اضغط «احفظ PDF» ثم اختر حفظ كملف PDF من نافذة الطباعة
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أ.د. عبد الله الزبير عبد الرحمن

إسعاد المزاج بمشاهدة أحوالٍ لصالحي الحجاج

مسجد التوبة

بعد الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

شوق الحجيج: تضحية وإخلاص

ثم أما بعد، أيها المسلمون: في هذه الأيام المباركة تتجه أنظار وقلوب الملايين إلى بيت الله الحرام، تلبيةً لنداء ربهم، وتأديةً لركنٍ عظيمٍ من أركان الإسلام. إنها رحلةٌ إيمانية، وشعيرةٌ مقدّسة: الحجُّ إلى بيت الله الحرام.

يبذل الحاجّ المال الكثير، ويترك أهله وأولاده مهاجرًا إلى الله، قاصدًا ربَّه ليحجّ له. وكثيرٌ منّا عجز فتخلّف عنهم، وهو ينشد:

لله درُّ ركائبٍ سارت بهم   تطوي القفارَ الشاسعاتِ على الدُّجى

رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا   قلبَ المتيَّمِ منهمُ ما قد شجا

وقفوا ببابٍ لا يخيبُ نزيلُه   وقلوبُهم بين المخافةِ والرجا

اللهم ارزقنا حجّةً خالصةً لوجهك الكريم، لا رياء فيها ولا سمعة، وتقبّلها منّا يا كريم يا رحيم. اللهم تقبّل حجّ الحجّاج في هذا العام وفي كل عام يا أكرم الأكرمين.

الإبهاج بمشاهدة أحوال الصالحين في الحج

ثم أما بعد: وقفةٌ في هذه الساعة المباركة سمّيتها: «الإبهاج بمشاهدة أحوال صالحي الحجّاج»، أو قل -وهو حقيقةٌ فيه-: «إسعاد المزاج بمشاهدة أحوالٍ لصالحي الحجّاج».

أبدأ هذه المشاهد وهذه الأحوال بأبناء ريحانة خير الخلق في الدنيا، أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم، أولاد سيدة نساء أهل الجنة فاطمة الزهراء عليها السلام. أبدأ بآل بيت النبوّة وبعض أحوالهم في الحج.

أبدأ بحفيد الرسول صلى الله عليه وسلم: عليّ بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، هذا الرجل العابد الذي كان إذا توضّأ اصفرّ وتغيّر لونه، يعتريه هذا الحال كلما توضّأ، فتحيّرت أهلُه فقالت له: ما هذا الذي يعتادك إذا توضّأت؟ عند الوضوء، ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول لها: أتدرون بين يدي مَن أقوم؟! لا إله إلا الله.. انتباهٌ لأقصى درجات الانتباه، رضي الله تعالى عنه.

وقع حريقٌ في بيتٍ فيه عليّ بن الحسين بن علي رضي الله عنهم وهو ساجد، فجعل الناس يقولون: يا ابن رسول الله، النار! يا ابن رسول الله، النار! وهو ساجد، فما رفع رأسه حتى أُطفئت النار. فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ قال: ألهتني عنها النارُ الأخرى.

خشوع عليّ بن الحسين في التلبية

هذا الرجل يقول عنه سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: حجّ عليّ بن الحسين، خرج للحج، فلما أحرم -أي اغتسل ولبس الإحرام- فلما أحرم واستوى على راحلته وأراد أن يلبّي عجز، ما استطاع؛ اصفرّ لونه وانتفض، ووقعت عليه رِعدة، وما لبّى. فتحرّك القوم وهو معهم، ما سمعوه قد لبّى، فقالوا له: لِمَ لا تلبّي؟ قال: أخاف أن يُقال لي: لا لبّيك ولا سعديك. رضي الله تعالى عنه.

أي: إذا قال: «لبّيك اللهم لبّيك» فيُجاب ويُرَدّ عليه؛ لأنه يُسيء الظنّ بنفسه، يُكبِر ما وقع من ذنوبه، ولو كانت صغائر يراها ذنوبًا عظيمة، فقد يُجاب إذا قال: «لبّيك اللهم لبّيك» فيُقال له: «لا لبّيك ولا سعديك»؛ ولذلك كان خائفًا أن يلبّي. لكنهم ذكّروه أنه لا بدّ أن يلبّي، فلبّى، قال: لبّيك اللهم لبّيك، ثم غُشي عليه فوقع من على دابّته، فلم يزل ذلك حاله، كلما يلبّي يُغشى عليه، حتى قضى حجّه رضي الله تعالى عنه.

