ثم أما بعدُ،
فيا أيها الإخوة المسلمون، في كل عامٍ، في مثل هذه الأيام، يتناول الدعاة والعلماء والخطباء حادثة الإسراء والمعراج. كلٌّ يُبيِّن جانبًا من جوانب هذه الحادثة العظيمة، مع اختلافٍ بين العلماء في كونها معجزة أو غير معجزة، ولن نقف مع هذا ولا ذاك، ولن نسرد أحداث الإسراء والمعراج، فكلُّ ذلك صار معلومًا لدى الناس، سمعوه وقرأوه وعلموه. ولكن الذي نريد أن نتوقف عنده في هذه الساعة المباركة مع ذكر الإسراء والمعراج، هو التوقف مع سورة الإسراء.
ليس مع مجمل السورة، وليس تفسيرًا لها، ولكن تدبُّرًا لمقصودها. ولقد توقفتُ طويلًا لأتدبَّر سورة الإسراء، وهي سورةُ بني إسرائيل، واستوقفني أكثر المطلعُ الكريم من السورة الكريمة: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].
و”سبحان” اسم فعل بمعنى: أنزِّه الله وأقدِّسه عن الأضداد والأنداد. إنه تقديسٌ وتنزيه لله عز وجل. فتساءلت في حوارٍ ذاتي مع نفسي: ما هو المقصد الأصلي من إسراء محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؟
هل المقصود الإلهي من إسراء حبيبه صلى الله عليه وسلم هو رؤية الآيات الكبرى ليزداد إيمانًا ويقينًا؟ هو قوله تعالى: ﴿ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ﴾ [الإسراء: 1]. واللام للتعليل، فيكون مقصودًا. نعم، هو مقصود، ولكن هل هذا هو المقصد الأصلي من إسراء محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؟
هل المقصود من إسراء الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى هو اللقاء بالرسل والأنبياء في بيت المقدس، والتعرف عليهم، وتحقيق الرابطة التوحيدية بين سائر الأمم للتوحيد، وهم أنبياء هذه الأمم؟ نعم، هو مقصود، وذلك كان، ولكن هل هو المقصود الأصلي؟
هل المقصود من إسراء الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى هو لتشريع الصلاة والتخفيف على الأمة في تشريعات الإسلام؟ نعم، ذلك كان مقصودًا، وقد كان أن شرع الله عز وجل الصلاة في إسراء محمد صلى الله عليه وسلم وفي معراجه، ولكن هل هو المقصد الأصلي من الإسراء؟ ألهذا أُسرِي بمحمد في تلك الليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرج به؟
هل المقصود من الإسراء تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتقويته ليستمر في الدعوة، ولا يتوقف ولا يضعف؟ هذا ربما يكون مقصودًا، ولكن محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يحتاج لذلك؛ لأنه هو الذي أعلن حينما مُلئت أمامه التراغيب والترهيب، أخافوه ورغبوه بالنساء والأموال والملك والسلطة، فقال: “والذي نفسي بيده، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته”. صلى الله عليه وسلم.
هذه كلها قد تكون مقصودة، ولكن قصدها تابع، وليس هو المقصود الأصلي من الإسراء.
فما هو المقصد الأصلي؟ ما هو المقصد الأصلي من إسراء محمد صلى الله عليه وسلم؟ وما العلاقة بين الإسراء وبين افتتاح السورة بـ”سبحان”؟ و”سبحان” كما قلنا اسم فعل بمعنى أنزّه الله وأقدسه عن الأنداد والأضداد. وقد ابتدأ الله عز وجل بتنزيه ذاته ونفسه، ثم طلب تنزيهه من خلقه وعباده.
فما العلاقة؟ هل في حادثة وصورة الإسراء تنزيه لله عز وجل أم هو معجزة كما يُقال؟ وهل المعجزة يصح أن تنتهي بزمان أو تتلاشى؟ هل المعجزة تنتهي بزمان أو تتلاشى أم الإعجاز الإلهي أصله البقاء، بل حقه البقاء والاستمرار وعدم الانتهاء لا بزمان ولا بحال ولا بسبب؟
كان عند حادثة الإسراء أمرًا عجيبًا، لا يصدق الأمر أن يُسرَى بمحمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام من مكة إلى فلسطين بيت المقدس ثم يعود إلى مكة في نفس الليلة، فكان ذلك أمرًا عجبًا. فهل اليوم هذا أمر عجب؟ لو أخذ ساعات أو ساعة اليوم، يمكن ذلك. هل مشاهدة بيت المقدس أو المسجد الأقصى لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان في مكة مثلًا، اليوم هذه معجزة؟ لا، لم يصر معجزة ولم تصبح معجزة، فقد انتفى السبب. إذن لا يمكن أن تكون هذه معجزة.
