السجاير وشرب الدخان حرام باتفاق جماهير أهل العلم ، ولا يختلف في حرمته فقيه في الشرع عالم بمقاصده ، لأنه ضار بإجماع الأطباء وأهل العلم بالطب، وفعل ما فيه ضرر بين ـ قطعياً كان أو غالباً ـ محرم باتفاق . ومع ذلك قال كل من سئل عن حكمه بالحرمة . إلا ما حُكيَّ عن بعض المتأخرين والمعاصرين بأنه مكروهٌ كراهة تحريم. “والمكروه كراهة التحريم” مصطلح معروف عند أهل الفقه والأصول، خاص بالحنفية وهو من قسم المحرم عندهم الذي لا يكفر منكره ، بينما المحرم يكفر منكره لأن دليل المحرم قطعي لا شبهة فيه ودليل المكروه كراهة التحريم فيه شبهة عندهم، والمشهور عن الحنفية التحريم، فالشربتلالي في نظمه نصّ قائلاً: ويمنع من بيع الدخان وشربه. والعلامة عبد الحي اللكنوي ألّف رسالة خاصة بذلك سماها: زجر أرباب الريان عن شب الدخان(1) .
فالسجاير محرمة ولا يُعلم خلاف في حرمته في عصرنا لما ثبت من ضررها القطعي بالشارب والمشتم معاً باتفاق الأطباء من أهل المعرفة بذلك، وإنْ كان للعلامة علي الأجهوري المالكي ولعبد الغني النابلسي في عصرهما خلافٌ(2)، ولو أنهما علما ما علمه علماء العصر في هذا الزمان؛ ما وسعهما إلاّ موافقة الناس في حرمته، مثلما فعل الشيخ الزيادي الشافعي رحمه الله.
قال البجيرمي رحمه الله: « وأما الدخان الحادث الآن المسمى بالنتن لعن الله من أحدثه فإنه من البدع القبيحة، فقد أفتى شيخنا الزيادي أولاً بأنه لا يفطر، لأنه إذ ذاك لم يكن يعرف حقيقته، فلمَّا رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها؛ رجع وأفتى بأنه يفطر»(3).
وفي شرحه قول الخطيب: ( ويحرم ما يضر البدن أو العقل ) يقول البجيمي: ومنه يُعلم حرمة الدخان المشهور، لما نقل عن الثقات أنه يورث العمى والترهل والتنافيس واتساع المجاري(4). وذكر بعضهم أن من أسباب تحريمه: أنه يفتح مجاري البدن ويهيئها لقبول الأمراض المضرة (5).وهذا ما توصّل إليه البحث الطبي الحديث في زماننا أنه سبب لقبول الجسم التسرطن.
وذهب الحنابلة إلى أن شارب الدخان المعلن له فاسق كما جاء في الشرح الممتع لابن عثيمين رحمه الله: « ولو أذن المعلن بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدخان جهرا، فإنه لا يصح أذانه على كلام المؤلف». وجاء في موضع آخر: « ولو اجتمع شخصان كلاهما يشرب الدخان لم يصل أحدهما بالآخر، لأن كل واحد منهما فاسق » (6).
ونقل إبراهيم اللقاني رحمه الله عن بعض فقهاء السودان وقد سئل عنه رحمه الله تعالى: « ظهرت أوراق شجر في تنبكتو وابتلي المسلمون بحرقها وشرب دخانها في كل وقت زاعمين أنها دواء لكل داء واستعملها خاصتهم وعامتهم وسلاطينهم وكبراؤهم وغلت أثمانها وهذا من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل ».
وذكر عن شيخه سالم السنهوري رحمه الله قائلاً: « وسئل عنه أي الدخان شيخنا وقدوتنا العلامة سالم السنهوري، فأفتى بتحريمه واستمر على فتواه به إلى موته، ولم يخالفه فيه أحدٌ من علماء عصره، وتابعه عليه أهل الدين والصلاح والرشد من الحنفية وغيرهم ».
وجزم اللقاني رحمه الله بأن مذهب الحنفية التحريم(7).
وبهذا ثبت تحريم شرب الدخان والسجاير في المذاهب الأربعة.
ومما ذكره الفقهاء في زمانهم عن علّة تحريمه:
1ـ أنه من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه فإنه يتولد من تكاثف دخانها في أجوافهم أمراض وعلل.
2ـ تكرار الدخان يسوّد ما يتعلّق به، وتتولّد منه الحرارة، فتكون داءً مزمناً مهلكاً، فيشمله قوله سبحانه ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ﴾ [ النساء،29].