هذا عليّ بن الحسين، هذا الرجل الذي كان يقول: إنّ قومًا عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبةً فتلك عبادة التجّار، وإنّ قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار.

نعم، الرسول صلى الله عليه وسلم -جدُّه الكريم عليه الصلاة والسلام- أرغبه الله وضمن له الجنة، ورفع عنه الرهبة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وجعله خير الخلق أجمعين، كان أحبّ الخلق إليه وأكرم الخلق عليه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك مَن أكثر عبادةً من رسول الله؟! ومَن أكثر خشيةً من رسول الله؟! كان يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه الشريفتان، فإذا قيل له في ذلك قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». عبدَ لله شكرًا، حتى قال الله عز وجل لنبيّين كريمين داود وسليمان: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾.

محمد بن علي بن الحسين: الدموع في الحرم

عليّ بن الحسين رضي الله عنه ولدُه عجيبٌ مثله: محمد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم. قال أفلح مولاه: خرجتُ مع محمد بن علي حاجًّا، فوصلوا مكة ودخلوا الحرم. قال: فلما دخل المسجد ونظر إلى البيت بكى رضي الله عنه، فعلا صوتُه، بكى وانتحب ورفع صوته، ارتفع صوته بالبكاء والناس يسمعون. قال: فقلت له: بأبي أنت وأمي، لو رفقتَ بصوتك -أي اخفض صوتك- فإن الناس ينظرون إليك. فقال: ويحك يا أفلح! ولِمَ لا أبكي؟ لعلّ الله ينظر إليّ منه برحمةٍ فأفوز بها عنده غدًا. رضي الله تعالى عنه.

ما أرفع شأنهم وما أعظمهم! صالحون عابدون، هؤلاء أبناء الرسول صلى الله عليه وسلم وآلُ بيته الطاهر رضي الله تعالى عنهم.

قال أفلح: ثم طاف بالبيت ولم يزل يبكي، فلما قضى طوافه جاء إلى المقام فصلّى ركعتين، فلما رفع رأسه من سجوده فإذا موضعُ سجوده مبتلٌّ من دموع عينيه، رضي الله عنه.

كان هذا الرجل إذا ضحك قال: «اللهم لا تمقتني، اللهم لا تمقتني». لا إله إلا الله! لأنه يرى أنه مليءٌ بالذنب، قد عصى ربّه وسيّده، ولذلك: علامَ يضحك؟ وفيمَ يضحك؟ ولذلك كان يخشى على نفسه فيقول: «اللهم لا تمقتني». هؤلاء بعضُ أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه بعض أحوالهم في الحج.

الشوق إلى مكة والبيت الحرام

حالٌ أخرى: هي حال أهل الشوق للبلد الحرام، أهل الشوق لمكة. الشِّبليّ رحمه الله حجّ ماشيًا على التجريد، لا يحمل معه شيئًا، فلما رأى مكة صاح: مكة! هذا الذي أراه عِيانًا؟ وهذا أنا؟! فرحًا؛ لأنه كان يشتاق إلى مكة، فما صدّق أنه وصل مكة رحمة الله تعالى عليه، ثم وقع مغشيًّا عليه رحمه الله، فلما أفاق أنشد:

هذه دارُهمُ وأنتَ محبٌّ   ما بقاءُ الدموعِ في الآماقِ

وقديمًا عهدتُ أفنيةَ الدا   رِ وفيها مصارعُ العشّاقِ

رحمه الله تعالى.

حالٌ ثالثة: أهل الشوق للبيت الحرام؛ ذاك اشتاق للحرم، للبلد الحرام، وهنا شوقٌ للبيت الحرام. ممّن؟ من امرأة! ليس الأتقياء هم الرجال فقط، ربما نجد من النساء من هي أعبدُ من آلاف الرجال، ربما نجد امرأةً تعدل ألف رجل، أو مليون رجل -ألف ألف رجل- بعبادتها وصدقها وتوجّهها إلى الله وقصدها إلى الله، رضوان الله تعالى عليهم.