إذن، ما المقصد من الإسراء؟ وما العلاقة بين أن يُسرَى بمحمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وبين “سبحان”، طلب التنزيه لله عز وجل، وبين المسجد الأقصى؟ ما العلاقة بين الإسراء وبين طلب التنزيه وبين المسجد الأقصى؟ ما العلاقة بين هذه الأمور الثلاثة وما الرابط بينها؟
عند التدبر الدقيق، تظهر العلاقة الدقيقة بين هذه الأمور الثلاثة، وذلك أننا لو نظرنا إلى الأمم التي تتعاقب على المسجد الأقصى وما حوله مما بارك الله فيه من فلسطين، نجد أنهم هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وهؤلاء لو تدبرتم أمرهم لوجدناهم أنهم عجزوا عن تنزيه الله عز وجل، ما قدروا الله حق قدره، وما استطاعوا أن ينزهوه حق التنزيه، سبحانه وتعالى. ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6-7].
ثلاث أمم، ثلاثة أقوام ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]، والمغضوب عليهم، والضالين. فهل أمة محمد من المغضوب عليهم أم هم من الضالين أم هم الذين أنعم الله عليهم؟ الكل يعلم ذلك بلا تردد أن أمة محمد هم الذين أنعم الله عليهم، وأن اليهود هم المغضوب عليهم، وأن النصارى هم الضالون في سورة الفاتحة. نعم، ما استطاعوا أن ينزهوا الله عز وجل، فلذلك كان الإسراء. ما استطاعوا أن يقدروا الله حق قدره، فلذلك كان الإسراء.
اليهود تعرفون كيف أساءوا إلى الله، كيف شتموه، كيف سبوه، كيف طعنوا في ربوبيته وألوهيته وأشركوا به، ثم انتقصوا منه جل جلاله وعابوه. قالوا: ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 30]، قالوا: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ [المائدة: 64]، ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ﴾ [المائدة: 64]. قالوا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ [آل عمران: 181]. أي، قالوا هذا لله عز وجل. ولهذا، ليسوا أهلًا لإدارة البيت، بيت المقدس، ولا المسجد الأقصى، ولا ما حوله مما بارك الله من فلسطين.
النصارى أساءوا إلى الله وطعنوا فيه وانتقصوا منه، جعلوا له الولد. قالت النصارى: ﴿ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 30]. حتى غضب الله فقال: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ﴾ [مريم: 88-91]. أمر عظيم ودعوى كبيرة في حق الله عز وجل، دليل على أنهم ما استطاعوا أن ينزهوا الله عز وجل. ولذلك، لا بد من تحقيق التنزيه لرب العزة تبارك وتعالى.
هم الذين قالوا: ﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [المائدة: 112]. أي، قالوا للرب تبارك وتعالى مثل هذا: هل يستطيع ربك؟ فهؤلاء الأقوام، هذه الأمم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ما استطاعوا أن ينزهوا الله عز وجل، ما قدروا الله حق قدره، ما استطاعوا تنزيهه جل وعلا حق التنزيه، ففقدوا الأهلية في إدارة بيت المقدس والمسجد الأقصى وما حوله من فلسطين، ولم يكونوا أهلًا للاستخلاف في فلسطين.
أما أمة محمد، أما محمد وأمة محمد صلى الله عليه وسلم، هم أحق الأمم بالإمامة الدينية على بيوت الله ومقدساته والشعائر في الأرض كلها؛ لأنهم خير أمة أخرجت للناس. وبالمقارنة بين أمة اليهود وأمة النصارى وأمة المسلمين، أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أمة المسلمين؛ لأن دينهم هو دين الله الذي ارتضاه. ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85]. ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].
