اتفق الصحابة كلهم رضوان الله عليهم – فيما عُلم – على أنه لا يجب على من أصيب بجنابة أن يغتسل قبل طلوع الفجر ، وأنه إذا أصبح وهو جُنب صحّ صومه ، ولا شيء عليه ، لا قضاء ولا كفارة . فاتفقوا جميعاً إلا ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : ( من أدركه الفجر جُنباً فلا يصم )(1)
وقد تعلّق بعض الناس بقول أبي هريرة رضي الله عنه من التابعين وتابعيهم . إلا أن الحُجَّة في سنة رسول الله ﷺ التي صحت عنه من فعله عليه الصلاة والسلام. فقد أخرج أهل الصحاح عن عائشة وأم سلمة زوجي رسول الله ﷺ أنهما قالتا: ( إن كان رسول الله ﷺ ليصبح جُنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم)(2) . وصرّحت أم سلمة قائلة : ( ثم لا يفطر ولا يقضي)(3).
ولا شك أننا نأخذ بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي ﷺ دون ما رواه أبو هريرة رضي الله عنهما :
أولاً : لأن عائشة وأم سلمة هما زوجتا رسول الله ﷺ، وزوجتاه أعلم بهذا الأمر من رجل لا يعرف مثل ذلك إلا سماعاً أو خبراً ، وليس الخبر كالمعاينة.
ثانياً : لأن النقاء عن الجنابة ليس من شروط صحة الصوم وإن كان من شروط صحة الصلاة . ومن المتفق عليه بين العلماء أن من احتلم في نهار رمضان يجب عليه الغسل ولا يبطل صومه .
ثالثاً : لأن الله تعالى أباح للصائمين الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر فقال (4)، فإذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جُنباً . فدلّ القرآن على جواز أن يصبح الجُنب صائماً
ومع ذلك فإن أبا هريرة رضي الله عنه قد تراجع عن مذهبه وفتواه حين اُخبر برواية عائشة وأم سلمة حتى قال : ” هما أعلم “(5) ، وفي رواية: ” هنّ أعلم برسول الله ﷺ منّا “(6)
ولما وافق أبو هريرة الجمهور لم يعد للخلاف مكان ، فارتفع واستقر الإجماع على صحة صوم من أصبح جُنباً كما جزم به النووي . وقال ابن دقيق العيد : ” صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع “(7). والله تعالى أعلم ..