امرأةٌ أظمأها الشوق لبيت ربّها، وكمّدها الحزن، ولذعها الوجد للبيت الحرام، حجّت ماشيةً وهي تقول: أين بيت ربي؟ أين بيت ربي؟ تسأل من معها فيقولون لها: الآن ترينه، قربنا، قربنا.. حتى وصلوا مكة ودخلوا الحرم، فلما لاح البيت قالوا لها: هذا بيت ربّك. فجعلت تشتدّ في مشيتها وتُسرع الخُطى لتبلّ شوقها بالتعلّق بأستار البيت الحرام، حتى وضعت جبهتها عليه، وبقيت وجبهتُها على الكعبة، على أحجار الكعبة، فما رُفعت إلا ميتة، رحمها الله تعالى.

تعظيم الحرم: محمد بن إبراهيم الزجاجي

إن كان هؤلاء هم أهل الشوق للبلد الحرام، وهذه من أهل الشوق للبيت الحرام، فهاكم أهلَ التعظيم للحرم، أهلَ التعظيم للحرم. يا إخواني، هذه معانٍ مَن سيسافر للحج -والله- خيرٌ له أن يستصحبها معه، ويتمثّلها هناك واقعًا وحالًا وسلوكًا، وفّقهم الله لهذه الأحوال.

محمد بن إبراهيم الزجاجي عالمٌ معروف، أقام في مكة أربعين سنة، وصار شيخَها وإمامَ أهلها والمشارَ إليه فيها، وما من مجلسٍ إلا كان يترأّس هذا المجلسَ أبو عمرو النيسابوري محمد بن إبراهيم الزجاجي. حجّ قريبًا من ستين حجة رحمه الله، أقام أربعين سنة في مكة.. تصوّر! قيل: لم يبُل ولم يتغوّط في الحرم أربعين سنة! لا إله إلا الله، تعظيمًا لبلد الله الحرام، كأنه حرّم على نفسه أن يخرج منه خَبَثٌ في البلد الحرام، وفي تراب البلد الحرام.

أما كان يبول؟ أما كان يتغوّط؟ لا شكّ أنه كان يبول ويتغوّط، لكن ما كان يبول ولا كان يتغوّط داخل الحرم، داخل محيط حدود الحرم. فماذا كان يفعل؟ كلما أراد أن يبول أو يتغوّط يركب ويخرج إلى الحِلّ، إلى العَلَم، خارج مكة، فيبول أو يتغوّط، رحمة الله تعالى عليه.

وحُفظ عنه أنه أوّل ما دخل مكة -تعظيمًا للحرم، للبلد الحرام وللبيت الحرام- جاء فطاف، وصار يطوف في كل يوم سبعين مرة، يطوف بالبيت سبعين مرة، كأنه يمكث طائفًا من فجره إلى عشائه، رحمة الله تعالى عليه.

هذه أحوالٌ عجيبة تُدخل الإبهاج في القلب والإسعاد في المزاج، ولكن تُرينا قلّتنا وضعفنا وبُعدنا عن كثيرٍ من الصالحين، فيا ليتنا لحقنا بهم، ويا ليتنا أسرعنا إلى اللحاق بهم لنكون منهم، جعلنا الله جميعًا من الصالحين الخيّرين.

أحوال الطائفين: التواضع والانكسار

نسافر بأرواحنا إلى البلد الحرام، ونزاحم الحجّاج من بينهم لنشاهد في صحن الطواف أحوال الطائفين: كيف كان بعض الطائفين؟ وماذا كانوا يصنعون؟

الفضيل بن عياض تعرفونه، وشعيب بن حرب أبو صالح تعرفونه، من العلماء العاملين رحمة الله تعالى عليهم. رأى الفضيلُ بن عياض شعيبَ بن حرب وهو يطوف، فأسرع إليه حتى أدركه فلكزه، فالتفت شعيبٌ إلى الفضيل بن عياض، فقال له الفضيل بن عياض واعظًا منبّهًا -انظروا كيف الانكسار بين يدي الله، وفي حرمه، وعند بيته- قال له: يا أبا صالح، إن كنت تظنّ أنه شهد هذا الموسمَ شرٌّ مني ومنك فبئس ما ظننت!