3ـ أنّ مبدأ خروج الدخان من أرض النصارى الإنكليز، استعملوه على هذه الهيئة، فمن استعمله فقد أحيا سنتهم وقوىَّ بدعتهم.
4ـ دعوى أن فيه بعض الشفاء لبعض الناس؛ أنه لا شفاء فيه أصلاً، وضرره مشاهد في أكثر مستعمليه، وأدنى ضرره إفساده العقل والبدن، وتلويث الظاهر والباطن المأمور بتنقيتها شرعاً وعادةً ومروءةً، كما يلوث آلة شربه. والظاهر عنوان الباطن واستعمال المضر حرام.
5ـ أطبق الأطباء على أن أصناف الدخان مجففة ونص القانون وأصناف جميع الدخان مجففة بجوهره الأرضي وفيه نارية مشوبة بجوهرة الناري ولذا يطلب العلو ما دام مختلطا بالأجزاء النارية ا هـ . فإذا كان مجففا للرطوبات البدنية فقد أدى إلى حصول أمراض كثيرة واحتراق الكبد والدماغ والقلب ويتبعها في ذلك سائر البدن.
6ـ ما قاله رئيس الأطباء أبو علي بن سينا: « لولا الدخان والقتام لعاش ابن آدم ألف عام » (8).
هذا؛ غير المضار والمفاسد التعبدية المترتبة على شرب الدخان، وقد قال الشيخ الخرشي شارح خليل رحمه الله في ذلك:
في الناس قومٌ سخافٌ لا عقول لهم * استبدلوا عوض التسبيح دخانا
أنبـوبة في فــمٍ والنًّــــــــــــــار داخلها * تجـرُّ للجوف دخــــــاناً ونيرانا
لو كان في ذاك ذكر الله مـــــــا قربت * إليهــــــم النَّار إجــلالاً لمولانا
وقال بعضهم:
من قـرأ القــرآن منتن الـــــــــــــفم من غيـــــــــــر ردة أتى بمــأثم
وشارب الــدخان بالإثــــــم أحقّْ لأنه أنتنـــــــــــــــــــه بغـير حقّْ
وعلى كلٍّ: فشرب في نهار رمضان يفسد الصوم(9)، لأنه فعلٌ محرّمٌ يمكن التحرز منه ، فإن فعله متعمّداً عالماً بإفساده وجب عليه القضاء والكفارة، لأنه منتهك حُرمة الصيام بمحرّم، وإن فعله جاهلاً بإفساده وجب عليه القضاء، وإن فعله ناسياً، لا قضاء عليه مع الإثم .
وبإيجاب شرب الدخان والسجاير في نهار رمضان القضاء والكفارة أفتى المالكية والحنفية.
وقد سئل الشيخ عليش عمن شرب الدخان في نهار رمضان عامدا فهل تلزمه الكفارة ؟. فأجاب: نعم تلزمه الكفارة إن وصل لجوفه. قال ابن عرفة تجب الكفارة في إفساد صوم رمضان انتهاكا له بموجب الغسل وطئاً وإنزالاً والإفطار بما يصل إلى الجوف أو المعدة من الفم. وفي المختصر: وكفّر إنْ تعمّد أكلاً أو شرباً بفم فقط، ووصل لجوفه، وقال عبد الباقي” لعله الزرقاني”: الدخان الذي يشرب مفطر إذ هو متكيف ويصل إلى الحلق، بل إلى الجوف أحياناً ويقصد. وفي المجموع : وصحته بترك ما يصل المعدة مطلقا أو الحلق من مائع أو دخان ثم قال: كفّر منتهك رمضان بإدخالٍ من فمٍ فقط.. » ا هـ (10).
وفي موضع آخر قال: « وضع الدخان في الفم على الوجه المذكور مضاد لحقيقة الصيام التي هي الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى تمام غروب الشمس بنية ; لأنه نوع من أنواع التكيف به تسميه العامة مضغاَ ويصل طعمه للحلق ويتكيف به الدماغ مثل تكيفه بالدخان الذي يمص بالعود أو يتنشق به من الأنف أو أشد فلا شك في إفطاره الصائم وإيجابه الكفارة الكبرى إن كان في أداء رمضان عمدا بلا تأويل قريب»(11).
وقد نظم الشربتلالي الحنفي في ذلك بيتين قائلاً (12) :
ويمنع من بيع الدخان وشربه
وشاربه في الصوم لا شكَّ يفطر
ويلزمه التكفير لو ظنَّ نافعاً
كذا دافعاً شهوات بطنٍ فقرروا (13)