ليس من شروط صحة الاعتكاف أن يكون في رمضان، ويصح الاعتكاف في غير رمضان، وقد ثبت أنّ النبي ﷺ كما اعتكف غالباً في رمضان اعتكف في غير رمضان، ففي الصحيحين وغيرهما أنّ النبي ﷺ اعتكف مرة في العشر الأول من شوال (1). فدلّ أنه يجوز الاعتكاف في غير رمضان.
ولكن سبب حرص المسلمين في الاعتكاف في رمضان؛ اتفاق الأئمة وصالحي الأمة على أنّ أفضل الشهور للاعتكاف شهر رمضان، وأفضل أيامه العشر الأواخر منه. وفوق ذلك هناك علاقة حميمة بين رمضان والاعتكاف.
فالاعتكاف سنة من سنن الصوم يكتمل به مقصود الصيام، وتتوثق آثاره التي منها: تصفية مرآة العقل في المسلم الصائم، والتشبه بالملائكة الكرام في وقته، الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يقولون إلا خيراً ومعروفاً كما قال الله في وصفهم: (2). فأتبع الشارع الحكيم تشريع استحباب الاعتكاف في آخر أيام الصيام الواجب في العشر الأواخر من رمضان ليكون الشبه تاماً بملائكة الرحمن في استغراق الأوقات بالعبادات، وحبس النفس عن الشهوات، وكف اللسان عما لا ينبغي، فكان الأليق بهذا الحال؛؛ لزوم أحبّ الأماكن إلى الله
والإقامة على أحب الأعمال إلى الله من العبادات والطاعات والأذكار، وحبس النفس عن كل ما لا يحبه الله من المحرمات والمكروهات.
بل إن الاعتكاف لِيَكْتَمِلَ به مقصودُ الصيام من تحصيل التقوى والتحقق بها؛ منع الشارعُ فيه ما كان مباحاً في غيره من نحو الخروج من المسجد بعد قضاء الصلوات انتشاراً في الأرض، ونحو كل ما لا حاجة إليه من دواعي الخروج، ومن نحو معاشرة الأزواج مما كان مباحاً في غير الاعتكاف، وذلك ليتحقق الحبس والملازمة على أكمل وجهٍ وأجمله.
ولذلك كان النبي ﷺ يعتكف في رمضان، وما مرّ رمضان برسول الله ﷺ إلا واعتكف فيه، بل إنه اعتكف رمضان كله متنقلاً بين العشر الأوائل إلى العشر الأواسط ثم صار اعتكاف العشر الأواخر من سننه المؤكدّة عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين من حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ – قَالَ – فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِى نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لي إِنَّهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ »(3).
ولأنّ من مقاصد الاعتكاف الترصّد والتحرّي لالتماس ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر بخبر الله تعالى للنبي ﷺ وأمته، ولهذا نادى رسول الله ﷺ في العاكفين معه العشر الأوسط أن يواصلوا معه في اعتكاف العشر الأواخر لالتماس ليلة القدر فيها، فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه فَقُلْتُ: أَلاَ تَخْرُجُ بِنَا إِلَى النَّخْلِ نَتَحَدَّثْ! فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: « اعْتَكَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ)، وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزْعَةٌ فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ» (4).
ولهذا يحرص المسلمون على الاعتكاف في رمضان وفي العشر الأواخر منه في كل عام، تقبل الله منا جميعاً صالح أعمالنا.