تواضعٌ لله، وانكسارٌ بين يدي الله، وهذا -والله- هو موضع الانكسار والتواضع. أخي الحاج، إياك أن ترى ضعيفًا أمامك أو بجوارك فتظنّ أنك خيرٌ منه، إياك أن تُسرع فتغضب على من زاحمك، أو لكزك، أو ضربك، أو داسك في رجلك. تواضع؛ فهذا موضع التواضع لله، يرفعك الله ويتقبّل منك حجّك. وكم ممّن نسي ذلك وتكبّر في هذا الموضع الذي يجب فيه الانكسار والتواضع!

قال بعضهم -وذكره الإمام الغزالي في «الإحياء» ونسبه إلى عمر بن شَبّة-: إنه رأى في الطواف رجلًا من العظماء، بين يديه شاكريّة -الحرّاس-، معه حرّاس يدفعون الناس عنه، ويمنعون الناس من الطواف من أجله، فتعجّب لأمره. ثم قال: فرأيته بعد ذلك بمدّة -بزمن- على جسر بغداد. ذاك كان في مكة طائفًا! قال: فرأيته بعد ذلك بمدّة على جسر بغداد وهو حافي الرجل، حاسر الرأس، طويل الشعر، أشعث أغبر، نحيف. رآه منكسرًا ذليلًا مهينًا، بينما كان في بيت الله يتعاظم ولا يتواضع.

قال: رأيته على جسر بغداد حافي الرجل، حاسر الرأس، طويل الشعر، فتعجّبت منه، فلما رآني قد تعجّبت منه قال: مِمَّ تتعجّب؟ أنا تكبّرتُ في موضعٍ يتواضع الناس فيه، فابتلاني الله بالتذلّل في موضعٍ يترفّع الناس فيه.

رسالة إلى العظماء: لا تتكبّر في بيت الله

لا إله إلا الله! رسالةٌ مهمة لعظمائنا، رسالةٌ مهمة لرؤسائنا، رسالةٌ مهمة لكل أمير، لكل ملك، لكل رئيس، نقول له: لا تظنّ -أيها العظيم، أيها الأمير، أيها الرئيس، أيها الملك- أنك آمنٌ من مكر الله، وأن حالك باقٍ إلى يوم الدين، وأن الله لا يستطيع أن يبدّل ملكك أو حالك، فتقع فيما وقع فيه صاحب الجنّتين الذي كان يقول: ﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ﴾.

نقول لك: أين الرئيس زين العابدين بن علي وآله؟ وأهلُه سبع سنوات أو أكثر يتيهون في الأرض، ذليلًا مهينًا، لا مرجعَ له ولا منجى! أين الرئيس حسني مبارك؟ يعيش حياته بين السجن والمشفى! والمثَل يطول، والأحوال تطول.

فإياك إياك أن تتكبّر في بيت الله وفي حرم الله، كن منهم وكن مثلهم، طُف معهم، لا تتميّز عنهم، ولا تتكبّر عليهم. ولكن في كل حجٍّ وفي كل عمرة: زعيمٌ، رئيسٌ، وزيرٌ، يأتي فيُحمى من الناس، ويُبعَد الناس عنه، ويُمنعون من الطواف، ربما منعوا الناس جميعًا فتركوهم خارجًا حتى يكون طوافُه، وحتى يؤدّي عمرته. فالحرم موضع التواضع والتذلّل لله ولضيوف الله.

خشية الله واستحضار الذنب

امرأةٌ حاجّة يحكي عنها وهيب بن الورد رحمه الله تعالى، في الطواف وهي تقول بصوتٍ حزين: إلهي، ذهبت اللذّات وبقيت التَّبِعات، يا رب سبحانك! ما لك عقوبةٌ إلا النار، ما لك عقوبةٌ إلا النار، أما في عفوك ما يسعني؟ فقالت صاحبةٌ لها معها: دخلتِ بيت ربك اليوم؟ دخلتِ بيت ربك اليوم؟ فقالت: والله ما أرى هاتين القدمين أهلًا للطواف حول بيت ربي، وقد علمتُ حيث مشتا وأين مشتا.

