إنّ كبر الهلال وصغره ليس دليلاً على تقدّم ثبوته أو تأخره، لأنّ الهلال قد يكون مولوداً قبل أكثر من ثلاثين ساعة، ولكنه في ليلة التحري لم يكن في المقدور رؤيته بصرياً ولذلك ظهر كبيراً يوهم أن صيام من تأخر خطأٌ ومن سبق صوابٌ!!..
وحقيقة الأمر علمياً وفلكياً: أنّ الاقتران المركزي للقمر يكون قد تمّ في ساعة معينة، وذلك بأن يصبح مركز كلٍّ من الشمس والأرض والقمر على خط واحد، ويسمى ذلك بالاقتران أو المحاق، لانمحاق رؤية أي جزء من القمر في هذه الساعة، حتى ينحرف القمر قليلاً فتنعكس أشعة الشمس عليها فيُرى لأهل الأرض، ولحظة إمكان رؤية القمر يكون ميلاد الهلال الشرعي، بينما يكون القمر قد وُلد منذ لحظة الاقتران، فيكبر حجمه وسمكه بقدر مكثه بعد الاقتران إلى حين رؤية الناس له في الأرض.
فربما تم الاقتران في الثامنة نهار يوم الأحد مثلاً، ثم يغيب قبل غروب الشمس، فلا يرى إلا بعد غروب شمس يوم الاثنين في السابعة مساءً على سبيل المثال، فيكون عمر القمر حتى رؤي في مساء يوم الثلاثاء أول يوم من رمضان عند الإفطار قد بلغ سبعاً وأربعين (47)ساعة تقريباً، وهذا الهلال بلا شك سيظهر للناس كبيراً.
وربما تمّ الاقتران في الثالثة قبل فجر الاثنين مثلاً ثم ظهر للرائين بُعيد غروب شمس الثلاثاء، فرُؤي الهلال في بعض المناطق، فيكون عمره عند رؤيته ست عشرة ساعة (16) فلا شك أنه سيُرى أصغر حجماً وسُمكاً منه في الحالة الأولى، وهكذا..
وقد عبّر بعض أئمة الفقه السابقين لهذا العصر عن هذه الحالات[ حالة الاقتران، وحالة المكوث، وحالة الظهور] بثلاثة مصطلحات: فسمّوا الاقتران بالاجتماع، وظهور الهلال للرؤية بالاستهلال، وما بين الاقتران والرؤية بالاستسرار، وهو الذي عرف من ابن تيمية والقرافي والسبكي رحمهم الله تعالى(1).
وقد اكّدوا أنّ فترة الاستسرار ـ أي مكوث القمر في الفضاء بعد الاقتران حتى الرؤية ـ قد يكون لليلةٍ أو ليلتين. ولا شكّ أنّ مدة الليلتين قد تبلغ أكثر من أربعين ساعة، مما يقضي بظهور الهلال كبيراً للرائين.
هذا تفسير ما يجعل الهلال في مغرب اليوم الأول من رمضان يُرى كبيراً أو صغيراً..
ولهذا؛ فإنّ كبر حجم الهلال وصغره لا يعتبر دليلاً على تقدم الشهر أو تأخره.
ومثل الذي يقع للناس اليوم من الشكّ بسبب كبر الهلال وصغره؛ وقع للمسلمين في القرون الخيرة الأولى، وقد ترجم الإمام النووي رحمه الله باباً في صحيح مسلم بقوله: (بَيَانِ أَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِكِبَرِ الْهِلاَلِ وَصِغَرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ ). وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى الْبَخْتَرِىِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ قَالَ : تَرَاءَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ قَالَ فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلاَلَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ. فَقَالَ أَىَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قَالَ فَقُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةِ رَأَيْتُمُوهُ »(2).. وفي معجم الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ )(3). ومن حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الأَهِلَّةِ، وَأَنْ يُرَى الْهِلالُ لِلَيْلَةٍ، فَيُقَالُ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ) (4).
وعليه: فصحة الصوم لرمضان بصحة ثبوت الشهر شرعاً، ولما تمّ التحري من ولاة الأمر من الأمراء والعلماء بالطرق العلمية والشرعية، فقد ثبت بذلك الشهر شرعاً، فيصح صوم الناس. فلا ينبغي أن يشوّش بعضنا على بعض ويدخل الشكّ في هذه العبادة العظيمة المرتبطة بهذا الشهر الفضيل المليء بالخير والبركة والرحمة والغفران، فالتفرغ لاغتنام خيراته التعرض لنفحاته هو الأولى بالصائمين، ومسؤولية إثبات الشهر أمانة قد تولاها العلماء والأمراء، نسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى محابه ومراضيه، وأن يعننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وأن يقبل منا صيامنا وقيامنا، وهو أكرم الأكرمين.