من مات وعليه قضاء رمضان كله أو بعضه فله حالتان:
الحالة الأُولَى: أن يكون معذوراً في إفطاره أيام رمضان، ودام عذره حتى مات، مثل رجل مرض أياماً من رمضان فأفطر فيها حتى خرج رمضان فاستمر مرضه حتى مات به.
فهذا حكمه أنه معذور حتى عن القضاء ، فلا شيء عليه، ولا على أهله وأبنائه وورثته ، لأن سبب الرخصة كان قائماً ـ وهو المرض أو السفر أو الحمل أو الرضاع ـ فلم يكن مطالباً بصوم أصلاً لا أداءً ولا قضاءً .
وهذا قول أكثر أهل الفقه سوى ما حُكي عن طاوس وقتادة رحمهما الله فإنهما قالا: ” يجب الإطعام عنه لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه”(1)
قلت: القياس على الشيخ الهرم قياس مع الفارق ، لأن الشيخ الهرم ما زال حياً فعليه الصوم أو الفدية، وصاحب المسألة قد مات والميت لا يكلّف.
الحالـة الثانية: أن يتمكن من القضاء بعد رمضان ولكنه لم يقض ما عليه حتى مات.
ففي حكم هذه الحالة ذهب العلماء إلى مذاهب:
المذهب الأول: أن يصوم عنه وليه ، وهو قول الشافعي في القديم ووافقه أبو ثور ، لحديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليّه ) (2).
والمذهب الثاني: أن على ورثته أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً ولا صيام على أوليائه وورثته، وهو قول الحنابلة والشافعي في الجديد وهو مختار المذهب عندهم، ووافقهما الليث والأوزاعي والثوري وغيرهم، وقد أخذوا بحديث ابن عمر في سنن ابن ماجة مرفوعاً: ( من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً) (3).
والمذهب الثالث: أنّه لا شيء على أهله وأوليائه وورثته لا صيام عنه ولا إطعام ، إلاّ إذا وصّى بالإطعام عنه مكان أيامه التي كانت عليه؛ أطعم عنه ورثته عن كل يوم مسكيناً.
ودليلهم الجمع بين الحديث والقرآن والقياس، فالقياس أن العبادات البدنية الأصل فيها عدم النيابة ، فلا يصلي أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد ، فكذلك لا يصوم أحد عن أحد ، وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما فقال :” لا يصوم أحد عن أحد”(4).
قال ابن عبد البر: “من المجتمع عليه في الصلاة أنه لا يصلي أحد عن أحد، والقياس عليه يقتضي أن لا يصوم أحد عن أحد ، لأن الصلاة عمل بدن كالصوم ، فلا يصوم أحد عن أحد كما لا يصلي أحد عن أحد “(5)
وعن مالك أنه قال» ولم أسمع أن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من التابعين من المدينة أمروا أحداً أن يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، وإنما يفعل ذلك كل أحد عن نفسه «اهـ (6).
والقرآن يقرر هذا المعنى في قوله تعالى (7)، فإيجاب الصيام أو الإطعام على وليه تحميل له ما على غيره، وقوله تعالى
(8) والصيام عنه سعي غيره وليس بسعيه ، فليس له(9).
وبالجمع بين هذه الآيات والقياس السابق وبين حديث عائشة ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) وما روي عن عائشة فقد قالت وقد سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم ، فقالت: أطعموا عنها.
قال الشاطبي رحمه الله : » فهذا إخبار بترك العمل دائماً في معظم الصحابة ومن يليهم وهو الذي عول عليه في المسألة، كما أنه عوّل عليه في جملة عمله « ا هـ (10)
والمعروف عند أهل الفقه أن الجمع أولى من الترجيح ، فكان قول مالك وأبي حنيفة هو الراجح ، فليس على أهل من مات وعليه صيام شيءٌ، لا من صيام ولا من إطعام، ولكنهم ـ مع ذلك ـ لو عملوا بظاهر الحديثين ـ حديث عائشة وحديث ابن عمر ـ فصاموا عنه أو أطعموا عنه فلا مانع، إذ فيه موافقة لظاهر حديث صح عن النبي ﷺ، ولكن لا إلزام عليهم بذلك.
والله تعالى أعلم ..