حالٌ عجيب والله! استحضارُ كلِّ صور ومشاهد كلّ ما فعلت في حياتها: أين سارت؟ وماذا فعلت؟ أين دخلت؟ ومن أين خرجت؟ فتخاف أن لا يقبلها الله سبحانه وتعالى. اللهم تقبّل كلّ من وفّقته للحج، وإن كان من مرتكبي أكبر الذنوب يا رب العالمين.

ويروي أبو الأشهب السائح رحمه الله تعالى، وهو يحكي عن امرأةٍ في الطواف وقد تعلّقت بأستار الكعبة وهي تقول: يا وحشتي بعد الأُنس! ويا ذلّي بعد العزّ! ويا فقري بعد الغنى! قال: فقلت لها: ما لك؟ أذهب لك مال؟ أو أُصبتِ بمصيبة؟ قالت: لا، ولكن كان لي قلبٌ ففقدته.

عجيبٌ عجيب! أكيد كلنا نتعجّب منها. قالت: لا، ما ذهب مني مال، ولا وقعت لي مصيبة: لا موتُ ولد، ولا موتُ زوج، ولا موتُ أب، ولا موتُ أم، ولا موتُ أخ، ولا موتُ أخت. طيب، ما مصيبتها؟ قالت: كان لي قلبٌ ففقدته. قلت: هذه مصيبتك؟ فقالت: وأيّ مصيبةٍ أعظم من فقر القلوب وانقطاعها عن المحبوب؟! رضي الله تعالى عنها.

الإمام الجنيد والجارية الطائفة

واسمعوا للإمام الجنيد رحمه الله، الإمام الجنيد قال: دخلتُ الطواف بعد أن جنّ الليل -جنّ الليل- فرأيت جاريةً تطوف -جارية: يعني امرأةً صغيرة ليست كبيرة- تطوف وتقول:

أبى الحبُّ أن يَخفى وكم قد كتمتُه   فأصبح عندي قد أناخ وطنّبا

إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره   وإن رُمتُ قربًا من حبيبي تقرّبا

أكيد كلنا نظنّ أنها قد احترقت شوقًا لحبيبها، أو خطيبها، أو زوجها! يقول الجنيد رحمه الله: فقلت لها: يا جارية، أما تتّقين الله تعالى في مثل هذا المكان، تتكلّمين بمثل هذا الكلام؟ فالتفتت إليّ وقالت: يا جنيد، يا جنيد! أتطوف بالبيت أم بربّ البيت؟ فقلت: أطوف بالبيت. قال: فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: سبحانك سبحانك! ما أعظم مشيئتك في خلقك! خلقٌ كالأحجار يطوفون بالأحجار! ثم قالت:

إليك قصدي لا للبيت والحجرِ   ولا طوافي بأركانٍ ولا أثرِ

قال الجنيد رحمه الله: فغُشي عليّ من قولها. رحمه الله تعالى.

الحج: قصدٌ إلى الله عز وجل

نعم، نعم.. الحجّ قصدٌ إلى الله، والله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾، هذه مناسك ومشاعر لامتثال أمر الله وتنفيذ أمره بالحج، فأنت قاصدٌ إلى الله عز وجل: في طوافك وسعيك، في وقوفك بعرفة، في مبيتك بمنى، في مبيتك بمزدلفة، في كل ذلك أنت قاصدٌ إلى الله بحجّك.

اللهم يا كريم يا رحيم، اكتب لنا حجّةً لا رياء فيها ولا سمعة، ووفّق حجّاج المسلمين لما تحبّه وترضاه، وتقبّل حجّتهم جميعًا يا أكرم الأكرمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.

«إسعاد المزاج بمشاهدة أحوالٍ لصالحي الحجّاج»: أهل الحياء مع الله. الحياء مع الله والاستحياء من الله خلقٌ عظيم، يجب عليك أيها العبد، وأنت الله يُنعم عليك في كل يومٍ من النعم التي لا تُحصى ولا تُعدّ، وأنت تقابل هذه النعم بالمعصية والإنكار والتنكّر للمنعِم، واقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي والآثام، فحقٌّ لك أن تستحيي من الله في كل وقتٍ وحين.

