إنّ إظهار المباحات المعروفة من الأكل والشرب، وفعلها في نهار رمضان من أكبر الكبائر، إذ فيه انتهاك لحرمته، وإظهار لما نهى الله عنه، فكيف بإظهار المعاصي والكبائر المتفق عليها؟ لا شكّ هذا من أعظم ما يقترفه المسلم من الذنوب.
وعليه: فإنّ هذا الذي شرب الخمر في رمضان وأظهر سكره في نهاره بين الصائمين، يجب أنْ يُردع حتى لا يتساهل في إظهار المعاصي وانتهاك حرمة رمضان.
ولذلك:
أولاً: لا يترك هذا الشارب السكران، بل ينكر عليه، والإنكار عليه بالزجر أو التوبيخ أو نحو ذلك لا يجدي مع مثله لأنه سكران، ولن يعي شيئاً مما يزجر به أو يوبخ عليه؛ فلم يبق من سبيل للإنكار عليه إلاّ أن يؤخذ إلى الشرطة والسلطان ليقيم عليه الحد ويعاقبه.
ثانياً: لا يكفي إقامة حدّ شرب الخمر عليه، لأنه ارتكب كبيرات شنيعات، أولها: شربه للخمر، وثانيها: إظهاره السكر والمعصية أمام المسلمين، وثالثها: انتهاكه لحرمة رمضان. فيحدّ لشربه الخمر، ويعزّر بأشدّ العقوبة لإظهاره هذه المعصية الكبيرة أمام المسلمين ولانتهاكه حرمة شهر رمضان.
وقد وقع مثل ذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما، أمّا ما كان في عهد عمر رضي الله عنه فحكم فيه ؛ فهو ما جاء في مصنف عبد الرزاق رحمه الله بسنده عن ابن جريج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية أنّ عمر بن الخطاب كان إذا وجد شارباً في رمضان نفاه مع الحد(1).
وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: أتي عمر بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين للمنخرين وولداننا صيام؟ قال فضربه ثمانين ثم سيره إلى الشام(2).
وفي المصنف لابن أبي شيبة عن أبي سنان البكري قال: أتي عمر برجل شرب خمراً في رمضان فضربه ثمانين وعزّره عشرين (3).
وأمّا الذي وقع في خلافة عليٍّ رضي الله عنه فحكم فيه فهو ما جاء في المصنف لابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه قال: ( أوتي عليٌّ برجل شرب خمراً في رمضان فجلده ثمانين وعزّره عشرين))4(.
وعن أبي مصعب عطاء بن أبي مروان ، عن أبيه ؛ أن عليَّاً أُتي بالنجاشي الحارثي الشاعر سكراناً من الخمر في رمضان ، فتركه حتى صحا ، ثم ضربه ثمانين ، ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين ، فقال رضي الله عنه: « ثمانين للخمر ، وعشرين لجرأتك على الله في رمضان، وعند البيهقي: لجرأتك على الله وإفطارك في شهر رمضان » (5).
والنجاشي هذا هو قيس بن عمرو الحارثي ، وان فاسقاً رقيق الدين.
وقصته أنه خرج في شهر رمضان على فرسٍ له بالكوفة يريد الكناسة، فمر بأبي سمالٍ الأسدي فوقف عليه، فقال: “هل لك في رؤوس حملانٍ في كرشٍ في تنورٍ من أول الليل إلى آخره، قد أينعت وتهرأت؟” فقال له: “ويحك أفي شهر رمضان تقول هذا؟” قال: “ما شهر رمضان وشوالٌ إلا واحداً!” قال: فما تسقيني عليها؟ قال: شراباً كالورس، يطيب النفس، ويجري في العرق، ويكثر الطرق، ويشد العظام ويسهل للفدم الكلام، فثنى رجله فنزل، فأكلا وشربا، فلما أخذ فيهما الشراب تفاخَرَا، فعلتْ أصواتُهما، فسمع ذلك جارٌ لهما، فأتى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأخبره، فبعث في طلبهما، فأمّا أبو سمالٍ فشق الخص ونفذ إلى جيرانه فهرب، فأخذ النجاشي فأتى به عليَّاً رضي الله عنه فقال له: “ويحك، ولداننا صيامٌ وأنت مفطرٌ؟”. فأقام عليه الحدّ وعزّره بأشدّ العقوبة.
وقال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، فقال النجاشي: “ما هذه العلاوة يا أبا الحسن؟” فقال: “هذه لجرأتك على الله في شهر رمضان”. ثم حمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: “سلح سلح”(6)، فيقول: “كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ”؛ وهجا أهل الكوفة فقال:
إذا سقى الله قوماً صوب غاديةٍ فلا سقى الله أهل الكوفة المطــــــرا
وأرسل الريح تسفي في عيونهم حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجـــــــــرا
ألقى العداوة والبغضــــاء بينهم حتى يكونوا لــن عاداهم جــــــــزرا
السّــــــــــارقين إذا مـا جنّ ليلهم والدّارسين إذا ما أصبحوا السّــورا
والتّاركين على طهرٍ نســــــاءهم والنّاكحين بشطّــي دجلـة البقـــــرا
ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ:
يا أيّها الملك المهدي عـــــداوتـه انظر لنفســك أيّ الأمر تــــــأتمر
واعلم يقيناً بأنّ المجــــــد في نفرٍ هـم العرانين ما ساواهم بشـــــــر
فإن نفست على الأقوام مجـدهم فابسط يديك فإنّ الخير مـبتــــدر
نعــم الفتى أنت إّلا أنّ بينكمــــــا كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر
إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحــــــدٍ حــتى أبيّن مــــــــــــا آتي وما أذر (7).
وعلى هذا:
فشارب الخمر في رمضان ينتهك بذلك حرمة نهاره يعاقب وجوباً بما يلي:
1ـ يجلد الحدّ الأقصى ثمانين جلدة.
2ـ يحبس كما فعل عمر وعلّ رضوان الله تعالى عليهما.
3ـ يعزّر بجلد زائد عن الحدّ وقد جلد عمر وعليّ كلاهما عشرين جلدة زيادة على الحدّ ( الثمانين ).
4ـ أن ينكّل به، ويطاف به ويسمّع ويشهّر به زيادةً في النكال والعقوبة، على ما ذهب الإمام الزهري رحمه الله، وقد قال: « مَن شرب في رمضان، فإنْ كان ابتدع ديناً غير الإسلام؛ استُتيب. وإنْ كان فاسقاً من الفسّاق؛ جُلد، ونُكّلَ وطُوّف وسُمّع به. والذي يترك الصلاة مثل ذلك(8).