في المسألة جانبان، جانب يتعلق بقراءة الإمام في صلاته بالناس من المصحف، والجانب الآخر يتعلق بحمل المصلين المأمومين المصاحف ليتابعوا قراءة الإمام.
أما حمل الإمام المصحف وقراءته منه في صلاة التراويح؛ فالعلماء فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لأبي حنيفة، وقد ذهب إلى أنّ الإمام الذي يصلي في رمضان وغيره ويقرأ من المصحف، صلاته فاسدة، من وجهين:
الوجه الأول: حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه، عمل كثير، والعمل الكثير يفسد الصلاة.
والوجه الثاني: أنّ هذا تعلّمٌ من المصحف في الصلاة، والتعلّم في الصلاة مفسدٌ للصلاة، كما لو تعلّم من معلم؛ وهذا لأن التعلم نوعان: تعلم من الكتاب، وتعلم من معلم، والتعلم من المعلم يفسد الصلاة، فكذا من الكتاب، فعلى هذا الوجه: وإن كان المصحف بين يديه، وهو لا يحمله ولا يقلب الأوراق تفسد صلاته عند أبي حنيفة(1).
القول الثاني: لصاحبي أبي حنيفة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني رحمهما الله، وهو أنّ صلاته لا تفسد ولكن يكره للإمام حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة.
ووجه عدم فساد الصلاة عندهما: أنّ المفسد إنما يكون حمل المصحف، أو النظر فيه، أو تقليب الأوراق..
أ ـ وحمل المصحف لا يصلح أن يكون مفسداً، لأنّ حمل ما هو أكثر من ذلك لا يفسد الصلاة، بدليل أنّ النبي ﷺ كان يصلي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، وكان يضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام..
ب ـ والنظر في المصحف لا يصلح مفسداً، ولا يقاس بالنظر إلى نقوش المحراب؛ لأن النظر في المصحف عبادة، والنظر إلى نقوش المحراب ليس بعبادة..
ج ـ وتقليب الأوراق عملٌ يسيرٌ لا يقطع الصلاة..
ووجه الكراهة: أنّ حمل المصحف والقراءة منه في الصلاة يشبه أهل الكتاب في صلاتهم فيما عنه بدّ، بخلاف القراءة عن ظهر القلب؛ لأنه لا بدّ منه(2).
القول الثالث: الجواز وعدم الكراهة في التراويح وغيرها من النوافل، وهو قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وبه قال جمهور التابعين(3).
قال مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤم الإمام بالناس في المصحف في رمضان وفي النافلة (4).
ـ وعَنِ الْحَكَمِ ؛ فِي الرَّجُلِ يَؤُمُّ فِي رَمَضَانَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ رَخَّصَ فِيهِ.
ـ وعَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ ، قَالاَ : لاَ بَأْسَ بِهِ.
ـ وعَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : لاَ بَأْسَ بِهِ.
ـ وعَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : لاَ بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْمُصْحَفِ إذَا لَمْ يَجِدْ، يَعْنِي مَنْ يَقْرَأُ ظَاهِرًا(5).
ودليل الجواز:
1ـ حديث ذكوان مولى عائشة أنه كان يؤم عائشة في رمضان، وكان يقرأ من المصحف، ولو كان مكروهاً لما رَضِيْت به(6).
2ـ وعَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ طَلْحَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ غُلاَمًا، أَوْ إنْسَانًا يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ يَؤُمُّهَا فِي رَمَضَانَ.
3ـ إن النظر في المصحف عبادة، والصلاة أيضاً عبادة، والقراءة في الصلاة من المصحف أضافت عبادة إلى عبادة فلا تكره.
4ـ إنّ الواجب قراءة القرآن مطلقاً، وقد قرأ القرآن، فيجوز كما لو قرأ عن ظهر القلب.
5ـ أما ما استدل به الصاحبان ـ أبو يوسف ومحمد ـ للكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، أجاب الجمهور بأنّه ليس كل تشبّهٍ بهم مكروه، إذ ليس كل ما يفعله أهل الكتاب يكره لنا، ألا ترى أنهم يقرؤون عن ظهر قلب، ونحن نقرأ كذلك عن ظهر قلب ولا يكره!.
أما ما يتعلق بحمل المأمومين المصاحف في صلاة التراويح ، فقد كرهه كثير من أهل العلم إن كان بغير حاجة شرعية، كأن يحتاج الإمام إلى من يفتح عليه أثناء القراءة إذا لم يكن بين المصلين من الحفظة الذين يفتحون على الإمام إذا وقفت عليه الآية. وفي مصنف ابن أبي شيبة أن أنساً رضي الله عنه كَانَ يُصَلِّي وَغُلاَمُهُ يُمْسِكُ الْمُصْحَفَ خَلْفَهُ فَإِذَا تَعَايَا فِي آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ(7).
ووجه الكراهة: أنّ المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام.
والله تعالى أعلم..