جاء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله ﷺ طريقان لإثبات الشهر المعظّم، هما: طريق الرؤية، وطريق التقدير.
الطريق الأول: طريق الرؤيــة:
فالرؤية هي الأصل المتفق عليه بين الناس في إثبات هلال رمضان وشوال، وقد جاء الأمر بالرؤية صريحاً في السنة الشريفة وواضحاً في القرآن الكريم، ففي القرآن الكريم قوله تعالى: . و﴿شَهِدَ﴾ فيه معنى الشهود أي الحضور، وفيه معنى الشهادة والمشاهدة وهي الرؤية، فالرؤية سواءٌ أكانت بالمشاهدة أو بسماع الشهادة بالرؤية يصحّ إثبات الشهر بها.
ـ وفي السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم أحاديث، منها:
1ـ قوله ﷺ:( لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه)(1)..
2 ـ وقوله ﷺ:( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)(2).
3ـ وقوله ﷺ: ( إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا..)(3).
أما الرؤية في الأحاديث الشريفة فهي الرؤية البصرية غالباً، لأنها كانت المتاحة على عهد رسول الله ﷺ وهي الأصل المتفق عليه بين الأمة.
والطريق الثاني: التقدير: وفي مراده ومعناه اختلف العلماء إلى أربعة أقوال:
القول الأول: إنّ التقدير من القدر وهو العدّ، فيكون بإكمال عدة شعبان ثلاثين، والمعنى: قدّروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً. وهذا القول هو مذهب الجمهور “الحنفية والمالكية والشافعية” جمعاً بين الحديثين السابقين: حديث (فإن غم عليكم فاقدروا له) وحديث: (فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين).
فقالوا: الحديث الأول مجملٌ، فجاء الحديث الثاني مفسراً له، فأراد بالتقدير في الحديث الأول إكمال عدة شعبان ثلاثين كما نصّ الحديث الثاني.
والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة وطاووس اليماني رحمهم الله ، فذهبوا إلى أنّ التقدير هو التضييق (4)، ومنه قوله تعالى (5) أي ضيّق عليه رزقه. وقوله تعالى
(6)والمعنى : من ضيّق عليه رزقه. وقوله تعالى
(7)أي يضيق.
هذا المعنى هو ما قالت به عائشة وأسماء ابنتا أبي بكر الصديق ، وابن عمر رضي الله عنهما كما روى عنه نافع رحمه الله أنه رضي الله عنه إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً بعث من يتحرّى، فإذا لم يُر الهلال، وكانت السماء صحواً، أفطر، وإلاّ أصبح صائماً (8).
ومعنى التضييق أن يضيّق الشهر بسبب الغيم فيجعل شهر شعبان تسعة وعشرين يوماً إذا كانت السماء غيماً، لاحتمال أن يكون عدم الرؤية بسبب غياب الهلال وراء الغيوم وأن معنى (فاقدروا له) أي فقدروه تحت السحاب، وعلى أنّ الأصل في الشهر القمري أنه تسعة وعشرون يوماً، ولعلهم أخذوا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ﷺ: ( الشهر تسع وعشرون ليلة، لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، إلاّ أنْ يغمّ عليكم، فإن غمّ عليكم فاقدروا له)(9)، وحديث ابن عمر أيضاً عن النبي ﷺ قال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا، عشراً وعشراً وتسعاً)(10).
والقول الثالث: إنّ التقدير هو النظر والتدبّر، من قدّرت الأمر إذا نظرت فيه ودبرته، ويكون هنا بالنظر في الشهور السابقة لشعبان، فإن كان توالى منها ثلاثة أشهر كاملة عمل على أن شعبان ناقص، أي تسعة وعشرون يوماً، فيصبح الناس صياماً، وإذا كان توالى ثلاثة أشهر قبل شعبان ناقصة أي تسعة وعشرون يوماً، اعتبر شعبان ثلاثين يوماً فيصبح الناس مفطرين، لأنه لا تتوالى أربعة شهور ناقصة ولا كاملة إلاّ في النادر، وإن لم تتوالَ الشهور السابقة لشعبان كملت عدة شعبان ثلاثين، لأنه اليقين.
هذا في الصيام، أما في الفطر ؛ فلا يؤخذ بالتقدير الذي يُظنّ فيه أن رمضان ناقص(11).
القول الرابع: إنّ المراد بالتقدير في الحديث حساب المنازل، فمعنى: (فاقدروا له) أي قدِّروه بمنازل القمر.
وهؤلاء جمعوا بين القرآن والسنة، وقالوا: السنة مفسرة للقرآن وموضحة له كما أن القرآن موضح للسنة، ولا تعارض بينهما، فقول النبي ﷺ: (فاقدروا له) أي للهلال، موافق لقول الله تعالى في شأن القمر (12). وتقدير المنازل كما نصّ القرآن موصل للعلم، فيكون التقدير بالحساب.
وهذا مذهب : مطرِّف بن عبد الله بن الشخير من جلّة التابعين، وابن قتيبة من المحدثين، ومن الفقهاء: ـ ابن سريج وابن دقيق العيد والسبكي من الشافعية، وحكي عن الإمام الشافعي، وبه قال بعض الحنفية كما جاء في الفتاوى الهندية،كما ذكره ابن عابدين في رسالته ” تنبيه الغافل والوسنان في أحكام هلال رمضان “وفي حاشيته على الدر المختار، وهو قول بعض المالكية البغداديين. وهو قول القاضي عبد الجبار ومحمد بن مقاتل الرازي وغيرهم .
ومن المعاصرين : المحدث العلامة أحمد محمد شاكر، ومحمد رشيد رضا، وطنطاوي جوهري، ومصطفى أحمد الزرقا. ومن شيوخ الأزهر: الشيخ المراغي، والمطيعي مفتي الديار المصرية في زمانه، وجاد الحق علي جاد الحق، وهو رأي الشيخ علي الطنطاوي، ومحمد سلامة جبر، والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم(13). والله تعالى أعلم.