هذا من أهم ما يجب على مريد لاعتكاف معرفته ـ جزاك الله خيراً ـ. فالأمور التي يفسد بها الاعتكاف ولا يصح معها خمسة أمور هي:
الأمر الأول: أن يكون فى غير المسجد، في البيت أو النادى أو الفندق أو نحو ذلك، فالاعتكاف شرطه أن يكون في المساجد (1)، لقوله تعالى ، ولكنْ للفقهاء فى المراد بالمساجد من الآية الكريمة أقوال(2):
أ ـ الشافعية ومشهور المالكية والطبرى والثورى وداود أخذوا بظاهر عموم الآية، فعمموا جواز الاعتكاف فى كل مسجد من مساجد المسلمين.
ب ـ الحنفية والحنابلة فسروا ” المساجد ” بأنها مساجد الجماعة التي لها إمام ومؤذن مستدلين بحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبى ﷺ قال: (كل مسجدٍ له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح )(3)، وهو المسجد الذى تصلى فيه الصلوات الخمس أو تقام فيه الجماعة. وهو قول علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس (4).
ج ـ المالكية مع أنهم جوزوا الاعتكاف في كل مسجد في مشهور المذهب، إلا أنهم فصلوا فقالوا: إنْ كان ممن لا تلزمه الجمعة أو كان لا يدركه يوم الجمعة باعتكافه فيجوز بلا كراهة في أي مسجد، وإنْ كان ممن تدركه الجمعة أو تلزمه الجمعة فيجوز أن يعتكف في أي مسجد ولكن يُكره له ذلك بسبب اضطراره للخروج من معتكفه لصلاة الجمعة.
د ـ والجمهور على أن المراد بالمساجد للرجل وللمرأة على السواء، ولكن الحنفية والإمام الثوري والشافعي في القديم بالنسبة للمرأة أدخلوا (مسجد بيتها) في مدلول المساجد، فجوّزوا لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو المكان الذي خصصته لصلاتها في البيت.
ولا شكّ أن الأفضل أن يكون الاعتكاف فى المسجد الجامع لأن الجماعة فى صلواته أكثر، ولأنه لن يضطر إلى الخروج إلى غيره لصلاة الجمعة أو الجماعة، ولأنه بالاعتكاف فى المسجد الجامع يكون قد خرج من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب (5).
الأمر الثاني: أن يكون الاعتكاف لغير الله، وبغير نية التقرب إلى الله، كأن يعتكف للاسترواح أو الراحة أو الهروب من غريمٍ يطلبه أو من أهله وأولاده أو لواذاً من حقّ أو قضاء، أو لكتابة بحثٍ أو تقرير، أو نحو ذلك مما يقصده الناس لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه المشاغل وتزاحمت فيه الواجبات على ضيق الأوقات.
الأمر الثالث: أن يدخل معتكفه في المسجد وهو على جنابة أو حيض وهذا في الابتداء لا في الأثناء، لحديث النبى ﷺ:« لاَ أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ»(6).
ـ فإذا أجنب وهو معتكف تطهر واستمر في اعتكافه.
ـ وإذا حاضت وهى معتكفة، خرجت إلى بيتها، فإذا طهرت رجعت إلى المسجد أية ساعة طهرت، ثم تبنى على ما مضى من اعتكافها. هذا ما ذهب إليه عامة الفقهاء ونص عليه مالك في الموطأ(7) .
الأمر الرابع: أن يباشر نساءه وهو معتكف. الاعتكاف لا يتحقق ولا يصح شرعاً إلا باعتزال النساء وعدم المباشرة لصريح قوله تعالى . (8)
قال ابن المنذر رحمه الله: « وأجمعوا على أن المعتكف ممنوع من المباشرة»(9).
ولكن ما يفسد الاعتكاف ويبطله من المباشرة؛ الوطء والجماع باتفاق، وما دون الوطء من القُبلة واللمس والمباشرة دون الفرج لا يفسد به الاعتكاف إلا إذا أنزل عند الجمهور ـ أبي حنيفة وأحمد والشافعي في قول ـ. ويفسد به ـ إن كانت بشهوة وإنْ لم ينزل ـ عند مالك والشافعى فى الصحيح عنه. ورأيُهما هو الصحيح، لأنّ عموم النهى عن كل مباشرة فى قوله تعالى مخصوص بفعل عائشة إذ كانت ترجّل رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف(10)، وكانت لا محالة تمس بدن رسول الله ﷺ بيدها ، فدل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة .
الأمر الخامس: أن يخرج من المسجد لغير ضرورة ولا حاجة متعيّنة. لأنه يخل بمعنى الاعتكاف وما يحققه، إذ لا يتحقق إلا باللبث والمكوث في المسجد وحبس النفس فيه انقطاعاً لله قربة إليه. والأصل في ذلك قول عائشة : ” لاَ يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ”(11). وخبرها : ” كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف لا يدخل البيت إلاّ لحاجة الإنسان”(12).
ولكن يجوز للمعتكف الخروج للضرورة أو الحاجة، والفقهاء بين موسّع في ذلك ومضيّق، والمهم في ذلك الحرص الشديد على البقاء في المسجد وعدم الخروج إلا لضرورة يراها لا تدفع إلا بالخروج، أو حاجة ملحة. والله تعالى أعلم.