سفيان بن عيينة، الإمام المحدّث، أعلم الناس بالسنة، كان قرينَ مالك؛ إذا أطلق عالمٌ أو قرأتَ في كتابٍ: «القرينان» فهما مالك وسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى، كان أعلم من الثوري، وأعلم من الشافعي، وأعلم من كثيرٍ من أئمتنا المعروفين رحمه الله تعالى.

سفيان بن عيينة حجّ سبعين حجة، سبعين حجة! ففي عرفة قال لمن معه: هذه تُوفّي لي سبعين حجة -هو الذي أخبر عن نفسه-. قال ابن أخيه الحسن بن عمران بن عيينة: قال سفيان بن عيينة: قد وافيتُ هذا الموضع -أي عرفة- في يوم عرفة سبعين مرة، أقول في كل سنة: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان. فيوفّقه الله لحجةٍ أخرى، حتى وافى سبعين حجة. قال في المرة السبعين: وإني قد استحييتُ من الله من كثرة ما أسأله ذلك. فما سأل في المرة السبعين، فتوفّي في تلك السنة، رحمه الله تعالى.

لكنّ الأعجب من ذلك امرأة، قبل سنين -سنواتٍ قريبة-: بعض الشيوخ يدخلون الحرم فيجدونها قد جعلت ظهرها للكعبة ووقفت تدعو، فجاء إليها شيخٌ من الشيوخ، من العلماء والدعاة، فقال لها: يرحمك الله يا أختاه! كيف تجعلين ظهرك لبيت الله؟ كيف تجعلين ظهرك للكعبة؟ وأنتِ قد أتيتِ زائرةً وحاجّة! فقالت له -وقد امتلأ وجهها بالدموع-: والله إني لأستحيي أن أنظر إلى بيته بعد أن اقترفتُ من الذنوب ما اقترفت. رحمة الله تعالى عليها، اللهم اقبل حجّتها، واقبل طوافها، وارحمها، ووفّقها يا رب العالمين.

أهل الأدب مع الله في الحج

ثم نختم بأهل الأدب مع الله عز وجل، أهل الأدب في الحج، الذين تخلّقوا بخُلق القرآن، قال تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾. ولكن كيف تحقّقوا بذلك؟ وكيف تخلّقوا بذلك في الحج؟ ما في حجٍّ لو جعلت تتكلّم مع الناس تؤانسهم في خيمتك في منى، أو في مسيرك إلى عرفة، أو داخل طوافك، أو في سعيك، أو في مبيتك في مزدلفة، فما بقي لك من الحج؟! كيف تحقّقت بقول الله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ وقد فرضت على نفسك الحج؟ السبيل الأوحد لتحقيق هذا الخلق أن تصمت: الصمتُ والإطراق لله عز وجل.

شريح القاضي: العدل والأدب في الحج

شريح القاضي.. شريح القاضي الذي جعله عليّ بن أبي طالب قاضيًا رضي الله تعالى عنه، وهو الذي شكا عليٌّ إليه نصرانيًّا من النصارى سرق درعًا لعلي رضي الله عنه، فأوقف شريحٌ أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب وهذا النصراني.

الآن النصارى يتكلّمون ويقولون: يا أخي، إننا بتطبيق الشريعة نكون مواطنين من الدرجة الثانية! ويقولون كلامًا كهذا. كيف به ونحن نرى قاضيَ المسلمين يوقف أمير المؤمنين ونصرانيًّا من النصارى -لا مسلمًا، بل نصرانيًّا من عامة المواطنين- يوقفهما أمام مجلس القضاء، فلا يقول لأمير المؤمنين: اجلس، وذاك واقف!

فقال لعليّ: ما دعواك؟ فقال: والله وجدتُ درعي عند هذا. فقال شريح القاضي للنصراني: ما قولك؟ قال: الدرع درعي، ولا أكذّب أمير المؤمنين -مؤدَّب-. فقال شريح لسيدنا عليّ: البيّنة؟ ما بيّنتك أنّ هذا الدرع حقّك؟ فقال عليّ: صدقت، فسكت. فحكم شريح القاضي للنصراني بدرع عليّ رضي الله عنه، وشريح يعلم يقينًا أن عليًّا لا يكذب، ولا يمكن أن يدّعي على هذا النصراني، رضي الله تعالى عنهم.

