنما نعني بأن نهتم بكل الطاعات مفروضها ومسنونها ولكن نعتني أكثر بالمفروضات، كما جاء في الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله ﷺ عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)(6).

فمن فرّط في الصلوات المفروضة ثم اهتمّ بصلاة التراويح كان مسيئاً، نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً على ذكره وشكره وحسن عبادته.

الحواشي

  1. المجموع شرح المهذب ج4 ص 37.
  2. حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الأيضاح، ص 270. وراجع نقل الإجماع أيضاً في: البحر الرائق ج3 ص 321، بداية المجتهد ج1 ص 167، وكفاية الأخيار، ص 89.
  3. أخرجه مالك في الموطأ برقم 249، ومسلم في صحيحه برقم 1816، وأبو داود برقم 1373، والترمذي برقم 808 وغيرهم.
  4. أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم 7748 .
  5. الاختيار لتعليل المختار، ج1 ص 93-94، دار المعرفة .
  6. أخرجه البخاري برقم 6502، وابن حبان في صحيحه برقم 347، والبزار في مسنده برقم 8750.
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d8%ad%d9%83%d9%80%d9%85-%d8%b5%d9%80%d9%84%d8%a7%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%80%d8%b1%d8%a7%d9%88%d9%8a%d8%ad/ — azubair.net