الترائي والتحرِّي يراد بهما معنىً واحداً، هو: طلب رؤية الهلال والتماسه في الأفق في أول كل شهر قمري بالطرق والوسائل المختلفة.
وهو من مطلوبات الشرع لإثبات الشهور المرتبطة بالعبادات، كشهر رمضان وشهر شوال وشهر ذي الحجة.
والنبي ﷺ تحرى الهلال وطلبه لمعرفة الشهر فقد قالت عائشة : (كان رسول الله ﷺ يتحفّظ من هلال شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان..)(1) الحديث، والمعنى:يتكلّف في عدّ أيام شعبان لتحديد آخره لمعرفة يوم تحرّي هلال رمضان وترائيه للمحافظة على صوم رمضان (2).
وقال ﷺ: ( أحصوا هلال شعبان لرمضان) وفي رواية: (أحصوا هلال شعبان لرؤية رمضان)(3). وفي مراد أمره ﷺ قال شراح الحديث: ” تحرّوا هلال شعبان وأحصوه لرمضان ليترتب عليه الاستكمال أو الرؤية” (4).
وتراءَى صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم فأقرّ من تراءَى منهم وأخذ بترائي الناس ﷺ.
وقد أخبر ابن عمر رضي الله عنهما عن ذلك فقال:”تراءَىَ الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أنِّي رأيتُه، فصامه، وأمر الناس بصيامه” (5).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر إلى الهلال فرآه رجل فقال: “يكفي المسلمين أحدهم” فأمر الناس فصاموا أو أفطروا.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا حلّت ليلة الثلاثين من شعبان يتحرَّى رؤية هلال رمضان. وكان يبعث من ينظر الهلال إذا مضى من شعبان تسع وعشرون(6).
وهكذا كان الترائي والتحرّي لهلال رمضان من سنن المصطفى ﷺ وصحابته الكرام اتبعهم فيها التابعون وتابَعوهم بإحسان إلى أنْ اتخذ القاضي المحدّثُ عبد الله بن لهيعة رحمه الله في زمان موسى بن علي بن رباح طريقة الخروج بجماعة من أهل المسجد يتحرّون رؤية الهلال بجامع عبود بسفح المقطم وأدخلوا تحرّي شهري رجب وشعبان، حتى أُعدّت للقضاة دكة عُرفت بـ “دكة القضاة” بجبل المقطم يجلسون عليها لنظر الأهلة منها.
ولهذا؛ اتفق فقهاء المذاهب على مشروعية الترائي والتحري لهلال شهر رمضان..
فعند الحنفية ـ من غير خلاف بينهم ـ الترائي فرض كفاية على الأمة إذا قام به جماعة يستكفى بهم وإلا أثم الجميع بتركه.
ـ وعند المالكية فرضٌ كفاية على الأمة، والمعنيّ بهذا الواجب هو الإمام، فلا يجوز له أن يضيّع أمر تحري الهلال ولا أن يتكاسل في التماسه . ويكون مستحباً للأفراد إذا حصلت الكفاية بجماعة يتحرونه ويتراءونه، فإذا ضيّع الإمام أمر الهلال وجب على الناس ترائيه وتحرّيه.
ـ وعند الشافعية يكون ترائي الهلال فرض كفاية عند عموم الحاجة إليه، وفي حالة عدم الحاجة يصير مستحباً.
ـ وعند الحنابلة يكون الترائي فرض كفاية إذا كانت العبادة المرتبطة بالشهر واجبة كصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن كانت العبادة مسنونة كان الترائي مسنوناً، إذ الوسائل لها أحكام الغايات(7).
وعليه: فواجب على الأمة في كل بلد إسلامي الاهتمام بأمر هلال رمضان خاصة والأشهر الأخرى عامة، لارتباط العبادات بها، حتى إذا أهمل الإمام أمر الهلال، فالإثم لا يسقط عنهم إذا ضيعوا أمر الهلال، وإنْ كان الإثم على ولاة الأمر أكبر.
والله تعالى أعلم..