فخرجوا بعد أن قضى بالدرع للنصراني، فلما خرجوا خارج مجلس القضاء رجع النصراني وقال: أمير المؤمنين يُدنيني من قاضيه فيحكم لي عليه! أشهد أنّ هذه أحكام السماء. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، والله الدرعُ درعُك يا أمير المؤمنين. رضي الله تعالى عنه.

هذا الرجل العظيم لما أحرم بالحج كان كأنه حيّةٌ صمّاء، كأنه حيّةٌ صمّاء، أو حجرٌ أصمّ، من كثرة الصمت والتبتّل والإطراق لله عز وجل. فتمثّل وتخلّق بخُلق هذا القدوة أيها الحاج، وكُن مثله، لا تُكثر الكلام، خاصةً نحن السودانيين في خيام منى نتكلّم ونتونّس، ندخل في السياسة وفي الكورة وفي الهلال والمريخ! هذا لا ينبغي.

والله أعجبني في حجّةٍ من حجّاتي مَن كان ناطقًا رسميًّا للقوات المسلحة: لما جئنا إلى المطار لنركب، أنا أحمل شنطة، ولكنه لا يحمل شيئًا، لابسٌ بنطاله وقميصه، دخلنا الطائرة هكذا، ووُزّعت لنا شنطٌ من ناس الخطوط السودانية -شنطة الحج-، فذهبنا إلى الحج، ووافق ذلك أن يكون في خيمةٍ معي.

والناس يتونّسون ويتكلّمون ويتجادلون في الإحرام من جدة: يصحّ أو لا يصحّ؟ وما أفتى به مجمع الفقه الإسلامي عندنا في السودان، ورمي الجمرات تلك الأيام -الآن أغلب الناس صاروا يتكلّمون عن جواز الإحرام من جدة وصحة الإحرام من جدة، وصحة الرمي في خلال اليوم كله- ولكن في تلك الحجة كان الناس يتجادلون وترتفع أصواتهم، وهو -والله- بين حالين لا أكثر: إما أنه يتلو القرآن من كتاب ربه، وإما أنه يُمسك بالسبحة ويسبّح. والله ما سمعتُ منه كلمة، وما سمعنا صوته حتى عاد.

وهو راجع، لما رجعنا كان الواحد منا يحمل الشنطتين والثلاثة، وهو عاد كما سافر، لما انتهى من حجّه أخرج الإحرام -ثياب الإحرام- وطوى الإحرام، أدخله في شنطةٍ صغيرة، ولبس بنطاله وقميصه هكذا، حتى عاد ورجع. نحن في المطار مكثنا ليلتين، كل واحد واقعٌ في زحمةٍ في شنطه، وهو جالسٌ مرتاح، فاتحٌ مصحفه يقرأ، أو يحمل سبحته يسبّح.. إنه الدكتور عثمان الأغبش حفظه الله تعالى.

دعاء ختامي

اللهم يا كريم يا رحيم يا رب العالمين، اللهم أريتنا من أحوال خير المسلمين، اللهم اجعلنا من صالحي هذه الأمة، وأدخلنا في الصالحين يا رب العالمين، واكتب لنا حجّةً لا رياء فيها ولا سمعة يا أرحم الراحمين.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعزّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.

اللهم يا كريم يا رحيم، يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، انصر الإسلام وأعزّ المسلمين، وأذلّ الكفر والمشركين، اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين يا رب العالمين. اللهم كن لإخواننا وأخواتنا، ونساء المسلمين، وأطفال المسلمين، وشيوخ المسلمين من لاجئي سوريا في أوروبا، كن لهم ولا تكن عليهم، اللهم احفظهم بحفظك يا كريم يا رحيم، اللهم سلّم لهم دينهم وعقيدتهم يا رب العالمين، اللهم سلّم إخواننا المسلمين في بورما يا كريم يا رحيم، اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين يا أكرم الأكرمين.

وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

https://azubair.net/sermon/%d8%a5%d8%b3%d8%b9%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b2%d8%a7%d8%ac-%d8%a8%d9%85%d8%b4%d8%a7%d9%87%d8%af%d8%a9-%d8%a3%d8%ad%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8d-%d9%84%d8%b5%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a-%d8%a7%d9%84/ — azubair.net