اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

مَن عَلِمَ بالصوم نهاراً

السؤالبعد يومٍ طويلٍ وشاقٍّ في عملي جئت مساءً فنمت، ونامت أهلي، فلما أصبحنا أكلنا وشربنا ، وبعد شروق الشمس وذهابي للعمل أخبرني زملائي أن الدولة أعلنت بالأمس ليلاً أنّ هذا اليوم هو أول أيام شهر رمضان، فوقعت في حيرة، هل أمسك بقية اليوم أم لا؟ وهل إذا أمسكت بقية اليوم أكون مطالباً بقضائه بعد رمضان؟.أفيدوني يرحمكم الله.

أولاً: هذه المسألة في عصرنا هذا قد تكون نادرة الوقوع، ولا يُتصوّر وقوعه إلاّ في الريف أو عند من لا يملك وسيلة اتصال من تلفاز أو هاتف أو نحو ذلك، اللهم إلا قليلاً كحالة المستفتي.

والواجب على المسلم في ليلة التاسع والعشرين من شعبان أنْ يتحرّى الشهر، وأنْ لا ينام حتى يطمئنّ على ثبوته أو عدم ثبوته.

وفي الغالب يحرص المسؤولون في إعلام المسلمين بثبوت الشهر أو عدم ثبوته قبل توجّه الناس لصلاة العشاء رعاية لصلاة التراويح، على أنّ الشهر لو ثبت يبدأ الناس في صلاة التراويح مع العشاء. ولذلك لا ينبغي للمسلم أن ينام قبل التأكّد، أو على الأقل أن يكلّف أهله أو أحداً من جيرانه أو معارفه بتتبع الأخبار لإبلاغه وإخباره، فإنْ لم يفعل شيئاً من ذلك يكون مقصّراً إلا أن ينسى هو وأهله كون الليلة ليلة التاسع والعشرين من شعبان.

ثانياً: إذا أصبح فأكل وشرب أو لم يأكل ولم يشرب، ثم علم بالنهار دخول شهر رمضان، فالواجب عليه الإمساك بقية اليوم على رأي الجمهور من المذاهب الأربعة (1).

وذهب عطاء وبعض الشافعية إلى أنّ إمساك بقية اليوم ليس بواجب فلا يلزمهم، محتجين بأنّهم أفطروا بعذر، فلم يلزمهم إمساك بقية النهار، كالحائض إذا طهرت وكالمسافر إذا أقام(2).

وإنْ لم يأكل ولم يشرب ثم علم أنه من رمضان فأمسك بقية اليوم؛ فالمحكيّ عن أبي إسحاق من الشافعية أنه يكون صائماً من حين أمسك، وهو قول شاذٌّ حكم النووي رحمه الله عليه بالفساد(3).

والدليل على وجوب الإمساك بقية اليوم أكل أو لم يأكل:

1- حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنّ رسول الله عليه السلام أمر مناديه يوم عاشوراء: « أنَّ من كان اصطبح فليمسك، ومن لم يكن اصطبح فليتمّ صومه »(4).

2- وفي أيام عمر بن عبد العزيز رحمه الله شهد قوم على الهلال بعد ما أصبح الناس، فقال رحمه الله: >من أكل فليمسك عن الطعام، ومن لم يأكل، فليصم بقية يومه< (5).

ثالثاً: وإذا أمسك بقية صومه هذا ، فهل يجب عليه القضاء؟

فالعلماء على مذاهب:

المذهب الأول: أنه يجب عليه القضاء، وهو الذي قال به جمهور العلماء(6).

والمذهب الثاني: أنه صوم صحيح لا قضاء معه إنْ لم يكن أكل أو شرب ثم أمسك، وهو الذي حكاه أبو حامد الاسفراييني عن أبي إسحاق المروزي من الشافعية (7).

والمذهب الثالث: أنه لا قضاء عليه، إذا أمسك وأتمّ يومه، أكل أو لم يأكل، وهو قول ابن تيمية، قال في الفتاوى: « الهلال إذا ثبت في أثناء يوم قبل الأكل أو بعده أتموا وأمسكوا، ولا قضاء عليهم، كما لو بلغ صبي أو أفاق مجنون على أصح الأقوال الثلاثة» . وجاء في الاختيارات: « و يصح صوم الفرض بنية النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل، كما إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار، فإنه يتم بقية يومه ولا يلزمه قضاء، وإن كان أكل » (8). وتبعه على ذلك ابن القيم والشوكاني رحمهم الله (9).

والمذهب الرابع: للإمامين الأوزاعي والليث بن سعد رحمهما الله، أنه إذا أصبح مفطراً إلا أنه لم يطعم، ثم جاءهم الخبر أنه من رمضان؛ فإنهم يتمّون صيامهم ولا قضاء عليهم.

قال الليث: « وإن لم يأتهم الخبر إلا بعد ذلك اليوم أو بعد ما أمسوا؛ كان عليهم قضاء ذلك اليوم » (10).

والراجح هو مذهب الجمهور، القاضي بوجوب الإمساك والقضاء، من وجهين:

الوجه الأول: أن البينة قامت برؤية هلال رمضان، والمكلف مأمور أن يصوم إذا رؤي الهلال، وهو وإنْ أمسك عن الطعام والشراب إلا أنه لم يأت فيه بصوم صحيح، فوجب عليه القضاء.

الوجه الثاني: أن من شرط صحة الصوم النية المعقودة من الليل ، لحديث النبي ﷺ: ( من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له)(11). وهذا لم يبيّت صيام هذا اليوم من الليل، فوجب عليه أن يقضيه.

والله أعلم.

الحواشي

  1. انظر: القوانين الفقهية ، ص 135، المناهل الزلالة في شرح الرسالة ، ج3 ص 1064،المختصر الفقهي لابن عرفة ،ج2 ص 62، الاستذكار لابن عبد البر، ج10 ص 231 – 233، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة ، ج3 ص15، كشاف القناع، للبهوتي، ج2 ص 310.
  2. المهذب مع المجموع ، ج6 ص 272، الشرح الكبير مع المغني لابني قدامة، ج3 ص 15.
  3. راجع المجموع شرح المهذب ، ج6 ص 274.
  4. أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2007، 1903، 1868، وأحمد 16559، وصححه شعيب الأرناؤوط، واللفظ لأحمد.
  5. المصنف لأبن أبي شيبة ، ج3 ص 69، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (6/123): وسنده صحيح على شرط الشيخين.
  6. الاستذكار ، ج10 ص 233، فقرة 14689.
  7. المجموع شرح المهذب، ج6 ص 273 – 274 .
  8. مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج25 ص 109. ص 118، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ج4 ص 63 .
  9. نسبه إليهما الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة، ج6 ص 123.
  10. الاستذكار ، ج10 ص 234 فقرة 14694، 14695 . وج10 ص 36 فقرة رقم 13837.
  11. سبق تخريجه في مسألة النية للصيام، ص 73 .
أ.د. عبدالله الزبير عبدالرحمن
https://azubair.net/fatwa/%d9%85%d9%8e%d9%86-%d8%b9%d9%8e%d9%84%d9%90%d9%85%d9%8e-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85-%d9%86%d9%87%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d9%8b/ — azubair.net