لا خلاف بين أهل العلم في المرأة إذا كانت حاملاً أو مرضعاً أنها يرخَّص لها في الفطر في رمضان، وقد نقل عدم الخلاف في ذلك غير واحد:
ـ قال الشوكاني رحمه الله: ” يجوز للحبلى والمرضع الإفطار.. قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز”(1).
ـ وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي: “ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين”(2).
ومع عدم اختلافهم في جواز أن تفطر الحامل والمرضع في رمضان؛ فإنهم ذهبوا في حكم صيامهما إلى ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: قول من يرى أنه لا يجوز للحامل ولا للمرضع الصيام بل يجب عليها الفطر إذا خافت على نفسها أو على جنينها ورضيعها. وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى مستدلاً على وجوب الفطر عليهما في الخوف على الجنين والرضيع بقوله تعالى(3). وبقوله ﷺ:(من لا يَرحم لا يُرحم)(4). قال: ” فإذ رحمة الجنين والرضيع فرضٌ، ولا وصول إليها إلا بالفطر، فالفطر فرضٌ”(5).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت له أمة ترضع فأُجهدت، فأمرها ابن عباس أن تفطر وتطعم ولا تقضي(6). وهذا يعني أنه أوجب عليها الفطر.
وكما أمر المرضع بالفطر كذلك أمر الحامل بالفطر، وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن سعيد بن جبير رحمه الله أنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان يأمر وليدة له حبلى أن تفطر في شهر رمضان(7).
وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن امرأة صامت حاملاً فعطشت في رمضان، فأمرها ابن عمر أن تفطر وتطعم كل يوم مسكينا مداً(8). وأمر رضي الله عنهما ابنته حين صامت وعطشت في رمضان أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً (9).
فإجهاد الأمة قرينة على موجب الخوف على الولد أو النفس، وعطش ابنة ابن عمر كذلك قرينة على إجهادها يدلّ على موجب الخوف على الجنين، فدلّ على أنّ الخوف على الجنين والرضيع موجبٌ للفطر على رأيهم.
المذهب الثاني: أن الحامل والمرضع يجب عليهما الصوم في حالة ويجب عليهما الفطر في حالة:
أ ـ يجب عليهما الفطر ويحرم عليهما الصوم إذا خافتا الضرر على أنفسهما أو ولديهما، ففي هذه الحالة محظورٌ عليهما الصوم..
ب ـ ويجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الفطر إن أَمِنَا ولم يخشيا ضرراً على أنفسهما ولا على ولديهما فعندئذٍ يجب عليهما الصوم ولا يجوز لهما الإفطار. وهو الرأي هو الذي ذهب إليه الحنفية(10)، وهو قول الإمام الشافعي، فقد قال رحمه الله: ” والحامل والمرضع إذا أطاقتا الصوم ولم تخافا على ولديهما لم تفطرا، فإن خافتا على ولديهما أفطرتا..” (11).
وهذا المذهب قريب من الأول، لأن الإيجاب وعدمه دائر على خوف الضرر على النفس أو الولد.
والمذهب الثالث: أنهما يباح لهما الفطر مطلقاً سواء أخافتا على أنفسهما أو ولديهما أم لم تخافا.
وهذا القول حكى ابن الحاجب المالكي الاتفاق عليه، واستظهره قائلاً: ” إذا كانت الشدة مبيحة للفطر من المرض، فالحامل والمرضع أولى بذلك”اهـ(12).
وهذا هو الصحيح الراجح، للوجوه الآتية:
1ـ أنّ الشدّة تلحقهما، ومشقة الحمل والرضاعة أكثر من مشقة سائر الصائمين، فزادتا على من سواهما بالمشقة الزائدة المعتبرة فأبيح لهما الفطر.
2ـ أنّ الشرع رخّص لهما في الفطر بسبب الحمل والرضاع، كما جاء في سنن النسائي أنّ النبي ﷺ ( رخصّ للحبلى والمرضع)(13) فدار حكم الرخصة معهما، فدلّ أن الحمل والرضاعة هما علّة الحكم وسببه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فطالما كانت حاملاً أو مرضعاً ثبت لها حكم الفطر ورخصته، أما المشقة والخوف وغير ذلك فكلها أوصاف متفاوتة غير منضبطة ولا ظاهرة، فلا تصلح علّة للحكم، فثبتت لهما الرخصة بمجرد الحمل أو الإرضاع. ولا يحرم عليها الفطر بأية حال ما كانت حاملاً أو مرضعاً.
ولكن قد يجب على الحامل الفطر ولا يجوز لها أنْ تصوم في حالتين:
الحالة الأولى: إذا شعرت بإعياء ومشقة وشدة ظاهرة، فلا يجوز لها الصوم، وإن كانت صائمة قطعت.
والحالة الثانية: إذا أمرها الطبيب المسلم الحاذق أو نصحها.
كما يجب على المرضع الفطر في حالة واحدة هي أن يجف لبنها أو يقلّ إلى درجة قدرت معها الضرر على ولدها ولا بديل له إلا لبنها.
والله تعالى أعلم..