أولاً: لقد أحسنت في اقتدائك برسول الله ﷺ واقتفائك لأثره، حين أردت اعتكاف العشر الأواخر من رمضان كما كان يفعل رسول الله ﷺ، فنسأل الله لنا ولك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.
ثانياً: في وقت دخول المعتكف المسجد الذي يريد أن يعتكف فيه، لأهل الفقه مواقف ومذاهب(1)، فمنهم من أطلق الحكم على سائر أنواع الاعتكاف، ومنهم من فرق بين الاعتكاف الواجب والاعتكاف المندوب، ومنهم من نظر إلى مدة الاعتكاف وظرفه من اليوم والليلة وغير ذلك، وعلى ذلك نفصّل الجواب على النحو الآتي:
من أوجب على نفسه اعتكاف شهر، يدخل مسجده الذي سيعتكف فيه قبل غروب الشمس من ليلة اليوم الذي نوى بدء الاعتكاف فيه، وهذا قول الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وبه قال أبو ثور.
وجعل مالك وأبو حنيفة هذا الوقت لدخول كل من أراد أن يعتكف يوماً أو أكثر، لأنّ ليل يوم الاعتكاف داخل فيه عندهم.
من أوجب على نفسه اعتكاف يوم؛ يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب شمس ذلك اليوم، وهو قول الشافعي، مفرّقاً بين من اعتكاف شهر واعتكاف يوم.
ودخول المعتكِف قبل طلوع الفجر هو قول أبي يوسف وزفر من الحنفية والقاضي عبد الوهاب من المالكية ورواية عن الإمام أحمد وأحد قولي الليث بن سعد رحمهم الله تعالى في كل اعتكاف واجبٍ أو مندوبٍ، وحجتهم أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلّى الصبح ثم دخل معتكفه(2). وهذا يعني أنه دخل المسجد فصلى الصبح ثم دخل معتكفه، فدلّ أن دخول المسجد يكون قبل طلوع الفجر.
ذهب الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه، وابن المنذر وطائفة من التابعين رحمة الله تعالى عليهم، إلى أن مريد الاعتكاف يدخل عقب صلاة الفجر في كل اعتكف فرضٍ أو تطوعٍ، مستندين لحديث أم المؤمنين عائشة قالت: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ” (3).. وفي رواية البخاري قَالَتْ : “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ” (4).
ولكن المراد بدخوله معتكفه دخوله الخباء المضروب له لانفراده وخلوته، لا أنه كان وقت ابتداء اعتكافه ودخوله مسجده، كما يبيّن ذلك قول عائشة في رواية البخاري رحمه الله.
وعلى هذا: فمن أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل المسجد الذي سيعتكف فيه قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان ليكون قد اعتكف ليلة الحادي والعشرين، وذلك للآتي:
أـ أنّ اعتكاف الأيام كصيام الأيام، فكما يبدأ اليوم الأول من رمضان من ليلته؛ يبدأ اعتكاف العشر الأواخر من ليلة الحادي والعشرين أول أيام العشر.
ب ـ أنّ ليالي العشر الأواخر داخلة مقصودة بالاعتكاف كأيامها، وقد سميت بالعشر الأواخر، والعشر بغير التاء المربوطة [ ة ] عدد الليالي، لأنها عدد المؤنث، قال تعالى (5) وأول الليالي العشر هي ليلة إحدى وعشرين.
ج ـ ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ اعتكف العشر الأواسط من رمضان حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: « إِنِّى اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِى إِنَّهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ ». هذا لفظ مسلم ، وعند البخاري: أنه ﷺ «كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ»(6). فدلّ أن اعتكاف العشر الأواخر إنما يبدأ من أول ليلة إحدى وعشرين، وهذا يلزم أن يدخل مسجد اعتكافه قبل غروب شمس يوم عشرين حتى يكون بدأ اعتكافه من ليلة إحدى وعشرين.
د ـ إنّ من أعظم مقاصد الاعتكاف في العشر الأواخر؛ التماس ليلة القدر ـ كما سبق وقررنا ـ وليلة إحدى وعشرين من ليالي الوتر في العشر الأواخر التي يتأكّد تحري ليلة القدر فيهن، فكان اعتكافها مطلوباً بلا ريب.
والله تعالى أعلم.