هذه المسألة تتعلق بحكم التطوع قبل القضاء ، ومعروف أنّ قضاء رمضان واجبٌ لقوله تعالى بينما صيام التطوع ليس بواجبٍ. فالأصل في المسألة أنه لا يجوز الصيام تطوعاً قبل القضاء ، لأن الواجب لا يُترك إلاّ لواجب ، والتطوع ليس واجباً فلو صام تطوعاً يكون قد ترك واجب القضاء من أجل التطوع غير الواجب.
ومع ذلك اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: يرى عدم جواز صيام التطوع قبل القضاء، بناءً على القاعدة السابقة” لا يُترك الواجب إلاّ لواجب ” ولحديث أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ( من صام تطوعاً وعليه من رمضان شيء لم يقضه؛ فإنه لا يُتقبل منه حتى يصومه )(1).
القول الثاني : يرى جواز التطوع وإنْ كان عليه قضاء ، لينال فضيلة شوال، فيجوز له أن يصوم ستاً من شوال ثم يقضي ما عليه من رمضان، لأمرين:
الأمر الأول: أن القضاء عبادة تتعلق بوقت موسّع، فلا تزاحم بين القضاء والتطوع، لأنه يستطيع أن يقضي ما عليه من رمضان في أي وقت غير شوال ، ولا يستطيع أن ينال فضل شوال إلا في شوال.
والأمر الثاني: قياساً على الصلاة ، فإنه يتطوع في وقتها ، فكذلك الصوم.
والقولان مرويان عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى(2).
القول الثالث: يذهب إلى جواز الجمع بين القضاء والتطوع بصيام واحد يُشرك فيه نية التطوع مع نية القضاء، فيصوم القضاء في وقت الفضيلة، كأن يقضي ما عليه من رمضان في شوال جمعاً بين قضاء رمضان وصيام ست من شوال ، أو يقضي رمضان في أيام العشر من ذي الحجة، أو يوم عاشوراء، ونحو ذلك.
وهو قول للمالكية والشافعية..
أما المالكية فقد قال اليعقوبي في شرح الكفاف (3):
فللقضاء يوم عاشـــــــوراء ندبٌ لمن طولـب بالقضـاء
وأجرُ ذَينِ قد رآه الـــــرائي لقاصد القضـا وعاشــــوراء
وأما الشافعية فهو المعتمد عندهم كما جاء في تحفة الحبيب على شرح الخطيب: “قال البجيرمي: وأفتى البارزي بأن من صام عاشوراء مثلاً عن قضاء أو نذر حصل له ثواب يوم عاشوراء ، وهو المعتمد” (4).
وجاء في الشرقاوي على التحرير للشيخ زكريا الأنصاري: “ولو صام فيه أي في شوال قضاء عن رمضان أو غيره أو نذرًا أو نفلا آخر حصل له ثواب تطوعها، إذ المدار على وجود الصوم في ستة أيام من شوال وإن لم يعلم بها أو صامها عن أحد (أي النذر أو النفل ) لكن لا يحصل له الثواب الكامل المترتب على المطلوب إلا بنية صومها عن خصوص الست من شوال، ولا سيما من فاته رمضان أو صام عنه شوال، لأنه لم يصدق عليه أنه صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال”(5).
وهذا هو المختار الراجح، للأسباب الآتية:
[1] أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر من ذي الحجة، وقد قال: ” ما من أيام أحبّ إليّ أن أقضي فيها شهر رمضان من هذه الأيام، لعشر ذي الحجة”(6).
[2] أنّ خالد بن أبي عمران سأل القاسم بن محمد وسالم بن عبدالله رحمهم الله تعالى عن رجل عليه يوم من رمضان، أيقضيه في العشر؟ قالا: ” نعم ويقضيه يوم عاشوراء” (7).
[3] أنّ كثيراً من العبادات تصح وتتم بالجمع فيها بين الواجب والمستحب بفعل واحد، ومن ذلك :
أ ــ من كان عليه غُسل واجب يوم الجمعة فجمع بين الواجب والمستحب في غُسل واحد صح منه وأجزأه ، ويشير إليه حديث النبي ﷺ: (من غَسّل يوم الجمعة واغتسل ، وبكّر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها ) (8).
ب ـ يمكن أن تؤدى تحية المسجد بفرض بحيث إذا نوى الفرض وتحية المسجد حصلا له، وإن لم ينو التحية لم يحصل ثوابها، كما يقول المالكية.
ج ـ وتؤدى ركعتا الحاجة بالفرض والنفل وتحصل بذلك كما يقول الشافعية(9).
د ـ من عليه قضاء فوائت من صلاة قديمة فوقّته في أوقات التنفل المستحبة كوقت الضحى ووقت التهجد بالليل صحّ .
كذلك يجوز ويصحّ توقيت قضاء رمضان في الأيام المستحب صيامها كست من شوال، وعشر ذي الحجة، ويوم عاشوراء، ويوم عرفة، ونحو ذلك، وينال بكرم الكريم الرحيم فضلهما.
وعليه: فإنّ الخيار للصائم في الثلاثة، ولكن مع ذلك الأَوْلَى له:
أولاً: أنْ يقضى أولاً ثم يصم التطوع ..
ثانياً: إنْ لم يستطع أو شق عليه ذلك، صام تطوعاً الست من شوال ثم قضى فيما بعد ما عليه من رمضان..
ثالثاً: إنْ خشي أن لا يستطيع ذلك؛ جمع بين القضاء والتطوع في صيام واحد بإشراك نية التطوع في القضاء لنيل فضيلة شوال فله ذلك، وصحّت منه الصور الثلاث (10).