سمى الله بيت المقدس المسجد الأقصى، سماه مسجدًا، والمسجد هو بيت الله عند المسلمين، البيت الذي يتعبد المسلمون فيه. أما النصارى واليهود والصابئون فلا يسمون بيت الله مسجدًا، ليس عندهم مسجد. ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [الحج: 40].
لهُدمت صوامع، هذا معبد الصابئين، وبيَع للنصارى، وصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين. والله عز وجل سماه مسجدًا، ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴾ [الإسراء: 1]، فسماه مسجدًا، هو للمسلمين لا لغيرهم، لا لليهود ولا للنصارى بشهادة الله عز وجل.
الله عز وجل كتب في الزبور، وكتب في سائر الكتب السماوية التي أنزلها والتي كانت في اللوح المحفوظ، أن المسلمين هم ورثة الأرض المقدسة فلسطين، هم ورثة فلسطين، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 105-107]. ﴿ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ ﴾ [الأنبياء: 105] يقول ابن عباس: الأرض هي الأرض المقدسة وهي فلسطين، ﴿ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105].
أكثر المفسرين الذين فسروا هذه الآية ذهبوا إلى أن العباد الصالحين هم المسلمون، هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ ﴾ [الأنبياء: 105] فلسطين ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ [الأنبياء: 105] المسلمون أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا ﴾ [الأنبياء: 106] تكليفًا من رب العزة وأمرًا منه وبيانًا من الله عز وجل لبلوغ هذا المقصد، لتحقيق الوراثة، توريث بيت المقدس لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 106] قال أبو هريرة رضي الله عنه وسفيان الثوري رحمه الله تعالى: هم أهل الصلوات الخمس. وهل أهل الصلوات الخمس إلا المسلمون؟ إذن، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] لكل ذلك. فدلّ على أن في الزبور وفي الكتب السماوية جميعًا أن الله عز وجل نص على أن الذين يرثون بيت المقدس والمسجد الأقصى وما حوله مما بارك الله فيه من فلسطين هم المسلمون، هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وفوق ذلك، لو ادعوا أنه أنزلت فيهم الكتب، اليهود والنصارى، لا شك في ذلك أن الله أرسل إليهم رسلًا، لا شك في ذلك أن الله بعث فيهم أنبياء، لا شك في ذلك. ولكن هل تعرفون نبيًا من أنبيائهم يهوديًا أو نصرانيًا؟ الذين أرسلوا وبعثوا في بني إسرائيل جميعًا كانوا مسلمين، ولم يكونوا يهودًا ولم يكونوا نصارى. ليس هناك نبي نصراني، ولا نبي يهودي، صلوات ربي وسلامه عليه أجمعين. وإن أردت أن تعرف ذلك فقد أعلنوا جميعًا إسلامهم. نوح عليه السلام يقول: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾.
أول نبي أرسله الله عز وجل، أول رسول أرسل في الأرض نوح عليه السلام، وقد أعلن أنه مسلم. إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 131]. يوسف عليه السلام قال: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]. لوط وأتباعه، يقول تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الذاريات: 35-36]. مسلمون.
حتى أنبياء بني إسرائيل لم يكن أحدهم يهوديًا ولا نصرانيًا. إسرائيل نفسه، إسرائيل الذي ينتسبون إليه، بنو إسرائيل، هو سيدنا يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم عليه السلام. سيدنا يعقوب هو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل من اليهود والنصارى وغيرهم. إسرائيل نفسه أعلن إسلامه، ووصى بذلك بنيه: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132].
حتى أبناء إسرائيل من الأسباط، أنبياء بني إسرائيل من بعد يعقوب عليه السلام، كلهم أعلنوا أنهم مسلمون. لما سألهم أبوهم يعقوب قال لهم: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ﴾ [البقرة: 133]؟ قالوا: ﴿ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 133]. حتى أنبياء بني إسرائيل سليمان من أنبياء بني إسرائيل، وكتابه لبلقيس ماذا قال فيه؟
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 30-31]. كل أنبياء بني إسرائيل: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ [المائدة: 44]. النبيون الذين أسلموا من بني إسرائيل. التوراة إنما أنزلت ليحكموا بالإسلام في الذين هادوا. حتى عيسى والحواريون كلهم أعلنوا إسلامهم.
﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 52]. ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ [المائدة: 111]. فكلهم يشهدون، حتى أنبياء بني إسرائيل، الأنبياء الذين جاءوا إلى اليهود اليوم والنصارى اليوم الذين قالوا نحن يهود ونحن نصارى، وأقر لهم بهذا الاسم رب العزة تبارك وتعالى، لكن أنبياءهم ورسلهم ما كانوا يهودًا ولا كانوا نصارى.
إذن، قادة التوحيد في سائر الأمم مسلمون، إذن قادة التوحيد مسلمون، والأنبياء مسلمون، والرسل مسلمون، فنحن المسلمون نحن أولى ببيت المقدس وأولى بالمسجد الأقصى. حتى سيدنا موسى عليه السلام، رسولهم ونبيهم الذي جاءهم وأنقذهم من فرعون، كان مسلمًا، يقول لهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84].
فإذن ماذا بقي لهم؟ ليسوا مستحقين لبيت المقدس ولا مستحقين للمسجد الأقصى وما حوله من فلسطين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
ثم أما بعدُ، فقد تبيّن أن اليهود والنصارى وأهل الكتاب ليسوا أهلًا لإدارة بيوت الله ولا المقدسات ولا الشعائر. أهل ذلك محمد صلى الله عليه وسلم وأتباع محمد من أمته، أهل التوحيد كافة. ولهذا كان الإسراء بمحمد صلى الله عليه وسلم. أُسرِي به ليجمع الله له قادة التوحيد والتنزيه لله عز وجل من الأنبياء والرسل في المسجد الأقصى، ثم سفير الله عز وجل، جبريل عليه السلام، الذي كان يتنزل بأمر التنزيه لله عز وجل من الأنبياء على الرسل والأنبياء، صلى الله عليه وعلى نبينا وسائر المرسلين، جمع الله له ليسلموه الإمامة الدينية على المسجد الأقصى وعلى سائر بيوت الله والمساجد.
﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 81].
سبحانه وتعالى، ذهب الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، ثم جاء له بسائر النبيين والمرسلين، فأقرُّوه على إمامتهم، وقدموه عليهم، واعترفوا له بالإمامة الدينية في أمم التوحيد، وقدموه عليهم مُقرّين بنبوته ومُقرّين بإمامته. ﴿ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ [آل عمران: 81]، والإصر هو العهد، فهذا أخذ للعهد والميثاق على سائر النبيين، ولا شك أن أخذ العهد والميثاق على النبيين هو أخذ للعهد على أمم النبيين كافة.
فالأنبياء وأممهم جميعًا أخذ الله العهد والميثاق منهم أن ينصروا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأن ينصروا دينه ورسالته وكتابه وشريعته وسنته، وأن يقدموه على سائر كل شيء صلى الله عليه وسلم. وبذا، قدموه وأقروا له بالإمامة الدينية، فكأنه كان حفل تسليم للإمامة الدينية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبعد محمد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولكن الحال كيف الحال؟ الحال كيف الحال؟ هذا حقنا بالكتاب، وهذا حقنا بشهادة الله عز وجل، وهذا حقنا بميثاق النبيين كافة، أن يكون المسجد الأقصى والقدس الشريف وما حوله مما بارك الله من فلسطين كله أن يكون للمسلمين. لكن أين هي اليوم؟ أين المسجد الأقصى وبيد من؟ أين القدس وبيد من؟ أين فلسطين وبيد من؟
ما يجوز أن نسلم فلسطين لغير المسلمين، ولهذا ما أقر المسلمون في أي عهد من عهود النهضة أن تكون فلسطين أو بيت المقدس أو القدس الشريف أو المسجد الأقصى وما حوله من فلسطين جميعًا أن تكون في يد غيرهم. ولهذا لما تطاول اليهود فأرادوا أن يتسلموا بيت المقدس، سار إليهم عمر رضي الله عنه وتسلم بيت المقدس. لما تمكن الصليبيون فاستلموا بيت المقدس وفلسطين، جاهدهم صلاح الدين الأيوبي حتى تسلم وأرجع بيت المقدس وفلسطين إلى المسلمين. ولكن اليوم سلمناهم، وما زلنا نسلمهم، وهذا لا يجوز شرعًا.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.