أولاً : الأصل في الإمساك أن يبدأ مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب والجماع إلى الفجر لقوله تعالى (1)
ثانياً : أخذ بعض العلماء بما ورد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: “تسحّرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة ، قال الراوي : كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية ” (2).
فقالوا : يستحب الإمساك في قدر قراءة خمسين آية قبل الفجر. وهو ما ذهب إليه المالكية (3).
وقال الحنفية والشافعية : يمسك بالشك في بقاء الليل ، ويكره له الأكل مع الشك في بقاء الليل دون تقييده بمقدار (4).
والراجح المختار هو: أن الإمساك يكون مع الفجر، وأنه يجوز الأكل والشرب إلى طلوع الفجر بلا كراهة . وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يأكلون ويشربون حتى يطلع الفجر ويتبيّنوا طلوعه ، بل كانوا يأكلون ويشربون ما داموا شاكين في طلوع الفجر كما مرّ في المقدمات.
وعن عامر بن مطر قال : ” تسحّرنا مع رسول الله ثم قمنا إلى الصلاة”(5).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال : ( إنّ بلالاً يؤذّن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) (6). ولم يكن بين أذانهما إلاّ أن ينزل هذا ويصعد هذا (7). وهذا هو أمر النبي ﷺ الذي أقلّ ما يدلّ عليه الجواز، ولا يمكن بحال أن يكون دالاً على الكراهة ، لأن المكروه لا يؤمر به، وأرى أن الأمر في هذا الحديث يراد به الاستحباب، لأن تأخير السحور مستحب باتفاق العلماء ـ كما تقرر ـ.
وعن سالم مولى أبي حذيفة أنه كان مع أبي بكر على سطح في رمضان وهو يصلي فأتاه فقال ألا تطعم يا خليفة رسول الله ﷺ فأشار بيده حتى فعل ذلك مرتين فلما كان في الثالثة قال ائتني بطعامك فطعم وصلى ركعتين ثم دخل المسجد وأقيمت الصلاة (8).
وعن مطر الشيباني قال: ” تسحّرنا مع عبد الله ثم خرجنا فأقيمت الصلاة” (9).
كل هذه الروايات ـ مع ما مرّ من طريقة السلف الصالح في الأكل مع الشك في طلوع الفجر ـ تبيّن السنّة في المسألة.
أما حديث زيد بن ثابت فهو فعل دال على الجواز والجائز لا يمنع غيره ولا يكرهه.
وفي سنن البيهقي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) (10). وليس المراد جواز الأكل بعد تبيّن الفجر ، لأن الله تعالى حدد آخر وقت جواز الأكل والشرب بتبيّن الفجر. فإذا جمعنا بين صريح القرآن وسياق الحديث يكون المراد في الحديث النداء الأول، وإلاّ فكيف يأكل من تيقّن الفجر إذا كان المؤذن موثوقاً به وقد قال النبي ﷺ في المؤذنين: (المؤذنون أمناء الله على فطرهم وسحورهم)(11)..
والله تعالى أعلم .