من كان معتكفاً في مسجد لا تصلّى فيها الجمعة، فواجب عليه الخروج لصلاة الجمعة بلا خلاف يُعلم بين أهل الفقه، ولكن هل خروجه للجمعة مع لزومه يبطل به اعتكافه؟ في بطلان اعتكافه اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنّ خروجه للجمعة واجب ولا شيء عليه فيه، واعتكافه باقٍ صحيحاً لا يبطل بذلك.
وهذا قول الجمهور، أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية ابن الجهم عنه، وبه قال ابن المنذر، والحسن البصري، والثوري، وابن المبارك، والحسن بن حي، وسعيد بن جبير، وعمرو بن حريث، والشعبي، وأبو سلمة وغيرهم، وهو اختيار ابن العربي وابن الماجشون من أئمة المالكية وصححه القرطبي في تفسيره (1).
القول الثاني: ما ذهب إليه المالكية في المشهور أنّه إنْ اعتكف في غير المسجد الذي يجمَّع فيه لزمه الخروج لصلاة الجمعة فيخرج ويبطل اعتكافه بخروجه(2).
ووافقهم الشافعية في الصحيح من مذهبهم في حالتين:
أ ـ إذا كان الاعتكاف تطوعاً.
ب ـ إذا كان نذراً متتابعاً (3).
وحجتهم: أنه كان يمكنه الاحتراز من الخروج للجمعة بالاعتكاف في المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، فقصّر(4).
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي اختاره وصححه كثير من أئمة المالكية، وذلك:
أـ لقول عليّ رضي الله عنه: ” من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب، ويشهد الجمعة والجنازة وليوصل أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم لا يجلس عندهم” (5).
ب ـ لأنّ الاعتكاف مأذون في عموم المساجد لقوله تعالى والألف واللام للاستغراق والعموم، فلزم من ذلك أن يخرج إلى مسجد الجمعة.
ج ـ أن من عليه الجمعة كان الخروج مما لا بد له منه، لأنه لا يتم له حضور صلاة الجمعة إلا بالخروج من معتكفه، فكان خروجاً للضرورة.